تتناسل الجامعات في الوطن العربي وتتعدد وكثر عددها في الوقت الذي يضعف دورها في الثقافة المسيطرة وفي سلّم القيم التي تنشرها. والملاحظ أنه كلما كثر عددها كلما حاصرها المجتمع التقليدي بنشر قيمه ومفاهيمه وتصوراته عن الدنيا والعلاقات بين البشر. لا يعكس تكاثر الجامعات إذن تزايد اهتمام المجتمع بها وبقيمها الجديدة لكن ممثلي هذا المجتمع يصرّون، بالرغم من ذلك، كل بدوره، على إنشاء جامعة تابعة له. يجري ذلك كما لو كان الناس يتعاطون مع هذه الجامعة كشاعر القبيلة في زمانه. كل قبيلة أو عائلة تريد جامعة لها ولو كانت هذه الجامعة لا تنتج ‘علم’ القبيلة أو هذه العائلة.
لعل تعقد عمليات توزيع الريوع بعض الشيء وتكاثر السكان أصبح يفرض على المجتمع إعداد كوادر وأطر تقنية بأعداد أوفر من السابق لكي يعملوا في ‘مؤسسات’ القبيلة ومنشآتها الإقتصادية. ومن يخدمك أفضل من نفسك؟ والجامعة تكون عندها مكلّفة بإعداد برنامج يستجيب للحاجة التقنية بدون أن يرافقه دخول أي مفاهيم ثقافية ‘غريبة’ عن المجتمع والحضارة. وهكذا تتجرد التقنية عن إطارها المفاهيمي الذي أنتجها ، ويصبح بالإمكان ربما تطويعها لكي لا تدخل في تناقض مع محيطها الجديد غير المستعد لتلقف جهازها النظري والقيمي.
أو لعل تكاثر الجامعات الخاصة في بلادنا يستجيب لحاجة القبائل إلى دك عديد الشباب في مستودع علمي إعدادي بهدف امتصاص الحاجة القصوى للطلب على العمل. إذن قد تكون هذه الجامعات الكثيرة، من جهة، نوعاً من مجتمع إصطناعي يدوم لعدة سنوات ويخفف من ضغط الشباب على المسؤولين، ومن جهة اخرى، مكاناً لإعداد أفواج من اليد العاملة الموصوفة التي يحتاجها سوق العمل في الدول الأخرى. وهكذا تقوم مجتمعاتنا بتحملّ تكاليف إعداد وتحضير اليد العاملة التي تستخدمها مجتمعات أخرى لم تتكلف عليها فلساً واحداً. بهذا تتحوّل وظيفة الجامعة من عملية نشر تعليم مرتبط بحاجات القطاعات الإقتصادية المحلية ومنتج لثقافة وطنية إلى مركز لبطالة مقنّعة أو إلى يد عاملة موصوفة للتصدير.
وما دامت الجامعة لا ترتبط بحاجة علمية أو صناعية او إقتصادية لمجتمعها المتكامل والناجز فإنها سوف تبقى حاجة من لا حاجة له. وبالتالي سوف تكون من مكمّلات المجتمع الطبيعي المحلي إسوة بالجريدة والتلفزيون والشاعر ومركز الأبحاث وما إلى ذلك من الحليّ المعاصر. وعلينا أن نعرف أن حشر الشباب في مستودع استيداعي ليس إنجازاً خاصاً بنا وحدنا. فحتى المجتمعات الأوروبية، التي تعاني من مشكلة البطالة والعجز عن تأمين فرص عمل كافية للأجيال الجديدة، تقوم بخلق جامعات يطلق الشباب عليها هناك إسم ‘الكاراج’. أي الجامعات التي لا تنخرط في إطار الحاجات الإقتصادية للبلاد ولا تستجيب لمتطلباتها ولا لمستواها التقني والعلمي.
لكن النظام التعليمي في الغرب الذي يلجأ إلى خلق جامعات مهمّشة سلفاً مفتوحة للجميع، يعدّ كوادر نمط عيشه في نسقٍ تعليمي مواز يسميه الجامعات الكبرى لا يدخلها إلا من ينجح بامتحان الدخول العالي المستوى. بينما لا يوجد عندنا ما يوازي الجامعات الكبرى اللهم إلا تلك الأجنبية التي لا تستقبل بنظام أقساطها وكلفتها العالية إلا ابناء الفئات الميسورة من المجتمع. فهي تبقى إذن ميداناً جامعياً مقتصراً على الأقلية من الشباب.
وبالإضافة إلى هذا الدور الإجتماعي فإن الجامعة الخاصة بكل طرف محلي تهدف ليس فقط إلى استيعاب شباب هذا الطرف بل تعمل على تكوينه فكرياً وقيمياً لكي ينخرط بالمجموعة كما هي، ويعيد بالتالي إعادة إنتاجها كمجموعة متناسقة. حرص كل جماعة محلية على إيجاد جامعة خاصة بها ليس فقط من أجل مجرد المنافسة مع الخصم بل هي مدرسة لخرط وعي متكامل مع المجموعة ووجودها. يتعلم الطالب فيها قيمها وأهدافها وتصوراتها عن العلاقات البشرية والكون ككل.
أما تكاثر الجامعات الخاصة الكبير، فهو مسألة تثير الانتباه إذ إنها تتعدى المعقول وكل الحاجات المحلية، الإجتماعية منها كما العلمية او التقنية. وهي ظاهرة في تزايد مستمر. وهنا علينا ان ندخل في الحسبان المعنى التجاري لهذا المشروع. فعدا عن كونه جامعة للعلم فإن فتح مثل هكذا مؤسسة يتيح لأصحابه، على ما يبدو، تحصيل هوامش ربح معتبرة. هذه الهوامش لا تتأتى فقط من الاستثمار الطبيعي للمنشأة الإقتصادية، التعليم، بل كذلك من المساعدات والهبات التي تقوم بها الدول الأجنبية من اجل ‘الخير العام’ و’التربية’. فقليلة هي المؤسسات التعليمية المصنّفة جامعية التي لا تقيم علاقات خارجية مع جامعات او سفارات أجنبية. فمنح اعتراف أجنبي لشهادات وبرامج تعليم جامعة أهلية هو بمثابة مصداقية علمية لا يرقى اليها الشك.
وهذا التناسل ظاهرة لا تقتصر على الجامعات التابعة للقطاع الخاص، أي التجاري البحت، بل تعدته لتطال ما توافق على تسميته بالجامعة الوطنية، أي الرسمية. ففي لبنان مثلاً جرى بعد آخرحرب أهلية، وتبعاً للتطور السكاني حتماً، كما للحالة النفسية العدائية لأجواء ما بعد الحرب، ولكن خصوصاً لأسباب طائفية، تقسيم الجامعة الوطنية إلى ‘فروع’ أقيمت في البداية في ‘الشرقية’ و’الغربية’ ثم توسع التقسيم لكي يطال ‘الجنوبية’ و’الشمالية’ ناهيك عن ‘الوسط البقاعي’. ففي الوقت الذي يحتاج معه هكذا مجتمع، من حيث المبدأ، إلى جامعة رسمية واحدة تنتج عقولاً موحّدة حول مفاهيم الوطن والدولة والمواطن تتجاوز الإنقسامات المحلّية الطبيعية، حرى ‘توطين’ مفهوم الجامعة الرسمية وتكييفه وأقلمته مع المناخ المحيط بحيث صارت الجامعة معملاً ينتج سلع الفروع لا الأصول. قيم المناطق لا قيم الوطن.
ليس للقبيلة ‘علماً’ حديثاً، خاصاً بها، تلقنه لأجيالها المقبلة، لكنها مع ذلك تحرص على أن يكون لها جامعتها الخاصة المعترف بها من قبل جامعة عالمية ‘مرموقة’. فليس على أي عصبية حرج بعد الآن، ومهما كان حجمها، إذا ما جدّت في طلب العلى المعترف به دوليّاً.