منذ تأسيس الاتحاد الأوروبي بدوله الواقعة في أوربا بشقيها الغربي والشرقي وتركيا تحاول ان تحقق حلمها بالانضمام لهذا الاتحاد مستفيدة من الحقيقة الجغرافية لوقوع الجزء الغربي من مدينة اسطنبول في القارة الاوربية. هذا الحلم قد بدأ يتحقق عام 2005 حيث أعلن رسميّا فتح الملف التركي من أجل مفاوضات الانضمام، وكان الطموح التركي للانضمام الى دول هذا الاتحاد مفهوما ومبررا، فالأتراك يسعون الى مشاركة أوروبا في تطورها واستقرارها ورفاهها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. رغم الاشارات الايجابية التي انطلقت من الجانب التركي كبوادر خير وتقدم في كافة المجالات ابان فترة فتح ملف الانضمام إلاّ أنه تحتم على الاتراك أن يحققوا فصول الانضمام التي جاءت بـ 35 فصلاً. أولت القيادات التركية جل اهتمامها في تحقيق هذه الفصول ابتداء بتلطيف الجو السياسي ومرورا بالازدهار الاقتصادي ووصولا الى الرفاه الاجتماعي والاهتمام بحقوق الانسان. كان ذلك بداية مطمئنة لدول الاتحاد في بدء مشوار محادثات الانضمام التي تركزت على الاصلاحات السياسيّة الداخليّة والتي يجب ان تتناغم وتتطابق مع الذوق والمنهج الأوربي. هناك الكثير من الحقائق والاحداث تشير الى توافق اوربي تركي في الرؤى والمسار ينصب على تجميد الصلة وايقاف مشروع ادماج تركيا مع دول الاتحاد الاوربي وأهم هذه الحقائق هو: أولا، لم يفتح من الـ 35 فصلا من فصول الانضمام المطلوب تنفيذها إلاّ 13 فصلا ! بينما جُمّدت 8 فصول بقرار المجلس الأوربي عام 2006، في حين رفعت فرنسا حق الفيتو بوجه خمسة فصول ورفعت قبرص حق الفيتو على ستة فصول. اعتبر الاتراك هذا التصرف الاوربي بأنه تباطؤ وعرقلة في إنجاز الفصول وحجج واهية يستخدمها الاوربيون لرفض انضمام تركيا الى دول اتحادهم. ثانيا، إبان الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت تركيا كردة فعل لقرار الحكومة بتحويل منتزه ‘ميدان تقسيم’ الى مجمّع تجاري في مدينة إسطنبول في صيف عام 2013م، أصدر الاتحاد الأوروبي قرارا بهذا الشأن أدان فيه الاسراف باستخدام القوة ضد المتظاهرين الاتراك. لم تعر الحكومة التركية أهمية لهذا القرار بل رفضته بإصرار حيث تهكم رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان على هذا القرار واعتبره كيلا بمكيالين مشيرا بأن الانتقادات يجب أن يوجهها الاتحاد لنفسه. بل رفضت تركيا تدخلات السياسيين الأوروبيين في شأنها الداخلي وكأنها أرادت أن توحي للأوروبيين بأنكم لا تهموننا أو نحن لسنا جزءاً منكم. هذا الأمر قد زاد التوتر بين الطرفين وجمّد الاتصالات المشتركة المتعثرة حول الانضمام، وجعل التراشق مستمرا بالأقوال خصوصا بعد أن اقترحت حكومة أردوغان مؤخرا مشروع قانون يمنح جهاز الاستخبارات الداخلية سلطات أوسع. ثالثا، ترى تركيا نفسها ومن خلال مواصفاتها العامة بأنها دولة كبيرة في ثقلها وتأثيرها وأهميتها، فهي قوة سياسية واقتصادية وعسكرية يحسب لها، كما أن لها خصال استراتيجية مهمة: فهي عضو في حلف الناتو وفي المجلس الأوربي وفي دول G20 ومجلس الأمن والمؤتمر الاسلامي. كما أن تأثيراتها على دول المنطقة ودورها في موازنة القوى وموقعها الجغرافي الحساس جعلها قوة لا يستهان بها ويحسب لها ألف حساب. رابعاً، في الوقت الذي تتنامى به قوة تركيا الاقتصادية أصيب الاقتصاد الأوربي بالركود والجمود، حتى تباهى الأتراك باقتصادهم الصاعد صعود اقتصاديات الدول النامية والناهضة اقتصاديا مثل الصين والهند والبرازيل. فقد حقق الاقتصاد التركي ارتفاعات ملحوظة في معدلات اجمالي الناتج المحلي خلال السنوات الأخيرة. د. محمد مسلم الحسيني – بروكسل