ليست المقاومة فعلا يائسا، وإلا لكانت انتحاراً. وعندما يهاجم الأعداء بلادنا، تصبح المقاومة واجبة، ويصبح دحر الأعداء، وإيلامهم، أمراً مطلوباً بإلحاح ودون إبطاء. وعندما يقع في روع الناس أن عدوهم أقوى منهم وألا جدوى من التصدي له، يكونون في هذه اللحظة في عداد الأموات. إذ إن الحياة مع الأمل، ولا حياة مع اليأس. فاليأس يعني الموت. وإن من يدعون إلى الواقعية، والتعايش مع الاحتلال، وتحويل العلاقة معه من علاقة قتال ومدافعة إلى علاقة تعايش وتكامل في أجواء سلام موهوم، فإنهم يائسون، وهم أموات في مظهر أحياء. لقد أخبرنا الله تعالى عن أمة بالألوف، هاجمها أعداؤها، وأجلوهم عن أرضهم، فأحبوا حياة الذل على القتال، فكان في ذلك موتهم. ولما خرج من أصلابهم جيل شعر بالظلم وعمل على التخلص منه، كتبت لهم الحياة. كما قال الله تعالى (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (سورة البقرة: 243). إن شعوباً كثيرة تسلط عليها الاستعمار، فهبت لمقاومته ودحره، يحدوها الأمل في الانعتاق من قيوده، والتحرر من تسلطه وجبروته. ولولا هذا الأمل لما فكرت ودبرت وحشدت واستنفرت، ولقعدت مع القاعدين. ولم تقف أنهار الدماء التي سالت في سبيل استرداد أوطانها حائلاً أمام استمرار التضحية حتى النصر، مهما كلف من ثمن. فهذه الجزائر قدمت مليوني وستمائة ألف شهيد لدحر المستعمر الفرنسي. وهذه فيتنام قدمت ثلاثة ملايين لدحر المستعمر الأمريكي. فهل كانت أي منها أرضاً مقدسة كفلسطين؟! وهل يبخل شعب فلسطين على أرضه المقدسة بما جادت به شعوب الدنيا. وهل الاحتلال اليهودي في فلسطين أكثر شكيمة وقوة من الاستعمار الأمريكي أو الفرنسي؟ إن أي عاقل يفهم تجارب الشعوب، يدرك ببساطة، أن الطريق إلى فلسطين هي طريق الجهاد والمقاومة والاستشهاد، وأن الأرض المقدسة هي أغلى من أية أرض في الدنيا، وتستحق كل تضحية وفداء. وأن الشعب المقاوم حي، وأن المستسلمين ميتون. إن فعل التفاوض مع العدو، ليس فعلاً ممدوحاً البتة. وإنما هو فعل أناس يائسين، فقدوا الدافعية للمقاومة والجهاد، وارتضوا التعايش مع العدو، والقبول به، بل تخطوا ذلك إلى التنسيق معه ضد أبناء وطنهم، وضد من يرفعون لواء الحرية والاستقلال. إن هؤلاء ميتون؛ حتى لو رأيناهم يتكلمون، ويجيئون ويذهبون. وسوف يطويهم التاريخ، لأن التاريخ هو فعل المنتصرين، وأما هؤلاء فمهزومة نفوسهم ويائسون من النصر على العدو. وإن على المقاومة الفلسطينية أن ترفع رأسها عالياً، لأنها ضمير هذه الأمة الحي، وهي أمل هذه الأمة. ولا يسوق الأمل إلى الأمة إلا من كان لديه الأمل بالنصر. وإن النصر مع الصبر. د. عصام عدوان