القرم والتيه الاوروبي في المواجهة الروسية ـ الامريكية
24 - March - 2014
حجم الخط
0
يبدو أن أوروبا ما زالت، مثلما كانت من قبل، تدفع ثمن مواجهة ناجمة عن ارتباطها الاستراتيجي بالسياسات الأمريكية. ومن يتابع ردود الفعل الأوروبية اليوم على انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، يلاحظ الارتباك الكبير في مراكز القرار الأوروبية. فالضجيج والصخب المثاران أوروبياً حول الأزمة الأوكرانية وانضمام القرم إلى روسيا، تولدان انطباعاً بأن أوروبا مستعدة لتحريك قواتها العسكرية وقطع كل أنواع علاقاتها مع روسيا، بل ربما إعلان الحرب دفاعاً عن أوكرانيا، إلا أن الواقع يكشف عن عقوبات أوروبية خجولة. وهكذا يتبين انه عندما يتعلق الأمر بخطوات جدية، نرى أوروبا متريثة خائفة، لأنها تدرك أن أي عقوبات مؤثرة ضد روسيا ستكون في الواقع عقوبات ضد أوروبا ومصالحها.على سبيل المثال برز إرباك في الموقف الفرنسي من صفقة بيع سفينتي ‘ميسترال’ لروسيا، ودعت فرنسا الدول الأوروبية إلى خطوات مماثلة في حال ألغت هي الصفقة، ولسان حالها يقول إن كان لا بد من عقوبات على روسيا تضرب مباشرة بمصالحنا، فلتقم الدول الأخرى في أوروبا بخطوات مماثلة. ان فرض عقوبات على روسيا بعد انفتاحها على الاقتصاد العالمي ليس بالأمر السهل، وهو سيضر بالاقتصاد العالمي الذي لم يستعد عافيته حتى الآن، بعد الأزمة المالية الأخيرة، وفق ما أقر به الرئيس الأمريكي باراك أوباما نفسه. أما أوروبا التي تعتمد على روسيا لتأمين 60′ من احتياجاتها الطاقية (الغاز) في الوقت الحالي، وبلغت حصة الغاز الروسية في أسواقها عام 2010 نسبة 32′ والنفط بنسبة 35’، ناهيك عن الاستثمارات الأوروبية في الاقتصاد الروسي، والأهم رؤوس الأموال الروسية التي تُنعش أكثر من مجال اقتصادي في أوروبا، وأسواق روسيا التي تستهلك مئات آلاف منتجات مجمعات صناعة السيارات ومختلف أنواع التقنيات العصرية والتقليدية الصناعية وعالية التقنية الأوروبية، فلن يكون من السهل عليها (أي أوروبا) أن تتخذ- في الوقت الحالي والقريب على أقل تقدير- أي خطوات جدية تجاه روسيا، ذلك أنها ستكون كمن يصدر حكماً بالاعدام بحق نفسه. على هذه الخلفية يعود إلى الواجهة الحديث عن ارتباط أوروبا مصيرياً بالسياسات الأمريكية، التي تجعل من الاتحاد الأوروبي عبر عضوية أعضائه في حلف الناتو، أداة مواجهة مباشرة مع روسيا، وعلى البر الأوروبي المشترك الذي لن تمس أي تطورات مخيفة فيه أمن الولايات المتحدة مباشرة نظراً لبعدها الجغرافي عنه. النظرة بموضوعية وحياد هنا تدفع إلى القول بأن روسيا حرصت منذ البداية على إقامة علاقات شراكة مبنية على الشفافية المطلقة في شتى المجالات مع الغرب، بعيداً عن عقلية الحرب الباردة. وكانت أولى خطوات روسيا أن فككت حلف وارسو وانتظرت المثل من الغرب، لكنها تفاجأت بإبقائه على الناتو، بل توسعه ليشمل دولاً كانت بالأمس ضمن حلف وارسو، ما أحدث خللا كبيرا في موازين القوى التقليدية في أوروبا. المعادلة هنا بالنسبة للولايات المتحدة بسيطة لدرجة البداهة، ففسح المجال أمام علاقات روسية – أوروبية كاملة بعيداً عن العقدة الأمنية الأوروبية سيعني قيام تكامل على البر الأوروبي لا مكان فيه للولايات المتحدة بصفة قوة مهيمنة، بل ستكون شريكا مثلها مثل غيرها، وهذا سيفقدها نفوذها على جزء فعال ومؤثر من البر العالمي، وسيتقهقر النفوذ الأمريكي ليبقى ضمن الجغرافيا الأمريكية والمياه، حيث تنتشر أساطيل الولايات المتحدة. بعبارة أخرى ما زالت الولايات المتحدة ترسم سياستها على مبدأ البقاء قوة مسيطرة على البر العالمي، الذي يشمل مناطق أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وروسيا وآسيا الوسطى. وتستخدم وضعها في كل واحد من هذه الأجزاء بما يناسب إستراتيجيتها في الحفاظ على مكانة القوة العالمية. ففي العلاقة بين روسيا وأوروبا تستفيد الولايات المتحدة من وجودها عبر الناتو في القارة الأوروبية للحد من تزايد النفوذ الروسي، وإرباك موسكو كي لا تصبح قوة منافسة للهيمنة الأمريكية، تهددها وتحد منها. المعادلة الروسية بسيطة هي الأخرى في هذا الشأن: روسيا وأوروبا موجودتان على جغرافيا واحدة، يحتاج كلاهما الآخر بنفس القدر، ويربطهما تاريخ طويل بصفحات، وإن لم تكن كلها بيضاء، لكن فيها ما يكفي من العبر لبناء واقع يخدم مصلحة الجميع، والأمن مشترك للجميع في القارة، وأي نقطة توتر فيها تؤثر على الجميع. على هذا الأساس اتجهت روسيا لبناء علاقاتها مع أوروبا، إلا أن العقدة الأمنية الأوروبية بقيت وما تزال عائقاً أمام الارتقاء بهذه العلاقات، التي ستشكل حال قيامها لبنة أساسية لعالم جديد بالمطلق، وهو ما تخشاه واشنطن. قلق المراكز الحقيقية لصنع القرار في الولايات المتحدة دفع بواشنطن إلى نسف أهم أسس الأمن والاستقرار الدوليين، المتجسد باتفاقية عام 1972 للحد من الأنظمة الصاروخية المضادة للصواريخ، والإعلان عن نشر درع صاروخية أمريكية، قالت واشنطن انها لمواجهة تهديد الصواريخ الإيرانية، بينما رأت روسيا فيها تهديداً لقدرة الردع النووية الروسية، وزرع فتيل توتر اشتعاله طويل الأمد بين روسيا وأوروبا، التي ستنشر على أرضها الدرع الصاروخية. حتى بعد الانفتاح الإيراني على الغرب واقتراب توصل طهران و’السداسية’ إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي الإيراني، أكدت الولايات المتحدة أنها ماضية بنشر الدرع الصاروخية حتى بعد زوال التهديد الإيراني، ما لا يدع مجالاً للشك بأن الهدف من المشروع ليس حماية أوروبا، بل إبقاءها أسيرة العقدة الأمنية، وبما يحول دوماً دون قيام علاقات بينها وبين روسيا تتناسب مع الواقع الجغرافي والاقتصادي للمنطقة. يُذكر في هذا الشأن أن روسيا وقناعة منها بالأمن المشترك مع الجوار كانت قد اقترحت على أوروبا بناء درع صاروخية مشتركة تتساوى الأطراف المشاركة فيه بالحقوق والصلاحيات، لكن الموقف الأمريكي وأد العرض الروسي في مهده. لقد وضعت الأزمة الأوكرانية أوروبا من جديد أمام خيارات معقدة، فالتصعيد مع روسيا أو معاقبتها غير منطقي في ظل الواقع الحالي للعلاقات بين الدول الرئيسية في أوروبا وروسيا، ناهيك عن أن هذا يعني إعادة أوروبا إلى توتر أكثر خطورة مما كان عليه إبان الحرب الباردة، علاوة على النتائج الاقتصادية المؤلمة التي قد تنجم عن معاقبة أوروبا لروسيا، لا سيما في وقت يمر فيه الاقتصاد الأوروبي في مرحلة عصيبة جداً. من جانب آخر لا تملك أوروبا القدرة الآن لتبني خطوات جريئة لتعيد ترتيب علاقاتها مع الولايات المتحدة نوعياً. وعليه يُرجح أن تهدأ حدة التوتر بشأن انضمام روسيا للقرم، وأن تبقى الخلافات حول مستقبل أوكرانيا إلى أن تقوم فيها دولة محايدة بالمطلق لا يهدد عبرها طرف أمن الطرف الآخر، وتحترم قوانينها حقوق الشعوب فيها، في الوقت الذي قد يدفع الرأي العام الأوروبي حكوماته إلى العمل تدريجياً على التخلص من الارتباط الأمني مع الولايات المتحدة الذي يضع أوروبا مرة تلو الأخرى في مواجهة لا تمت حقيقة بصلة للمصالح والأمن الأوروبيين.