حكامنا يخطفون أحلامنا ويقدموننا قربانا وإسرائيل تحصد

حجم الخط
0

هناك من لا يؤمن بنظرية المؤامرة التي تحاك لنا، وينزه مدبريها ويبرؤهم منها ويدافع بشدة عن الأبرياء، الذين حسب تقديره، يتهمون المؤمنين بتلك النظرية الذين هم غالباً ما يبنون اتهاماتهم على وقائع وتاريخ طويل مملوء بكوارث لا حصر ولا عد لها، تلك اللعنة، التي تلاحقنا ليست لظروف راهنة أو هي وليدة اللحظة فقط، ولكن ما زلنا لم نستوعب الدرس.
هؤلاء الذين يبرؤونهم لهم وجهة نظرهم الخاصة بهم، التي يبنونها على أن ضعفنا وخذلاننا في التعامل مع قضايانا، خاصة المصيرية منها، وعجزنا المتفوق في شق طريق واضح، فيعلقونها على شماعة الآخر، وينسبون كل ما يحل بنا من مصائب إلى الغربي، الذي قطع شوطاً طويلاً في طريق التقدم وفي مسيرة الديمقراطية، التي ينعم بها المواطن الغربي، فيبدع ويرتقي بأفكاره ولا يُحجر على عقله ولا على آرائه، فينطلق لتحقيق طموحاته في جو مفعم بالحرية يسمح بذلك الانطلاق المثمر، في الأغلب، ويحقق نتاجاً منقطع النظير وإنجازاً على مختلف الصعد، فهي شعوب ترعرعت في تلك الأجواء وأصبحت تلك المكتسبات من مقوماتها الأساسية المتأصلة واللصيقة بها، التي لا ينتزعها كائن من كان، وتنتقل بموروثها ذاك عبر الأجيال بشكل تلقائي وسلس لا مساس به، فثقافته تتعمق كلما أُفردت لها مساحة تستوعبها وتزيد من نضجها. تخلص من رواسب سياسات وأفكار قديمة أكل عليها الدهر وشرب، تخطى مراحل كثيرة ما زلنا نتخبط فيها، سمتها الشعور بالإحباط والفشل والاستسلام لمرارة الأمر الواقع الذي نتجرعه ويفسد مذاق حياتنا، تتعتم الرؤية لدينا فلا نبصر طريقنا ولا نتبصر فنضيع في ثنايا مجاهل لا نهاية لها، ويتجاذبنا القاصي والداني. وعندما تلوح لنا بارقة أمل، تلتهمنا تلك الأنظمة التي ركزت على صدورنا وجثمت على قلوبنا ردهة من الزمن، وتجهز حتى على سراب نتوهمه، ويتم تسليمنا، فيلوكُنا شِدق المتربص خلف الأسوار ويبتلعنا في سويعات.
تعتيم ينتاب المرحلة الحالية وغموض في الرؤية المستقبلية، وشعور عام بالقلق يكتنفنا ويسيطر علينا الخوف، فترتبك خطواتنا فيكبلنا مؤدياً لحسر حركتنا ووأد أي محاولة جريئة نقوم بها، ولا أحد يثق في الخطوة القادمة، والخوف من المجهول يكتسحنا ويجرفنا للتقوقع فننكفئ على أنفسنا، وننبذ أي فكر مستنير فننغلق ونعود إلى الوراء باستدعاء أفكار قديـــمة نتشبث بها ورؤى عقــــيمة، فيتلقفنا من ينفخ في روحها ويحيي هكذا أفكار ويهيئ لها أرضية لتفرخ لنا إرهاباً، مــــن أبرز أسبابه الجهل والفقر، فنسبة الفقر في مصر مثلاً تبلغ أربعين في المئة، وباستغلال هكذا ظروف وباستحواذ عقول البسطاء بإحياء دولة إسلامية، تلازمه حملة تكفير لكل من يعيقـــهم ويقـــف في وجه مشروعهم المــــدعم من أجهزة خفيـــة ليست لها هوية محددة، فنــــتأرجح بين نظم مهتـــرئة وأجهــــزة عززت جهودها لاحتواء بعض هؤلاء المعوزين والمغيبة عقـــولهم، ليصبحوا أداة فاعلة تطوعها وتسخرها متى شاءت.
كل ذلك ينسحب على بلادنا العربية بنسسب متفاوتة، ونالت مصر منه ما نالت، وعندما هُيأت لها ثورة 25 يناير وكانت لها إرهاصات تنبئ بحدوثها وكان البوعزيزي الذي فجر ثورة تونس، التي كانت ولا تزال نبراساً لكل الثورات التي تلتها في بعض الدول العربية، والتي كسرت حاجز الخوف، فتخلصت مصر من نظام كبح جماحها على أن تضطلع بدورها المنوط بها، خاصة تجاه عالمها العربي وكذلك على الصعيد المحلي، وأعقبه نظام مرسي الذي لم يدم طويلاً، والذي ثار عليه الشعب في 30 يونيو/حزيران، التي اعتبرها البعض تتمة لثورة 25 وتأكيداً لها ولا تنفصل عنها حتى في حال الالتفاف عليها وتشويهها، بدعوى أنها مؤامرة مدبرة من جهات خارجية وليست ثورة شبابية على الظلم والفساد، وأن ثورة 30 يونيو هي ثورة الشعب الحقيقية، غير أن هذا الفريق من الناس حاول تشويه تلك الثورة وكأن من يبيت ساهراً يخطط لنا على مدى سنوات عدة كي يلتهمنا وبمساعدة بعض القابضين، الذين لديهم أجندة معينة، وبالتالي مهمة بعينها يؤازرهم فيها أصحاب المصالح، شلة المنتفعين الذين كانوا يتحلقون حول الرئيس الأسبق والسابق لأجل حفنة من الدولارات، وكأنهم لا تعنيهم مصر لا من قريب ولا من بعيد، وهم الذين يدركون جيداً أن مصر هي العمق الاستراتيجي للعالم العربي كله وأنه متى وقعت مصر فريسة للإرهاب والاستقطاب، سهل الانقضاض على البقية. ولقد كانت لنا تجربة سابقة في ذلك، حيث خذل العرب وأصابهم الإحباط وتفرقت كلمتهم، عندما ابتعدت أم الكنانة قليلا عن أخواتها بعد معاهدة السلام مع إسرائيل.
أمريكا أيقنت أن النخبة ضعيفة وأن ليس لها وجود في الشارع، فعولت على بعض القوى الاسلامية المتطرفة، لتخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير عبر مصر، فهي تحاول تمريره عن طريق الإسلام السياسي. المشروع الذي دأبت تسوّقه للذي يتلقفه فيحرز مكاسب جمة تخدم مصالحه وأغراضه، ولكن ثورة 30 يونيو قطعت عليها الطريق فأربكت حساباتها في المنطقة، وأفسدت حلمها فأصبح كابوساً يؤرقها، وبالتالي أخذت سياساتها تتذبذب ويجرفها سيل الانتقاد في عقر دارها، كأن تلقي مراكز البحث الأمريكية باللوم على الرئيس أوباما بخصوص إدارة ملف التعاون مع القوى الإسلامية في مصر، ويؤكد روبرت إيلي في مجلس السياسات الخارجية الأمريكية أهمية دور الجيش المصري في ما قام به خلال ثورة 30 يونيو، ناهيك عن أن 77′ من المنتمين لحزب أوباما ضد تدخله في الشؤون الداخلية لمصر، وينشط الأمريكان، فيؤكد استطلاعان سوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية في عهد مرسي بشكل تدريجي من 2012 -2013. ويؤكد الكونغرس الأمريكي أن نهج أوباما وسياساته تجاه مصر تسببت في إفساد العلاقات بين مصر وأمريكا وبعض الدول العربية. عله كلام حق أريد به باطل، ولكن لغة المصالح تقتضي هذا التقرب أو قل التملق، فعودة روسيا ودخولها على الخط وصفقة الأسلحة خسارة لا تقدر، خاصة أنها تعي جيداً أهمية مصر للدول العربية. وكانت إسرائيل اللماحة قد نبهت حليفتها أمريكا لذلك ولم تبارك عودة الدب الروسي لمصر، متوجسة خيفة من ضياع ذلك الصيد الثمين.
لا جدال أن هناك عدم سيولة في العلاقات بين مصر وأمريكا، لذلك لم تستدع مصر في المؤتمر الأفريقي في دافوس. أفريقيا التي كانت لمصر فيها بصمة كبيرة عززها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وكانت من أولويات سياساته، لأنه كان يدرك مدى أهميتها، فتأتي السيدة أمريكا كعادتها لمحاولة تغييب أو بالأحرى اغتصاب الدور المصري فيها.
مما تقدم ألا نستوعب أن بلداننا تستحق من أمريكا وأخواتها أن تشيد جسرها الذي دشنته بريطانيا في قلب فلسطين لتنطلق منه وتتدفق كالسيل العرم لتكتسح ثرواتنا، فتفتتنا بخطة تقسيم طويلة المدى (ما تخرّش الميّه) وتتحين الفرص لاقتناص أي ثغرة، وما أكثر ثغراتنا، فتدمر جيوشنا لحماية إسرائيل، وتزرع الفتنة بيننا وتسخر لنا من بين ظهرانينا من يرهبنا فيخترق نسيجنا ويعبث بإنجازاتنا وأمننا كتوطئة لحرب أهلية تسعى لتعزيزها، فيذهب ريحنا ولا تقوم لنا قائمة، وإسرائيل تتفرج وتحصد حثيثة المزيد تحت سلام مزعوم من دون عناء.

‘ كاتبة وإعلامية ليبية
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية