الحياة في بلد الفوضى… تكاذب اجتماعي يحاصر المواطن الوحيد
3 - March - 2014
حجم الخط
0
تعيش في بلد يُحظّر فيه التدخين داخل المقاهي، في الوقت الذي مسموح فيه سرقة السيارات نهارا جهارا بقوة السلاح، شرط عدم بيعها الى تنظيمات لتفخيخها بالمتفجرات. رغم أنّ ‘الدولة’ ومؤسساتها الامنية تعرف أماكنها بعد السرقات لكنها لا تجرؤ على استرجاعها بقوة القانون لمالكيها، بل تتشفّى بتسجيل محضر ضبط بحق من يخالف قانون منع التدخين! بلد لا يتجمع فيه الناس مع بعضهم البعض سوى في المقاهي والمطاعم، ويصرُّون على أن تكون نصف مساحة منازلهم مخصّصة لاستقبال الزائرين. أمّا أماكن اللهو، فقد أصبحت شبيهة بحضانات للأطفال، من شدّة قلّة آداب معظم العائلات، التي لا تحترم خصوصية الفرد البالغ وحقّه بالهروب الى هذه الاماكن، طلبا للراحة والهدوء. ارتضينا القرار الهمايوني لمنع التدخين، فهل علينا أن نتحمّل صراخ ولهو وجري الاطفال وعرباتهم السريعة في ردهات مراكز التسوّق. لماذا لا يخصّصون أماكن للبالغين وأخرى للأطفال. الى أين سيذهب هؤلاء الاطفال الذين يكبرون في المقاهي، عندما يبلغون ويضجرون – بعد أن ًمًلُّوا أماكن الكبار! لقد كبرنا في منازلنا وذهبنا بمفردنا بعدئذ الى هذه الاماكن. ما ذنب هؤلاء الاطفال الذين تجني عليهم أمهاتهم الحمقاوات ليسبّبوا الازعاج للآخرين. ماذا بقي للامومة من معنى عائلي ومنزلي مع ظاهرة خدم المنازل، وضجر الامهات من الركون في المنازل، والسهر على أطفالهنّ؟ لست مع العنف ضد المرأة، لكن لست أيضا مع هذا الضياع العائلي التائه مع سيدات الدفع الرباعي، هواة عمليات التجميل، من شفط وتنحيف وشدّ، و ‘تجميل’ الأنف، وتكبيرالثديين، ورسم الحاجبين، والغرق في اللهو والفًلًتًان! الى أين يخلد طالب الهدوء والسكينة الهارب من زيارات المنازل المملّة، لنسيان همومه ومشاغل ومتطلبات الحياة اليومية القاسية، سوى الى المقهى؟ إن ظاهرة الازعاج لا تقتصر على أماكن لهو محددة، بل تشملها جميعا. إنّك تملُّ أمهات وأطفال المقاهي، ولا تجد بديلا عن البقاء في المنزل. لكن، حذار من وسائل ما يسمّى بـ ‘التكاذب الإجتماعي’، عفوا، التواصل الإجتماعي، المتوفرة في المنزل، من تلفزيون، وهاتف ذكي، وواتساب، وفايسبوك، وتويتر، وتانغو، وفايبر، وسواها الكثير الكثير. لو بقيت في المنزل واستمرانشغالك بالتواصل الفوري على الواتساب، متنقلا من محطة تلفزيونية الى أخرى، ومن صديقة افتراضية الى أخرى، فيصبح الامر كالمستجير من الرمضاء بالنار، يطلع عليك محاوًر مراوغ على محطة ما، فتنتقل الى محاوًر أكثر مراوغة ودجلا على محطة أخرى، فُتقفل حينها التلفزيون على عجل، وتشتم أصحاب المحطات وضيوفهم. الضالعين في تشويه الحقائق وغسل الأدمغة. تتوه برهة كالأبله، حائرا فيما تفعل. وفجأة ترسل لك صديقة من ناميبيا رسالة تحية مع صورة مرفقة لها على الواتساب. فتتبادل النصوص والصور في تصنُّع مبتذل، مع تبادل كلمات الحب والشوق والهيام والتوق الى لقاء قريب. يستمر التواصل ساعات تتداخل فيها الصديقات مع الصديقات، والخادمات مع ربات المنازل، وألوان البشرة مع الأجناس، والكلمات مع الكلمات، والعواصم مع العواصم، والقارات مع القارات. تتواصل مع صديقات من ناميبيا وأندونيسيا وترينداد وجاميكا وكينيا والسويد والمانيا وهونغ كونغ ولاوس وتايلاند، الى آخر الحكاية. كلّهن صديقات. كلّهنّ حبيبات. كلّهنّ كاذبات. وفجأة، تدرك أنّك أنت الكاذب الأكبر. تُصاب بصداع حاد. تسهو عن تناول حبة الـ ‘بانادول’ لتخفيف آلام الرأس. تخلد الى المقعد العريض متعبا منهكا. وتسهو عن إقفال الهاتف الذكي من شدّة الغباء، فتملأ أصداء الرسائل الغرفة، ولكنك لا تجيب ولا تقفل الهاتف، لانّ فضولك يدفعك الى قراءة كل هذه الرسائل والإجابة عليها لاحقا. تبقى وحيدا في الجسد، في الغرفة،بينما ترداد وتكرار التواصل الأفتراضي يزداد ضجيجا وصخبا عند خلودك الى النوم. يندثر الحُبُّ والتحبّب والتكاذب على عتبة الدار، وتبقى الغرفة خالية إلاّ من حضورك المنسيّ ومن وقع رذاذ المطر على الشبّاك الخشبي. تصحو في اليوم التالي ولا ترى هناك سبباً للخروج، فتبقى في المنزل نهارا، توصد الباب والهاتف الذكي، وتعود الى ممارسة هواية المطالعة، وتذهب الى المقهى ليلا، باستثناء ليالي عطلة نهاية الاسبوع، حيث تعود ليالي الحًشر الى مقاصيها من صراخ وضجيج وعجيج وضوضاء. تعيش في بلد يتكاثر فيه الفقراء ويزداد جشع الأغنياء. يسقط فيه الأبرياء على طرقات الاشقياء. يغيب منه السرور وتسود الشرور. ينقرض التواضع ويتفشّى الغرور. ينتهك فيه الباطل بكارات الحق قبل سن البلوغ. بلد شًرُّهُ داهم، بلد حاميه حراميه، وأمن الناس لا أسهم له في بورصة صفقات أمراء الحرب الأهلية والمذهبية. سعد نسيب عطاالله لبنان