يثار اليوم بشكل قوي جدل الدين والسينما من خلال الفيلم الهوليوودي الجديد المعنون ب’ نوح’ بطولة الممثل النيوزيلندي راسل كرو الذي يتذكره المشاهد العربي بالدور التاريخي في فيلم المصارع من توقيع ريدلي سكوت الذي أعاد أمجاد حلبة الكوليزيوم وروما القديمة.
راسل كرو قدم قصة درامية عن الجنرال الروماني الذي تعرض للخيانة من لدن ابن القيصر الروماني، فقرر الانتقام لموت أسرته، مما أهله للحصول على أوسكار سنة 2000 عن أفضل فيلم، وأفضل ممثل. فضلا عن أدائه الباهر في فيلم ‘ عقل جميل’ حيث جسد شخصية العالم الرياضي جون ناش المتوج بجائزة نوبل، وهو من إخراج رون هوارد بمعية الممثلة الفرنسية ايما واتسون .
فيلم نوح يعيد راسل كرو إلى مشاهد الماء ويذكرنا بفيلمه ‘سيد وقائد’ الحاصل على جائزتي أوسكار، والذي جسد فيه شخصية ربان إحدى السفن البريطانية التي تحارب سفينة فرنسية إبان حروب نابليون. فضلا عن الفيلم الذي جسد فيه الشخصية الشهيرة روبن هود. بيد أن فيلم نوح يتميز بحضور قوي للعبقري البريطاني أنتوني هوبكينز صاحب التحف السينمائية ‘ هانيبال’ و’الإسكندر’. ويحكي فيلم نوح من إخراج دارين ارونوفسكي بميزانية ضخمة وصلت الى 125 مليون دولار عن قصة النبي نوح الذي تنتابه أحلام في كل ليلة عن طوفان هائل سيغرق كل ما على الأرض من بشر وحيوان وشجر، فيعمد إلى صنع الفلك لانقاذ المؤمنين من غضب الطبيعة، ومن الطوفان. ويقدم هذا الفيلم المثير للجدل شخصية النبي نوح كمحب ومنقذ للبيئة. وهو بذلك يثير جدلا جديدا حول علاقة الديني بالسينما خاصة بعد التغريدات التي كتبها عدد من رجال الدين في أوربا على التويتر ترحيبا بالفيلم مثل قولهم ‘إن رسالة الفيلم هي قوية ورائعة’. وقد كتب الأب الأقدس البابا فرانسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية على صفحته في التويتر قائلا: ‘سيكون من دواعي سروري العميق مشاهدة هذا الفيلم على الشاشة’. نتذكر في هذا السياق الفيلم المثير للجدل آلام المسيح إخراج ميل غيبسون صاحب الدور الباهر في فيلم ‘القلب الشجاع’ الذي يجسد صورة البطل النموذجي في السينما الهوليوودية من خلال الجمع بين الحب والقوة والإخلاص في مهمة المقاوم الذي يقود حربا ضد التاج البريطاني تنتهي بالموت البطولي للاسكتلندي الذي مهد لنيل بلاده للاستقلال في أواخر الحائز القرن الثالث عشر. مما أهله لخمس جوائز أوسكار. لكن ميل غيبسون لن ينعم بالمجد طويلا لأنه سيتعرض لمعارضة شديدة بسبب فيلمه آلام المسيح في العالم الغربي والإسلامي وتعرض بموجبها ميل غيبسون لحصار هوليوودي كبير من لدن اللوبي اليهودي نتيجة اتهام اليهود بـ’قتل’ المسيح حسب الرؤية السينمائية للمخرج ميل غيبسون. والمصير نفسه ربما ينتظر فيلم نوح بعد الفتوى التي أصدرها الأزهر الشريف والتي أعلن فيها ‘رفضه لعرض أي أعمال تجسد أنبياء الله ورسله وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤكدا أن هذه الأعمال تتنافى مع مقامات الأنبياء والرسل وتمس الجانب العقدي وثوابت الشريعة الإسلامية وتستفز مشاعر المؤمنين’.فيلم نوح الضخم في ميزانيته وقوته التصويرية سيعرض في نهاية شهر مارس. وقد أعلن عدد من الدول العربية حظره .
وفي السياق نفسه يعيد فيلم نوح طرح علاقة التاريخ بالسينما واستحضار أفلام اتسمت بقدر كبير من الجماليات السينمائية المدهشة مثل فيلم طروادة الذي يجسد مأساة المدينة الأسطورية طروادة من خلال قصة علاقة باريس بالفاتنة هلين ومحاولة زوجها الملك مينيلاوس الثأر لكرامته. الفيلم من بطولة ‘براد بيت’ و’إيريك بان’ و’أورنالدو بلوم’، إخراج فولفغانغ بيترسن. وفيلم ملكوت السموات الذي أخرجه ريدلي سكوت والذي يجسد الحروب الصليبية في القرن الثاني عشر تحت إمرة صلاح الدين الايوبي وشكل مناسبة لتصبح صورة هوليوود عن الشرق، من خلال قصة باليان الحداد الفرنسي ابن الفارس الأسطوري في ذاكرة الحروب الصليبية جادفري لباليان، والذي يدافع ببسالة عن مدينة القدس، وفيلم سبارتاكوس محرر العبيد وأسطورة المقاتل الشرس من أجل الحرية. إخراج ستانلي كوبريك، بطوبة كيرك دوغلاس. وفيلم 300 الذي يجسد ملحمة القائد ليونيداس وجنوده الذين يواجهون غطرسة العدو ببسالة حتى الموت. وفي الوقت الذي انتهت فيه هوليوود الى تحديد هويتها السينمائية سنة 2013 والتي تراوحت بين لإلام التخييل العلمي، والتخييل التاريخي، والواقعية الإجتماعية، الأمر الذي تجسده تتويجات هذه الأفلام بأوسكار 2013 مثل فيلم ’12 عاماً من العبودية’، وفيلم ‘غرافيتي’، وفيلم دالاس بايرز كلوب، فإن التوجه نحو المصادر الدينية مثل التوراة بشكل أساس في 2014 من خلال لائحة الأفلام الضخمة الإنتاج مثل فيلم ‘الخروج من مصر’، حيث سيجسد كريستيان بيل، الشهير بباتمان، دور النبي موسى، في صراعه مع الفرعون، وعبوره مع المؤمنين في البحر، وانتصاره على الفرعون وجنوده. وفيلم ‘مريم- يسوع’ الذي يحكي سيرة السيدة مريم العذراء ارتباطا بالمرجعية الدينية اليهودية مادامت التوراة هي المصدر الاساس لكتابة سيناريو هذا الفيلم الذي اختيرت الممثلة الإسرائيلية الشابة ‘أوديا راش’ لتؤدي دور السيدة مريم.
هوليوود ترسم ملامحها السينمائية لسنة 2014 بميسم الدين وعلى نحو خاص بميسم المرجعية اليهودية. وعلاقة السينما بالدين لا تنفك تتجدد في التباساتها وجمالياتها مع ولادة كل فيلم سينمائي، خاصة وأن المرجعية الدينية تحصر القدرة التخييلية السينمائية بعيدا عن الحركة الحرة، والإبداعية التشخيصية، وهو الأمر الذي تعوضه المؤثرات الصوتية والمشاهد الكارثية التي تحرص هوليوود على تقديمها كلما تعلق الأمر بمقولة نهاية العالم والمنقد رمز الخير. وفيلم نوح يقدم رؤية تراجيدية لهذه النهاية الوشيكة التي تحدث بسبب غضب الطبيعة، وتعكس نزعة دينية في تمثلات هوليوود السينمائية. نوح هو الحفيد التاسع أو العاشر لآدم، وهو الأب الثاني للبشرية بعد إنقاذه للبشرية من الطوفان العظيم بواسطة سفينته تبعا للرؤية الهوليوودية التي تستند إلى التوراة كأقدم كتاب تاريخي يتكون من خمسة أسفار هي مجموع ما نزل على سيدنا موسى. فتقدم لنا نوح الذي يصنع سفينته بإخلاص وصبر، وليأخذ معه من كل المخلوقات اثنين وكان عمر نوح وقتها على حسب التوراة 600 سنة.
فما هي الرؤية التي قدمها المخرج دارين ارونوفسكي لهذا لفيلم نوح؟ الأمر يتطلب مشاهدته أولا والعودة للسجال مرة أخرى.