بعد الصّراع على ميراث الامبراطورية الشّيوعية في اوكرانيا
28 - February - 2014
حجم الخط
2
بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاجات في اوكرانيا حققت الجماهير ما عجز عنه الاتحاد الاوروبي. فر رئيس البلاد فكتور يانكوفيتش هاربا الى معقل مناصريه جنوب شرق البلاد وحول البرلمان القصر الرئاسي الى ممتلكات للدولة. تعيين حكومة ائتلافية جديدة بقيادة الكسندر تورتشنوف رئيسا انتقاليا للبلاد كان مفاجئا، والتصويت في البرلمان بـ 328 نائبا من بين 450 نائبا لعزل الرئيس أوحى بالانقسام الحاد داخل الساحة السياسية الاوكرانية وحول الشرعية الدستورية وحالة الانقسام الحادّ داخل المجتمع المتراوح نحو القبلة الحضارية والوجهة الاقتصادية، لتعود يوليا تموشِنكو رمز الثورة البرتقالية من سجنها الى الساحة منذ اعتقالها سنة 2011 بعد ان خسرت في انتخابات مقاربة سنة 2010 بتهمة الفساد. إذ اعتبرت من بين الذين اثروا بفضل الغاز الروسي عندما تولت مرّتين في العقد الاخير رئاسة الوزراء وأصبحت من اقوى رموز الصّراع بين الشّرق والغرب على صبغة أوكرانيا . وفي كل ما جرى بدت روسيا، الامبراطورية المتحلّلة، اكثر تعثرا هذه المرة واشد استمساكا بأوكرانيا بعد ان فقدت دول البلطيق وشرق اوروبا. فلوح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ بداية الاحتجاج بالمزايا الاقتصادية للتقارب بين اوكرانيا وروسيا، مبيّنا رغبته في مشاريع مشتركة في إطار الاتّحاد الجمركي مع روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، إذ يصعب على الروس الانفصال عن اوكرانيا لأسباب تارخيّة ثقــــافية: فهي حائط روسيا الدفاعي في مواجهة اوروبا ويرسو في بحرها الاســــود الاسطول الروسي ولا يتم تصدير الغاز الروسي إلا مرورا بأوكرانيا، كما أنها واسطة العقد في حلم بُوتين الاستعماري الجديد الاوربي الآسيوي. ولذلك خفّضت روسيا بمقدار الثّلث في تكلفة الغاز الذي تنقله اليها ومنحت روسيا أوكرانيا قرضا يبلغ 15 مليار دولار تسلمت منه اوكرانيا 3 مليارات. صدمة الناس الذين دخلوا القصر الرئاسي بعد مغادرة يانكوفيتش كانت كبيرة. فقد تجلّت حياة البذخ للرئيس بملاعب الغولف والتنس ومجموعة كبيرة من السيارات الفارهة ولوحة تمثال رسم على شكل عملة نقدية يبلغ وزنه كيلوغراما من الذهب الخالص. بينما يحتاج البلد الى المال بعد تدهور نسبة الاستثمارات من 4.38 مليار دولار الى 2.86 مليار دولار. هرول الغرب باستنفار دبلوماسي بـ3 وزراء خارجية اوربيين لتطويق الازمة حتى لا يتسع الحريق. فاقترح الاتحاد الاوروبي مساعدة الحكومة الجديدة وثارت الحميّة الغربية بعد قتل 80 متظاهرا فقط واستعر أُوار الرفض من قبل قادة دول الاتحاد الاوروبي وحل الله عقدة من لسان السفير الامريكي منتقدا الحكومة الاوكرانية لقمعها الوحشي للمتظاهرين واضعا عليها شروطا من بينها ضرورة الاستماع الفوري للمعارضة. الغريب في الامر ان الحكومة في اوكرانيا لم تنعت المتظاهرين بالتطرّف او بتوظيف الدّين في السياسة رغم وجود قساوسة بين المتظاهرين ولم توجه لهم تهم الارهاب رغم وفاة 9 ضباط و 45 شرطيا في المواجهات والاستيلاء على مباني الشرطة والجيش والأمن بل بعد موت 16 من المتظاهرين قام المتظاهرون باختطاف 67 ضابطا وعسكريا كرهائن. لا يمكن ان نعتبر ان الصراع بين الشرق والغرب يتجلى في اوكرانيا فهو ليس انقساما في العمق الحضاري. والتناقضات بين القوى الأوروبية يمكن أن تتلاشى فجأة، وليست الحرب الباردة بمعالمها القديمة رغم وقوف امريكا ومنازعتها موسكو على شرق أوروبا، والسلافي منه تدقيقا وعلى الخارج القريب في آسيا الوسطى وفي القوقاز وتتنازع معها على القطب الشمالي وكنوزه الدفينة وتذرّ قرن الفتنة بين الـ20 مليون مسلم تركي والـ120 مليون أرثوذكسي سلافي وتغض الطرف في حرب المخدرات الأفغانية، لتُديم غيبوبة الشباب الروسي وتستبقي قوة تدخل في أفغانستان. بل تنادي واشنطن منذ مدة بتقارب اوكرانيا وجورجيا ومولدافيا مع الاتّحاد الاوروبي وعودة تربع امريكا على عرش الطاقة كما كان الحال قبل عام 1970 يتطلب المناورة، وواشنطن خير من لعب على أوتار تباينات خصومها ويتجلى ذلك في ايقاد جذوة الفتنة المذهبية مشرقا وتحريضها الهند على الصين، وأوكرانيا على روسيا. المعسكران الشرقي والغربي ليسا حجَرين بل تجمّعين مرنَين مظهرا وجوهرا وليسا في صراع تناحري دائم، بل في تناقض تتخلله مساحات توافق. وجدت امريكا نفسها منتصرة بعد فرار الرئيس الأوكراني ولكنها تراعي الكبرياء الروسي كي لا تخسر روسيا في المفاوضات مع ايران بشأن النووي. ونظرية ‘السيادة المحدودة’ التي طبقها الاتّحاد السوفييتي على الدول الأوروبية الشرقية التي كانت تنتمي إلى ‘المنظومة الاشتراكية’ لم تعد ممكنة. فقد دعمت روسيا انقلابا عسكريا بواسطة الجنرال ياروزلسكي عام 1981 لمنع بولونيا من أن تكون مستقلّة، واستخدمت آنذاك نظرية ‘السيادة المحدودة’. ووصلت رياح الشيوعية حتى اليمن التي اعلنت نفسها ‘دولة ماركسية’، فدُمّر اليمن بميناء عدن المشهور على صعيد التجارة العالمية، وانتهت القصة بطوابير الفقر في اليمن الجنوبي. أوكرانيا لم تعد شيوعيّة، والأولوية فيها للجيوسترتيجيا وليست للايديولوجيا. سليم الحكيمي ـ صحافي من تونس