الربيع العربي يذبل في موئله ويتفتح في بقاع أخرى من العالم

قبل ثلاث سنوات كان العالم العربي يعيش موجة من الانبعاث والطاقة المتجددة والأمل والفرح لا تعادلها فرحة في العصر الحديث، وكأن تلك الطاقة التي انبعثت في الأمة على إثر موجة الانتفاضات المتتالية في ما سمي بالربيع العربي جمعت في لحظة واحدة تلك الفرحة والتجدد والانبعاث التي تلت تأميم الزعيم جمال عبد الناصر قناة السويس في 26 يوليو/تموز 1956، وفرحة الوحدة بين مصر وسوريا في 1 فبراير/شباط1958، وفرحة استقلال الجزائر في 5 يوليو/ تموز 1962، وفرحة عبور القناة يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973. لقد جاءت تلك اللحظة بعد يأس ومسلسل من الهزائم وتفتت للأمة بعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة، التي جرّت على الأمة وما زالت مصائب لا أول لها ولا آخر. لم تشهد الأمة يوم مسرة يزرع الابتسامة على جبينها. بدأت الانقسامات تتعمق في جسم الأمة واشتعلت الحروب البينية والعابرة للحدود، وتغولت إسرائيل ووصلت ذراعها الطويلة إلى بيروت وبغداد وتونس ودير الزور ودبي. حرب أهلية في لبنان وحرب بين العراق وإيران وحرب إسرائيلية على لبنان أدت إلى رحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن آخر نقطة تماس مع العدو وانهارت جبهة الصمود والتصدي، وكلل النظام العراقي مسلسل التفتيت باحتلاله للكويت، مما أعطى المبرر للولايات المتحدة التي انفردت في موقع الدولة العظمى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن تكبل العراق تحت طائلة العقوبات وصولا إلى الاحتلال المباشر. تلت ذلك منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها اتفاقية أوسلو الكارثية، تلتها اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل. انفصل جنوب السودان عن السودان ودخل العراق في ما يشبه الحرب الأهلية وغابت مصر عن التاريخ والجغرافيا وكأنها غير موجودة. لقد استقر اليأس عميقا في النفوس، رغم محاولات فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين أن تنعش شيئا من الروح، إلا أن المواطن شاهد تدمير الجنوب اللبناني وغزة والعراق، وشاهد تلك الوجوه الكالحة لرؤساء تكلسوا على كراسيهم يقفون إلى جانب من دمر العراق وأحرق غزة والجنوب اللبناني. لقد أصبح النظام العربي المحنط جزءا من مأساتنا اليومية ويكفي أن نعرف أن الرؤساء الأربعة الذين أًسقطوا حكموا 128 سنوات بمعدل 32 سنة لكل واحد منهم لنعرف حجم المأساة التي عاشتها الأمة. جاءت مفاجأة هدير ملايين الشباب العربي وهم يتدفقون على ميادين الحرية والتحرير في تونس والقاهرة وبنغازي وصنعاء والمنامة والرباط والجزائر ودرعا وحماة وعمان وصلالة والسليمانية والقطيف، ليعدلوا تلك الصورة النمطية التي كانت ترسم العرب على أنهم شعوب خاملة يقبلون بالضيم ويستمرئون الذل ويحولون القادة إلى أصنام يقبلون أياديهم وينحنون أمامهم بكل مذلة. لقد رسمت تلك المسيرات المليونية صورة جديدة للشباب العربي المعتد بكرامته والمطالب بحقوقه في الحرية والكرامة والعيش الكريم والمواطنة المتساوية والتعددية وتناوب السلطة وسيادة القانون ورفض عصابات الفساد واحترام الحقوق الأساسية ومساواة الرجل بالمرأة. لكن تلك الشعلة تعرضت للهجوم الشامل لإطفائها من أعداء الداخل مسنودين من أعداء الخارج، الذين يتمنون أن يبقى مثل هذا النظام العفن لضمان تدفق النفط في شرايين الصناعة الغربية، وضمان تفوق إسرائيل تقنيا وعلميا وعسكريا واقتصاديا وإلى الأبد. لكن تلك الشعلة انتشرت في أقطاب الدنيا وتركت مفعولها في أكثر من بلد، حتى ولو تخلى العرب عنها وتآمروا عليها وحاولوا وما زالوا إطفاءها بكافة الوسائل.

أثر الربيع العربي على العالم

الصورة التي قدمها شباب العرب للعالم كانت في منتهى البلاغة والبساطة: إذ قامت الجماهير المقهورة المغلوبة على أمرها سلميا بموجات متلاحقة من المظاهرات السلمية التي لا تكل ولا تمل، رافعة شعارات بسيطة ومقبولة توحد ولا تفرق تتمحور حول الكرامة والحرية والعيش الكريم، فلا بد أن تنتصر وسيفر الطغاة الواحد بعد الآخر بعد أن يكتشفوا أن الترهيب والقتل والاعتقالات لن تثني هذه الجموع الغفيرة عن مطالبها. إلى هنا يصل الدرس العربي الذي سمي بالربيع العربي إلى مبتغاه فيترك بصماته على كثير من أنصار التغيير ودعاة الاحتجاج والتمرد السلمي في دول العالم. فمن احتجاجات ساحل العاج ضد لورا غبابغو الذي رفض الانصياع لإرادة الناخبين الذين آزروا الحسن وترا، ولم يكلوا حتى أجبر غبابغو بالقوة على الاعتزال وانتهى به الأمر إلى السجن في أبريل/نيسان 2011. كما شهدت موسكو وما زالت حركة احتجاج تم إخمادها باعتقال المئات سميت ‘الربيع الروسي’، وانطلقت في الولايات المتحدة حركة احتجاجية تحت شعار ‘إحتلوا شارع المال’ التي قلدت الربيع العربي حتى في خيم الاعتصام. كما انطلقت في يريفان عاصمة أرمينيا حركة احتجاجية ضخمة في فبراير 2011 طالبت بإطلاق السجناء السياسيين وإجراء إصلاحات اقتصادية عميقة. وفي إسرائيل نفسها قامت احتجاجات بمئات الألوف في يوليو/تموز 2011 ضد الغلاء وارتفاع أسعار البيوت والسكن. حتى في الصين الشعبية انطلقت حركة احتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، أطلق عليها ‘ثورة الياسمين’ اقتداء بثورة تونس. وفي جيبوتي تفجرت حركة احتجاج ألوفية ضد محاولة الرئيس إسماعيل عمر جليه ترشيح نفسه للمرة الثالثة، التي جذبت 30 ألف متظاهر في 18 فبراير 2011 إلى أن تم قمعها بقوة السلاح وبقي جليه في السلطة لغاية الآن منذ 1999. والقائمة تطول ولكني سأقصر الحديث على بلدين نجح فيهما الربيع العربي كما عرفناه أعلاه، وهما السنغال وأوكرانيا.

السنغال

الرئيس السنغالي السابق عبد الله واد، قام بتغييرالدستور عام 2001 بتحديد فترات الرئاسة لدورتين فقط بعد بقاء الرئيس السابق ليوبولد سنغور أربع دورات متتالية. في عام 2011 ومع اقتراب انتهاء دورته الثانية رفض واد الانصياع وعاد وغير الدستور على طريقة الجزائر واليمن ليتمكن من الترشح لدورة ثالثة. تشكلت حركة شبابية مناهضة لترشحه على طريقة حركة ‘كفاية’ المصرية تدعى بالفرنسية ‘مللنا’ أو ‘زهقنا’، كما تشكلت مجموعات شعبية أخرى وبدأت تنظم حركة احتجاجات واسعة منذ يونيو/حزيران 2011 تعارض ترشيحه لدورة ثالثة وتطالب بإجراء إصلاحات اقتصادية حقيقية لإخراج البلاد من أزمتها الخانقة. لقد نجحت هذه الحركات بتعبئة الشارع السنغالي ضد واد فكانت هزيمته المتوقعة في انتخابات الرئاسة يوم 26 فبراير 2012. لقد توجس الكثيرون من رد فعله على الهزيمة إلا أنه فاجأ الجميع وانصاع لإرادة الناخبين السنغاليين واعترف بهزيمته وهنأ منافسه ماكي سال ابن الخمسين عاما، الذي يصغره بخمس وثلاثين سنة، مخيبا ظن من راهن على تكرار المشهد الكيني والساحل عاجي، فتنفس الشعب السنغالي الصعداء وخرجوا يحتفلون بانتصار أعرق ديمقراطيات القارة الأفريقية التي شهدت استقرارا نسبيا منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960.

أوكرانيا

مشاكل أوكرانيا لم تبدأ اليوم بل منذ عام 2000 عندما دخلت البلاد في أزمة اقتصادية حادة أدت عام 2004 إلى قيام ثورة البرتقال ضد نفس الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الذي ادعى أنه فاز في انتخابات 2004. وصلت الأزمة الاقتصادية ذروتها عامي 2008/2009 عندما انكمش الاقتصاد نحو 15′ ووصلت نسبة التضخم 16.4′ وتراجعت الصادرات الخارجية عام 2008 بقيمة 48.7’، أي بقيمة 27.4 مليار دولار، ووصلت نسبة البطالة إلى مستويات لم تعد تحتمل. أما الديون الخارجية فوصلت إلى 103 مليارات دولار. وقد كان لقطع الغاز الروسي عن أوكرانيا عام 2009، بالإضافة إلى انهيار أسعار الفولاذ وانعدام الثقة في الاقتصاد الأوكراني وراء تلك الأزمات الطاحنة. الشعب الأوكراني كان يراقب ما يجري من ازدهار اقتصادي لدى جيرانه في بولندا وجمهورية التشيك وهنغاريا ورومانيا بعد انضمام هذه الدول للاتحاد الأوروبي، لم يقتنع في غالبيته بالبقاء في المحور الروسي والاعتماد على روسيا فقط. ومع تفاقم الأزمة عام 2013 تلقف الاتحاد الأوروبي الأزمة واعتبرها فرصة لنزع أوكرانيا من محور روسيا، مستغلا أزمتها الاقتصادية الخانقة ردا على موقف روسيا من الأزمة الجورجية وانتزاع أبخازيا وجنوب أوسيتا من الحكومة المركزية منذ عام 2008، بالإضافة إلى موقف روسيا من الأزمة السورية، الذي شكل خشبة نجاة لنظام بشار الأسد. في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2013 عرض الاتحاد الأوروبي سلة من الحوافز لإنقاذ أوكرانيا من أزمتها الاقتصادية، لكن الرئيس فيكتور يانوكوفيتش تراجع عن قبول الرزمة تحت ضغط من روسيا مقابل تقديم قرض بقيمة 15 مليار دولار، مما عمق الهوة بينه وبين جيل الشباب الغاضب على الأوضاع الاقتصادية وانتشار البطالة وانعدام الأفق وانسداد فرص الخروج من الأزمة، فبدأ موجة من الاحتجاجات تشبه إلى حد بعيد ما حصل في مصر، وبقيت الحملة في تصاعد مستمر. خسر يانوكوفيتش المعركة خلقيا عندما أمر أجهزة الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، خاصة الطلاب فأردت نحو 83 متظاهرا. لم تتراجع الجموع الغاضبة بل طوقت القصر ففر من الباب الخلفي وهرب يوم الجمعة 21 فبراير إلى خاركيف ومنها إلى منطقة القرم (كراميا) في المناطق الشرقة ذات الأغلبية الروسية، ثم اختفت آثاره ولا يعرف أحد أين هو لغاية الآن. والغريب أن روسيا اكتفت بالشجب والإدانة والتحذير. كثيرة هي الشواهد التي تشير إلى تشابه الحالتين المصرية والأوكرانية، إلا أن الفرق بين مصر وأوكرانيا في وجود برلمان قوي ومنتخب فعلا في كييف، فما كان منه إلا أن أعلن عزل يانوكوفيتش وتعيين رئيس البرلمان ألكسندر تورشينوف قائما بأعمال الرئيس لغاية الانتخابات التي حددت بتاريخ 25 مايو/ايار القادم.

أين الربيع العربي الآن؟

قد لا يختلف الكثيرون على إن إسقاط أربعة من أعتى الطغاة العرب يعد إنجازا عظيما في حد ذاته ومكسبا للأمة العربية وشعوبها المضطهدة المهمشة والمسلوبة، إلا أن عملية الارتداد عن الثورات العربية ومهاجمتها وإعادة الاعتبار لبعض رموز العهود السابقة وإغراق بعضها في الدم أو الفوضى أو الطائفية المقيتة، أو قمعها بالقوة المسلحة بهدف وقف زحف الثوارت بعيدا عن تلك البلاد حتى لا يحصل المحظور ويدخل نسيم الثورة كل مكان بما فيها ‘مدن الملح’، كما وصفها المرحوم عبد الرحمن منيف، مما أدى في النهاية إلى انفضاض كثير من الجماهير العربية عن الثورات مفضلين بذلك الاستقرار والأمن على التغيير والديمقراطية. إن ثلاث سنوات من عمر أية ثورة أو حركة تغيير جذرية تعتبر أقصر من رمشة عين في كتاب التاريخ. فلا يوجد ثورة تولد كاملة وتنتقل إلى الاستقرار فورا. فكما كانت مرحلة الميلاد طويلة وعسيرة فلا شك أن الفترة الانتقالية التي تعبرها كل ثورة لتصل إلى شاطئ الاستقرار قد تطول وتقصر بناء على عوامل ذاتية وأخرى موضوعية خارج سيطرتها، فالقوى المعادية للثورة والقوى العميلة المرتبطة بأجندات خارجية، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية المباشرة وغير المباشرة كلها تلعب دورا في تسريع أو تأجيل التحول النهائي نحو دولة الاستقرار والقانون والتعددية واحترام حقوق الإنسان والانتقال السلمي للسلطة، لكن تلك المرحلة آتية لا ريب فيها، فالشعوب الحية لا تنتحر كما قالت لنا كتب التاريخ.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية