تتجاهل النخب السياسية العربية المسألة الأخلاقية تجاهلاً مخزياً وهو ما تدفع الشعوب العربية أثماناً هائلة بسببه.
لا تكترث هذه النخب البتة بانكشاف سياساتها الخاطئة، ولا تنفك، مع كل خطاب جديد من خطاباتها، تؤكد صحة خطّها السياسي وصواب رؤيتها ودقة تحليلها، ويتزامن ذلك، دائماً، مع تراجع مستمرّ في شعبيتها، وانحدار في ممارساتها، وثبات خطأ تنظيراتها.
يتساوى في ذلك، إلا في حالات استثنائية، القوميون والاسلاميون والشيوعيون، وما عليك كي تتأكد من ذلك سوى مقارنة بياناتهم منذ الأربعينات او الخمسينات من القرن المنصرم، ببياناتهم وخطاباتهم في عهدنا هذا.
تتشبه النخب السياسية العربية، دون أن تعلم، بـ’الأخ الأكبر’ في رواية جورج أورويل، في طغيانه اللامحدود، وفي أن ما تقوله عكس ما تفعله، فأحزاب القوميّة مثل ‘البعث العربيّ الإشتراكيّ’ في العراق وسوريا، و’الاتحاد الاشتراكي’، في مصر، و’جبهة التحرير الجزائرية’ و’اللجان الثورية’ الليبية كانت أكبر مساهم في خلق عداوات هائلة بين البلدان العربية ومنع الوحدة بينها، وخصوصاً بين قطبي البعث الذهبيين، سوريا والعراق، رغم أن ‘الوحدة’ كانت شعار حزب ‘البعث’ الحاكم في كليهما.
ولم ينج الشعاران الآخران، ‘الحرية’ و’الإشتراكيّة’ من انتهاك رهيب لمعنييهما، فقد شهدت البلدان التي حكمتها الأيديولوجية القومية، لسحق كبير لحريات الإنسان الأساسية، كما ابتذل مصطلح الاشتراكية لتبرير جعل البلاد بأكملها إقطاعية أو مزرعة للرئيس وعائلته والمقربين منه، فلا يطبّق من هذا المصطلح غير ‘اشتراكية’ أجهزة الأمن والرئاسة مع المواطنين في شركاتهم وأملاكهم وأرزاقهم (وأحياناً في أعراضهم وحيواتهم).
أما في البلدان التي حكمها، أو يحكمها، حكّامها باسم الإسلام، فتشهد أبشع انتهاكات لمعاني الإسلام ومبادئه وأسسه، ويصعب أن لا يعرف مواطن يعيش في كنف تلك البلدان الكثير او القليل من مباذل حكامه وأبنائهم واستهتارهم بالدين وشعائره وطقوسه وأخلاقه، ولا تنفكّ وسائل الإعلام الغربية تكشف فضائح مخجلة عن انغماس بعض هؤلاء الحكام في صرف الملايين في كازينوهات القمار، او على مومسات، او في قضايا قتل وتعذيب شاذة لمخدوميهم، وهي قصص يعرف مواطنوهم أنها ليست غير قمة جبل الثلج التي تخفي تحتها حقائق أكثر إرعاباً بكثير.
وفي البلد العربيّ الوحيد الذي حكمه تنظيم باسم الشيوعية (اليمن الجنوبي)، لم تستطع الأيديولوجيا العقائدية فيه أن تموّه الطابع الفرديّ والقبليّ للصراعات داخله، وانتهى، بفعل هذه الصراعات إلى مذبحة لقيادييه وما لبثت دولته أن اختفت من الوجود، وكان ذلك نهاية عهد تلك الأيديولوجيا التي يعتبر أصحابها أنفسهم الأكثر مبدئية و’أخلاقاً ثورية’ والأقرب الى ‘الطبقات الشعبية’. امتهان هذه القوى السياسية كلّها لمبادئها السياسية الأساسية وتعاملها المستهين بأي مواثيق اخلاقية او إنسانية خلق حالة من النفور الطبيعيّ لدى الجمهور العامّ من كل ما يتعلّق بالسياسة، وجعلها مرادفاً للكذب والخداع والتآمر، مما أدى الى انتشار النفعية الخالصة والانتهازية ومبدأ الغلبة والفوز بأي وسيلة على حساب الغير مما ساهم في كل هذا الخراب العربيّ الكبير.