إيران على طريق الاتحاد السوفييتي

حجم الخط
4

المنطق يقول ان تشابه المنطلقات والظروف يؤدي الى تشابه المآلات والنتائج، وما جاز على المثل يجوز على مماثله، وفي الدراسات البحثية تعتبر المقارنة من ابرز الاساليب البحثية الاستقرائية والاستشرافية التي تقوم على عقد مقارنة بين متماثلين يشتركان في العناصر والظروف، احدهما معلوم المآل والاخر مجهوله، تاريخيا كانت المقارنات دائما ما تعقد بين ماضٍ معلوم وحاضرٍ معاش لاستشراف مستقبل مجهول، وكما يقال، التاريخ يعيد نفسه او يعيده اصحابه الذين لم يستفيدوا من تجارب من سبقهم، فيقومون بتجربة المجرب أملا في الوصول الى نتائج مختلفة، وتكون النتيجة اعادة لدورة التاريخ، من هذا المنطلق وتأسيسا عليه يمكن استقصاء الاحداث التي تمر بنا اليوم من خلال اسقاطها على الماضي بعد تنقيحه وغربلته وقبل ذلك رفع القدسية عنه.
ان الاحداث المتسارعة التي تمر بنا اليوم والتي كان نتيجة وسببا للصراعات والتحالفات المتشابكة التي تحكم المنطقة، أدت الى حالة من الغبش جعلت اكثر المراقبين والمتابعين حرصا في حيرة من أمره وأمر من حوله، ولعل اكثر الامور حيرة في مشهد اليوم هو ايران، دورها واهدافها وكيفية التعامل معها، وهذه الحيرة (الايرانية) لم تقتصر على من في المنطقة، بل شملت كذلك حتى القوى والمراقبين الدوليين، ولعل السؤال الاكثر الحاحا اليوم عن ايران هو: ايران الى اين؟
قد يكون من المفيد الاستعانة بالتاريخ والمقارنة بين ايران اليوم وبين دولة سبقتها بالامس تشابهت معها في الظروف والعناصر وعرف مآلها لتحديد المسار والمآل لهذه الدولة التي شغلت واشغلت كل من حولها وكل من تعامل معها.
قد لا تكون عملية اختيار المماثل في اي دراسة مقارنة سهلة، لكن هناك عناصر كثيرة تتميز بها ايران قد تسهل هذه العملية، ولعل اقرب الدول لايران من حيث العناصر والظروف، هو الاتحاد السوفييتي السابق الذي انهار بطريقة دراماتيكية لم يتخيلها او حتى يتمناها ألد خصومه، بسبب هشاشة البناء السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، التي لم تكن واضحة للعيان سواء في الداخل او في الخارج.
فمن ناحية اولى تتلاقى ايران والاتحاد السوفييتي السابق في كون كليهما يعتمد في اساس الدولة السياسي على ايديولوجية تتسم بالانعزال خارجيا وانعدام القاعدة الشعبية داخليا، فالاتحاد السوفييتي السابق كان يقوم على مبادئ لينين الشيوعية وعلى المبادئ الاقتصادية الاشتراكية، وهو ما سبب لها عزلة دولية نسبية وانفصالا تاما بين السلطة المتمثلة في الحزب الشيوعي والقواعد الجماهيرية التي لم تعتقد يقينا في هذه المبادئ التي تسببت في عزلتهم وافقارهم، ومن ناحيتها فان ايران تقوم على ايديولوجية هي خليط بين الطائفية الدينية والعنصرية القومية والتوسعية الامبريالية ملفوفة بديكتاتورية ثيوقراطية انتجت نظام ولاية الفقيه التي لم تكن تتمتع بشعبية كبيرة ولا تأييد واسع من الشعب، هذا الخليط السياسي الديني ادى بايران الى عزلة دولية واسعة والى تهميش طائفي وعرقي لشرائح واسعة من المجتمع، اضافة الى افقار طبقات كثيرة من الشعب.
من ناحية ثانية ورغم الامكانات الاقتصادية الضخمة التي يمتلكها فقد عجز الاتحاد السوفييتي، بل كل الكتلة الاشتراكية عن الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي القائم على مبادئ الراسمالية، ومن ناحيتها عجزت ايران عن الاندماج كذلك في الاقتصاد العالمي، رغم ما تملكه من امكانات اقتصادية كامنة في قطاعات الطاقة والسياحة والزراعة والنقل وغيرها من القطاعات التي تملك ايران افضلية كبيرة على جيرانها فيها، وفي حين كان سبب فشل الاتحاد السوفييتي في الاقتصاد العالمي اقتصاديا، لم يمكن كذلك مع ايران، فالسبب في الحالة الايرانية كان العقوبات الاقتصادية الدولية او التوتر مع الجيران بسبب السلوك ‘المشاغب’ الذي كانت تنتهجه وماتزال والذي يشكل الطموح النووي رأس هرمه.
ومن ناحية ثالثة فشلت ايران لما كان حال الاتحاد السوفييتي قبلها في بناء اقتصاد ديناميكي ناضج ومنافس، اذ ان اقتصادها ما يزال يعتبر اقتصادا ريعيا يعتمد بالدرجة الاولى على عوائد مبيعات النفط والغاز وغيرها من المواد الاولية، وقد ادى هذا الوضع الى هشاشة البناء الاقتصادي لايران بسبب تذبذب اسعار الطاقة، كما اضافت العقوبات والعزلة السياسية والاقتصادية عبئا اضافيا على الاقتصاد الايراني زاد من هشاشته، واضاف ضعفا الى ضعفه كما كان حالة الاتحاد السوفييتي السابق، الامر الذي ادى في المحصلة مع اسباب اخرى طبعا- الى الانهيار التام.
من ناحية رابعة يحكم كلا الدولتين نظام شمولي يتحكم في مختلف نواحي الحياة العامة، بل والخاصة احيانا، رغم عدم امكان اعتبار كلا النظامين نظاما ديتكتاتوريا بمفهومة القانوني، ففي الاتحاد السوفييتي الذي كان يحكم من قبل الحزب الشيوعي السوفييتي كان النظام الحاكم يتمتع بسلطات واسعة في الحيزين السياسي والاقتصادي، فبالاضافة الى السلطات التشريعية التنفيذية كان كذلك يسيطر على النشاطات الاقتصادية من خلال شركات ‘القطاع العام’ التي كانت تقدم جميع السلع والخدمات التي يحتاجها المواطن السوفييتي، وفي ايران يسيطر النظام الحاكم اما بطريقة مباشرة او غير مباشرة- على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية، بل والاجتماعية، وبالاضافة الى السلطة السياسية الاقتصادية كالتي كان يمتلكها النظام السوفييتي فان النظام في ايران يمتلك كذلك سلطات ‘دينية’ تتحكم بمختلف جوانب الحياة الاجتماعية.
خامسا، لعل من اهم اسباب انهيار الاتحاد السوفييتي الطموح الشديد الذي تجلى في اهداف بعيدة او صعبة المنال، كالسيطرة على العالم والتحكم في مصائر الامم، وقد استنفد الحكام السوفييت كل الطاقات والموارد من اجل تحقيق هذا الهدف، الذي ادى في المحصلة ليس الى السيطرة الكاملة على الكون، بل الى الانهيار التام، وايران من جهتها تعاني من نفس المرض الذي تمثل في الحالة الايرانية في اقامة ايران الكبرى واعادة بعث الامبراطورية الفارسية، التي كانت تهيمن على الشرق، بل وبعض اطراف الغرب، ومن اجل تحقيق ذلك قامت ايران بتوظيف كل امكاناتها ومواردها لتحقيق الهيمنة الاقليمية، من خلال دعم الاقليات الشيعية في الدول المحيطة اقتصاديا بل وعسكريا، والتي تعتقد انها ستمكنها من تحقيق حلم اقامة ايران التاريخية الكبرى المهيمنة، لكن ذلك ادى في المقابل الى استنفاد الموارد وافقار الشعب الايراني وحرمانه من رخاء مستحق.
واخيرا في ايامه الاخيرة توالت على حكم الاتحاد السوفييتي نخبة حاكمة هرمة متحجرة تجاوزها الزمن، تسببت في حالة من عدم الاستقرار واضطرت بسبب عجزها على مواكبة التغيرات السريعة الى اللجوء الى المزيد من العزلة خارجيا والمزيد من التهميش للداخل، وهو ما عجل من الانهيار الحتمي، رغم بروسترويكا غورباتشوف، ايران اليوم من هذا الجانب تمر بظروف مشابهة الى حد بعيد بما مر به الاتحاد السوفييتي في ايامه الاخيرة، فالنخبة الحاكمة هي في الغالب مجموعة الخميني التي تناوبت في ما بينها على حكم البلاد منذ اندلاع الثورة، في ايران اليوم سلطة حاكمة تجاوزها العصر بجناحيها الاصلاحي والاصولي، فالاصلاحيون في المحصلة ابناء جيل الخميني، وليسوا شبابا ذوي رؤى وعقليات معاصرة، وروحاني الذي يقدمة النظام الحاكم على انه الاصلاحي الذي سيخرج ايران من عزلتها ويصلح اقتصادها ويحقق طموحات شعبها قد لا يكون – هو وطروحاته المنفتحة وبرنامجه الاصلاحي- اكثر من غورباتشوف ايران الذي ستشهد على يديه نهاية نظام الولي الفقيه فيها.
قد لا تكون ايران دولة فاشلة لكنها حتما دولة هشة تعاني من عزلة دولية واقليمية وانفصال تام بين قطاعات واسعة من الشعب والنخبة الحاكمة، اضافة الى ان اقتصادها يعاني من الكثير من الامراض والمشاكل وعجز عن توفير فرص العمل للاعداد المتزايدة من الشباب الايراني المتطلع لحياة رغدة لا يراها الا خارج الحدود وعند شعوب لطالما نظر اليهم الايرانيون بشفقة ممزوجة بتعال. الظروف التي مر بها الاتحاد السوفييتي والسياسات التي اتبعها وأدت في المحصلة الى انهياره تتشابه الى حد بعيد مع ما يجري اليوم في ايران وحولها، رغم ما يظهر من قوة ايران وتمكنها من التغلب على مشاكلها وكسر عزلتها، فالواقع الاقتصادي مترد وهناك قطاعات واسعة من الشعب مهمشة لاسباب متعددة والاقليات تعاني من الاستهداف والملف الحقوقي في اسوأ حالاته، وقبل كل هذا هناك الكثير من الشباب المحبط والغاضب، وهذا كله يشكل الوصفة المثالية لانهيار النظام من الداخل تماما، كما انهار النظام الحاكم في الاتحاد السوفييتي السابق.

‘ اكاديمي إماراتي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية