خلاص مصر يكون من خلال حكم دولة’القانون… وعودة الناصريين إلى التدثر بدفء الحكم العسكري مجددا

حجم الخط
1

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ امتلأت الصحف الصادرة يومي السبت والأحد بالكثير من الأخبار والموضوعات التي ينافس كل منها الآخر في الأهمية، فقد بدأت حملات السيسي لانتخابات الرئاسة بالفعل حتى قبل أن يتم الإعلان عنها، بالإضافة إلى أن حملة زميلنا وصديقنا حمدين صباحي كانت قد بدأت من مدة، رغم أن باب قبول أوراق المرشحين لم يتم فتحه وهي ظاهرة عجيبة.
أما الموضوع الآخر الذي اجتذب اهتمامات واسعة من الصحف، فكان نتائج الانتخابات التي أجريت في خمسة أندية، لكن الاهتمام تركز على الأهلي والزمالك، حيث اكتسحت قائمة محمود طاهر في الأهلي قائمة إبراهيم المعلم، رغم تلقيه دعما معنويا من محمود الخطيب وله شعبية هائلة في الأهلي، كذلك حسن حمدي رئيس مجلس الإدارة السابق، وأثناء حضوري في النادي لمست اتهامات للمعلم بأنه صديق للإخوان وأنه لابد من إنهاء أي نفوذ أو وجود لهم، خاصة بعدما نشر من قبل عن تغلغل لاعبين في الفريق الأول مثل أبو تريكة وعبد الظاهر من الإخوان، وكذلك مدربي الشباب ووجود أعداد كبيرة من الإخوان في فرع النادي بحي مدينة نصر. وقد أصبحت تهمة الإخوان والأخونة تلاحق البعض وتؤثر فيهم وقد رأينا من قبل عمليات الإطاحة بهم في انتخابات النقابات المهنية للصحافيين والأطباء والمهندسين والمعلمين، ثم أخيرا في التجديد النصفي لأطباء الأسنان.
ومن الأخبار المهمة أيضا كان قرار محكمة الجنايات في الإسكندرية التي نظرت قضية إلقاء الأطفال من فوق سطوح العمارات في سيدي جابر يوم الخامس من شهر يوليو/تموز الماضي، وإحالة أوراق محمود حسن رمضان وعبد الله الأحمدي إلى المفتي، وكان الأول قد ظهر على الهواء ثانية بثانية وهو ملتح ويحمل علم القاعدة، كما قررت المحكمة تأجيل المحاكمة لواحد وستين آخرين إلى جلسة بتاريخ 19 مايو/ايار القادم، وما أن نطق رئيس الجلسة بالحكم حتى انشد المتهمون داخل القفص يقولون حياتنا تهون وكل شيء يهون ولكن إسلامنا لا يهون.
كما واصل الأطباء والصيادلة وموظفو البريد إضرابهم لأسباب اقتصادية، واستمرت المناقشات حول عرض التلفزيون الحكومي برنامجا عن حمدين صباحي بعد إذاعة كلمة السيسي لتحقيق التوازن والحياد.
كما نشرت الصحف اخبار استمرار الخلافات بين وزارة الكهرباء والبيئة حول اعتزام الأولى إقامة محطات لتوليد الكهرباء بواسطة الفحم لتوفير مليارات الجنيهات مع المحافظة على البيئة. ووصول فوج من السائحين الإيرانيين إلى الأقصر وأسوان. ومن الاخبار الاخرى التي وردت في الصحف مواصلة أجهزة الدولة في عدد من المحافظات هدم المباني التي أقامها بعض الأفراد على أراض مملوكة للدولة واستعادتها. وتأجيل جلسة محاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين، واستمرار محاكمة مرسي وقادة الإخوان.
والى بعض مما عندنا..

60′ من السكان لا يقرأون
الصحف ولا يتابعون الفضائيات

اول ما نبدأ به سيكون من نصيب زميلنا وصديقنا في ‘الأهرام’ جمال زايدة يوم الأربعاء حيث حذر من الآتي: ‘أقل ما يمكن أن نصف به ما حدث في مصر الآن أنه حوار طرشان لماذا؟ لأن الحوار العام يستبعد شريحة تقدر بنحو ستين في المئة من الشعب أو أكثر يشكلون القوة النابضة في هذه الأمة. أنا هنا أتحدث عن شباب مصر دون الثلاثين من العمر، الذين تبلغ نسبتهم ستين في المئة من عدد السكان، لا يقرأون الصحف ولا يتابعون البرامج الحوارية في الفضائيات، سواء المملوكة للدولة أو القنوات الخاصة، إذن لمن نتوجه بالخطاب السياسي والاجتماعي إذا لم تكن تلك الشريحة من الشعب حاضرة فيه بقوة. لن نتحدث عن تخصيص مناصب نواب الوزراء أو المحافظين للشباب في المرحلة المقبلة، فهذا لن يجدي، فهم يفتقدون الخبرة السياسية ولا دراية لهم بدولاب الدولة المصرية وتعقيداتها. هناك حاجة للعمل وسط هذا الجيل في القرى والنجوع والصعيد ووجه بحري، بخلق فرص عمل في مشروعات تخدم الوادي وسيناء والجنوب ومرسى مطروح، من خلال تعبئة عامة للمدخرات يسهم فيها القطاع المعرفي الذي يكتفي بشراء أذون الخزانة رحم الله المصرفي الكبير طلعت حرب’ .

مصر مليئة بالكفاءات القانونية
التي لم تتلوث سمعتها السياسية

وإلى نوعية أخرى من المعارك بين المنتمين للتيار الواحد فقد اخبرنا يوم الأربعاء زميلنا في ‘اليوم السابع’ سعيد الشحات ناصري أنه بعد نشر عموده اليومي (ربما) يوم الثلاثاء، وكان عن صديقنا وأستاذ القانون الدكتور مفيد شهاب بمناسبة تكريمه ضمن تكريم أعضاء الوفد المصري في قضية التحكيم في قضية طابا، اتصل به، أي بسعيد، زميلنا وصديقنا رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة قناة السويس وعضو مجلس الشعب الأسبق الدكتور جمال زهران ـ ناصري ـ وكان غاضبا وأورد سعيد ما قاله له جمال: ‘إن الشعب المصري قام بثورة 25 يناير ضد نظام مبارك كله ومن دون استثناء لأحد، ومن الخطأ التعامل معه هذا النظام على نحو أن فيه مسؤولا من أركانه أفضل مقابل مسؤول سيئ وأسوأ، فالكل كان يعمل في مركب واحد هو مركب الاستبداد، ويؤدي دوره في الإبقاء عليه، وبالتالي فإن كل من شارك بقدر في هذا الإثم فلابد من محاسبته على ما فعل، وتلك طبيعة الثورات التي تنهي نظاما من أجل بناء نظام صحي جديد.
وأن الدكتور مفيد شهاب كان من أسوأ وزراء مبارك وتشهد مضابط مجلس الشعب على ذلك، التي تسجل دفاعه عن سياسات مبارك وقت أن كان وزيرا للشؤون البرلمانية. ويرفض الدكتور جمال حديث البعض عن الاستفادة مما فعله الدكتور مفيد شهاب في الجانب القانوني في قضية طابا، وتكراره في النزاع مع اثيوبيا في مسألة سد النهضة، ويقول ان هذا منطق مرفوض فمصر مليئة بالكفاءات القانونية التي لم تتلوث سمعتها السياسية ويمكن الاستفادة منها في هذا النزاع، وانه لا بديل عن تحقيق سياسة الاستبعاد لكل أركان نظام مبارك وأنه نادى بذلك بعد تنحي مبارك ولا سبيل لنجاح الثورة إلا بذلك. والحقيقة فإننا إذا بدأنا بالنهاية وهي الاستبعاد الكامل لأركان نظام مبارك من الحياة السياسية فإنه مطلب يصعب تطبيقه، لأنه سيقودنا إلى إصدار قانون العزل السياسي وقد سبق طرحه بعد ثورة يناير وليطبق على قيادات الحزب الوطني، ولكن الأغلبية رفضته بالإضافة إلى أنه يستحيل حرمان إنسان من ممارسة حقوقه السياسية من دون ارتكابه جريمة مانعة وبحكم قضائي نهائي وستتحول البلاد إلى ساحة يستبعد فيها كل تيار التيار الآخر فأمس الحزب الوطني واليوم الإخوان وغدا الناصريون وغيرهم إذا عاد الإخوان أو يتحكم طرف آخر ويستبعد الآخرين إلى أن لا نجد مصريا من حقه ممارسة العمل السياسي. هذا بالإضافة إلى قضية أخرى، وهي أن عناصر عديدة عملت في نظام مبارك ولعبت أدوارا مهمة في عرقلة مخطط ابنه جمال ومجموعته لبيع كل ما تملكه الدولة والقطاع العام، كما لم تتلوث أياديهم باستغلال نفوذ أو الإثراء غير المشروع’ .

كيف يكون المرء ناصريا
ويطالب الجيش بالعودة إلى ثكناته!

ويوم الخميس قام زميلنا وصديقنا سليمان الحكيم ـ ناصري ـ بشن هجوم في ‘الوطن’ ضد زميلنا وصديقنا حمدين صباحي وأمين اسكندر ـ ناصريان ـ وكان سليمان يرد بطريقة غير مباشرة على مقال لأمين اسكندر في ‘المصري اليوم’ قال سليمان: ‘الفرق بين الحقيقة والادعاء هو الفرق بين الناصريين والمتناصرين، وهو نفسه الفرق بين الصدق والكذب، فلا أعرف كيف يكون المرء ناصريا ويطالب الجيش بالعودة إلى ثكناته وعدم الانغماس في أمور السياسة بحجة التفرغ للدفاع عن حدود الوطن، وهي نفس الادعاءات التي رددها خصوم ثورة يوليو فور قيامها، إقطاعيين ورأسماليين وليبراليين وشيوعيين وإخوانا، ولو كان عبد الناصر قد استجاب لكل هؤلاء لما كانت هناك ثورة نتغنى بإنجازاتها إلى يوم الدين.
فلا عدالة اجتماعية تحققت ولا استعمار قد أجلي ولا مصانع شيدت ولا مدارس بنيت، والغريب أن يطلب هؤلاء من العسكر العودة إلى الثكنات العسكرية بحجة التفرغ لمهمة الدفاع عن أمن الوطن ويطلبون من المتأسلمين العودة الى المساجد والتفرغ لأمور الدعوة بدلا من الانغماس في الأمور السياسية التي تفرق ولا تجمع، بل راحوا يتحالفون معهم في كل انتخابات جرت ليوفروا لهم الغطاء الوطني والشرعي الذي يلزمهم إمعانا في مخادعة الناس ليقبلوا بهم فصيلا سياسيا وطنيا. بينما الواقع يقول انهم أبعد ما يكونون عن الوطنية والسياسة على السواء، كيف يكون المرء ناصريا ويقر للإخوان بخطأ ما فعله عبد الناصر معهم، بل ويقدم لهم الاعتذار عنه بصفته حامل أختام الناصرية فعل ذلك، من دون أن يطالبهم باعتذار مقابل عما قاموا وما زالوا يقدمون به من أعمال إجرامية بحق الوطن ومواطنيه’.

هكذا يختار المصريون رئيسهم..

لكن كيف يختار المصريون رئيسهم؟ السؤال يجيب عليه في جريدة ‘الوطن’ محمد المهدي، الذي يرى انه من النادر أن يختار المصريون رئيسهم على أساس برنامجه الانتخابي، فالكثيرون منهم لا يهتمون بقراءة هذا البرنامج، حيث يغلب على توجهاتهم نحو المرشح مسألة الانطباعات الشخصية، التي تتصل بشكل المرشح وطريقة أدائه الخطابي، ومدى تأثيره في مشاعر الجماهير وقدرته على لمس أحاسيسهم الوطنية أو الدينية ومهارته في تدليك نرجسيتهم وإشعارهم بقيمتهم وعظمتهم التاريخية والحالية (ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد، نحن أبناء حضارة 7000 سنة، أخلاق القرية، أهلي وعشيرتي، مصر أم الدنيا وها تبقى قد الدنيا) ويرى المهدي ان التعصب الديني (مع أو ضد) له دور مؤثر في اختيار المرشح. فيما يميل كبار السن إلى اختيار المرشح التقليدي المحافظ الذي ينتمي إلى مؤسسات الدولة القديمة، حيث يعتبرونه أقرب لتحقيق الاستقرار، وتميل النساء إلى المرشح الذي يعطيهن الإحساس بالأمان والاستقرار والأهمية، ويداعب عواطفهن بالكلمات الحانية ويستخدم طبقات صوت منخفضة، خاصة لو كان وسيماً. ويشير المهدي إلى ان ثمة علاقة بين المستوى الاجتماعي والاقتصادي، ومواصفات المرشح وتوجهاته، فالمستويات الأعلى تميل إلى المرشح الذي تتوقع أن يحافظ على مصالحها. أما المستويات الدنيا اقتصادياً واجتماعياً فهي تهفو لصورة البطل والزعيم الكاريزمي المخلِّص وتتلهف للشعارات التي تتحدث عن المساواة والعدالة الاجتماعية، وتعشق المرشح الشامخ والمتواضع. اما الأقباط فيخشون المرشح الذي يرفع شعارات دينية أو ثورية، ويميلون أكثر لمرشحي الدولة الرسمية التي ألفوها، فهم يخشون إثارة النزعات الدينية في الفضاء السياسي، ويخشون التمييز العنصري ضدهم، ويخشون التغيير المفاجئ أو الحاد الذي لا يضمنون عواقبه، ولا يأمنون لتيار الإسلام السياسي وأصحاب المصالح ورجال الأعمال إلى تأييد المرشح الذي يضمنون معه استمرار مصالحهم ومشاريعهم’.

اللين والحكمة
من محاسن الإسلام وأحكامه

وإلى معارك الإسلاميين حيث واصل الأستاذ بجامعة الأزهر عضو هيئة كبار العلماء والرئيس العام للجمعية الشرعية للعاملين بتعاون الكتاب والسنة الدكتور الشيخ محمد المختار المهدي تراجعه البطيء عن مواقفه السابقة، في مقالاته بجريدة ‘عقيدتي’ الدينية، حيث قال يوم الثلاثاء الماضي: ‘بصرف النظر عما يجري على الساحة السياسية، فإنني أتحدث عن حكم الإسلام في الاختلاف والتشاور والتكامل، وليس الصراع والتخاصم لقد انفلتت الألسن بألفاظ تدنت لدرجة لا يقبلها لا عقل ولا عرف لماذا وصلنا إلى هذا كله؟ هل هذا تطبيق لقول إبليس أنا أو الطوفان كما قيلت قبل ذلك، أما أنا أو الفوضى، إن من وسائل العلاج أن نتعامل مع المخالفين من منطق الطبيب والمريض من منطق المتعلم والجاهل.
وعلينا أن نبين محاسن الإسلام وأحكامه بوضوح وباللين والحكمة، حتى يعلم الجاهل فإذا أصر على موقفه بعد علمه فليتحمل مسؤوليته أمام ربه وأمام التاريخ وأمام وطنه فسينكشف ويخزي كما وعد رب العزة سبحانه ‘لهم خزي في الدنيا’ (المائدة 33).
الكثيرون الآن يسعون لمصلحتهم فقط ويتعنت بعضهم في مطالبته بحقه ويقول أنا مظلوم.. نعم ولكن هل الظلم الذي وقع عليكم منذ ستين أو مئة سنة ينتهي في أيام؟ أين العقل وأين مراقبة الله؟ هل نسينا الآخرة هل نسينا الصبر الذي يجعل الله عزوجل الفلاح متوقفا عليه فيقول ‘يا أيها الذين أمنوا أصبروا وصابرو ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون’ (آل عمران 200) ويقول ‘أنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين’ (يوسف 90).

صباحي البديل المدني القوي للسيسي

اما المباراة بين حمدين صباحي والمشير السيسي فيقول عنها الكاتب محمود سلطان في جريدة ‘المصريون’ انها ليست من طرف واحد: ‘يوم 28/3/2014، قدمت لميس جابر على إذاعة 90، استعراضا مؤلما عن حياة رئيس مصر الأسبق محمد نجيب.. أظهر التقرير بشاعة عبد الناصر، وكيف أنه سمح لـ’العساكرـ الجنود’ بضرب رئيس مصر الأسبق.. بعد أن قتل أولاده وشرد الباقين، ولم يبق منهم إلا واحد، يعمل ـ حاليا ـ سائق تاكسي. اللافت أن يُعرض هذا التقرير، في الإذاعة التي يقال إنها تابعة للجيش، ولا ندري مغزى إذاعته في هذا الوقت بالذات، خاصة أن المشير عبد الفتاح السيسي، يقدمه الإعلاميون الموالون باعتباره امتدادا لجمال عبد الناصر؟ وبالتوازي فإن ثمة مرشحا ‘ناصريا’ لا يزال مصرا على أن يكمل منافسته لمرشح المؤسسة الأقوى في مصر حاليا.. ولا ندري لمصلحة من أذيع هذا التقرير في الوقت الحالي، لـ’السيسي’ أم لـ’صباحي’؟!’ وكلاهما ـ كما يبدوان لنا ـ يستمدان شرعيتهما من عبد الناصر ‘الصورة’ أو ناصر ‘الأيديولوجيا’.
التقرير قدم صورة غير إنسانية لعبد الناصر، وهي الصورة التي قد تمتد لروافده وطبعاته الجديدة التي نراها على مشهد انتخابات 2014، وبالتالي فيمكن اعتباره مسيئا لـ’السيسي’ و’صباحي’ معا. وفي أغلب الظن فإن التقرير لم يكن مستهدفا لأي منهما، ولكن كان من المستغرب، أن يذاع من على محطة إذاعية يقال إنها مملوكة للجيش، وفي اليوم التالي من إعلان’ سليل عبد الناصر’ـ’السيسي’ـ ترشحه لرئاسة الجمهورية.. وأيا ما كان الأمر، فإنه بالتأكيد أضر بالمشير، ورسم صورة ‘مخيفة’ عن نظامه السياسي المتوقع.
صباحي ربما يكون أسعد حالا، بعد أن باعه الناصريون، ونظموا ضده حملة توييخ قاسية، لـ’جرأته’ على منافسة السيسي، الذي رأوا فيه إحياء للناصرية، وعودة الناصريين إلى التدثر بدفء الحكم العسكري مجددا.
من الصعب بعد خيانة الناصريين لصباحي، أن يظل الأخير على ناصريته، ولعل توجهه إلى شخصية ليبرالية بارزة في حجم ووزن د. وحيد عبد المجيد، لكتابة برنامجه الانتخابي، يشير إلى تحولات جذرية في العقيدة السياسية لصباحي، وهو التحول الذي يعيد رسم صورة مغايرة، لتضاريس القوى المتصارعة على المقعد الرئاسي، وربما تحصرها بين قوتين إحداهما تمثل ‘الدولة العسكرية’ والأخرى تعبر عن ‘الدولة المدنية’.
من الصعوبة التنبؤ بشكل يقيني بالنتائج، وإن كانت ‘المقدمات’ تحسمها لصالح المشير عبد الفتاح السيسي، ولكن يظل السؤال الأهم، ما إذا كان من صالح مصر، أن يفوز السيسي بنتائج أقرب إلى ما حدث في الاستفتاء على دستور 2014؟! وهو السؤال الذي ربما يضفي مزيدا من الأهمية على دور صباحي، صحيح أنه من الصعوبة أن يكسب الانتخابات، ولكن من المفيد ديمقراطيا، أن يحقق نتائج ‘مفزعة’ للفائز..’إذ سيظل ـ والحال كذلك ـ يمثل ‘البديل المدني’ القوي للجنرال الموجود على رأس السلطة، وهو وضع ‘ردعي’ مهم، قد يحول دون توحش النظام الجديد’.

على الرئيس القادم إيجاد
صيغة تشاركية مع شعبه

اما زميله ابراهيم عبد المقصود فيتساءل في العدد نفسه عن ماذا كنت تفعل لو كنت الرئيس القادم لمصر يقول:’ حتى يبرأ الجرح النازف ويشفى المريض، يقوم الطبيب الماهر، بتنظيف الجرح وتطهيره قبل مداواته، حتى لا’ يندمل الجرح على القيح والتلوث الميكروبي، ويفقد المريض حياته، وهذا بالضبط هو ما تحتاجه مصر اليوم من أبنائها حكاماً ومحكومين، وهي تحاول الفكاك والنجاة من أزمتها الخانقة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التىي تمسك بتلابيبها وتضغط بقوة على رقبتها لإزهاق انفاسها ولتكون’أثراً بعد عين، حتى لا تعود لمصر عافيتها، وتكون رائدة لعالمها العربي، ودولة إقليمية قوية بمنطقتها تملك من أدوات القوة الخشنة والناعمة ما يؤهلها للدفاع عن مصالحها أمام قوى الشر والعدوان التي تبغي إشاعة الفوضى الخلاقة بمصر والمنطقة العربية وتفكيكهما، توطئة لإعادة الترتيب والتشكيل من جديد، حسبما يتفق ومصالحها الإمبريالية والصهيونية. ‘ ‘.
إن آمال الجماهير المصرية التواقة (للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية) التي عبرت عنها ثورة 25 يناير المجيدة وموجتها التصحيحية في 30 يونيو، قد’أصبحت المعضلة الكبرى التي سوف يواجهها الرئيس المنتخب القادم، حيث اتفقت غالبية الشعب المصري على النضال السياسي السلمي من أجل تحقيقها، وعدم نسيان دماء وأرواح خيرة شباب مصر، الذين أستشهدوا وهم يهتفون بشعاراتها، لكي’تتبوأ مصر المكانة اللائقة بها ‘موقعاً وموضعاً’ بين الأمم الحرة والمتحضرة .
الرئيس المنتخب القادم لمصر، عليه أن يحترم ويتعظ من عبر التاريخ المصري والإنساني، وأن يوفر على مصر الوقت، ويجنبها التناحر وإدمان الجهل والاستخدام السادي للقوة، ضد الجماهير السلمية المتعطشة للحريات والديمقراطية الحقيقية والحكم الرشيد، والمتشبثة بكل ماحققته من مكاسب ضد حكم الطغيان خلال مسيرة نضالها، والتي دفعت ثمناً كبيراً لها من الدماء والدموع وأرواح الشهداء البررة .
إن كنت رئيساً لمصر، عليك إيجاد صيغة تشاركية مع شعبك، لحل معضلة كيفية فرض السلطة للأمن والاستقرار على ربوع مصر، من دون تغول من’ النظام الحاكم على القانون والحريات العامة والخاصة، ومن دون انتهاك لحقوق الإنسان المصري وكرامته، وأن تلتزم بخيارات شعبك’وأن تعلم أن خلاص مصر وسلامتها وتقدمها’يكون من خلال حكم دولة’القانون التي يكون فيها الجميع أمام القانون سواء، وفي الطليعة منهم الرئيس المنتخب القادم… فهل هناك امانة أعظم من مصر، نأتمن عليها خادم الشعب رئيسنا المرتقب؟’.

التعاطف الدولي مع أهالي غزة
أفضل من تعاطف الأنظمة العربية

اما عن ضحايا لعنة معبر رفح فيكتب لنا الكاتب فهمي هويدي في ‘الشروق’ عدد امس الاحد:’ حين ماتت نايسة شاهين في التاسع من شهر فبراير/شباط الماضي بعدما طال انتظارها أمام معبر رفح ولم يسمح لها باجتيازه للعلاج من سرطان الثدي الذي نهش جسمها. فإن أهلها ظلوا يرددون ‘قدر الله وما شاء فعل’. لكنهم لم ينسوا ان إغلاق السلطات المصرية للمعبر منعها من تلقي العلاج الذي ربما كان أنقذ حياتها، وهي بعد لاتزال في سن الخامسة والخمسين. ولئن كفكف أهلها دموعهم واحتسبوها عند الله، فإن دموع أخريات من الأمهات لاتزال تنهمر حزنا على ثلاثة من أطفالهن يحوم حولهم شبح الموت منذ أسابيع، وهم ينتظرون الإذن لهم باجتياز المعبر لتلقي العلاج في مصر. منذ خمسة وأربعين يوما والمعبر مغلق، والأمهات الثلاث يتطلعن إليه كل صباح بأعين أطفأ الحزن بريقها أملا فى أن يقدر لهن انقاذ أطفالهن من الموت…
المشهد من هذه الزاوية يبدو عبثيا وغير قابل للتصديق. حيث لا أظن أنه خطر ببال أحد، حتى ان كان من أبالسة البشر، أن يحدث ذلك على أحد أبواب مصر، وبحق الفلسطينيين الذين فرضت عليهم الجغرافيا ان يصدوا عنها التهديدات التي تستهدف جبهتها الشرقية، وان يصبحوا ضحايا ذلك الموقع. دعك من موقع ‘الشقيقة الكبرى’ الذي استقالت مصر منه منذ عقود، ودعك أيضا من الدور المقاوم الذي يقوم به القطاع في مواجهة الغطرسة الصهيونية، وهو ما ينبغي أن يكون محل حفاوة واحترام، ولكننا نتحدث فى اللحظة الراهنة لا عن واجب قومي ولا حتى عن أمن الأمة، وانما عن اعتبارات إنسانية وعملية بحتة. ذلك انه لا يعقل ان تعمد إسرائيل إلى خنق القطاع من شماله، بينما تحكم مصر الخناق وتشدده من الجنوب..
أدرى أن الملف السياسي بات معقدا وتتعدد في صدده القراءات والتأويلات. لكننى لا أجد أي مسوغ لإغلاق الملف الإنساني الذي يتضمن ثلاثة عناوين أساسية هي: حملة تجويع القطاع ــ علاج المرضى ــ رعاية مصالح الدارسين والعاملين في الخارج من أبناء القطاع. ربما كان موضوع المرضى يحتل أولوية قصوى لأسباب أحسبها مفهومة، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل مصالح الألوف ومصائرهم التي أوقفها أو دمرها إغلاق المعبر. وفي حدود علمي فإن عدد المسجلين لدى وزارة داخلية القطاع من أصحاب المصالح الذين يريدون اجتياز المعبر وصل إلى 7000 مواطن. وقد أوقفت الوزارة تسجيل الأسماء لأن الاستجابة لرغبات الذين تم تسجيلهم تستغرق ما بين 6 و7 أشهر… المدهش والمخزي ان الجامعة العربية التي قرر مجلسها يوما ما كسر حصار غزة، وما برح يدعو إسرائيل بين الحين والآخر لرفع حصارها للقطاع التزمت الصمت إزاء موقف السلطات المصرية من إغلاق معبر رفح، ومن ثم تحول القطاع إلى سجن كبير لنحو مليوني فلسطيني. ويضاعف من الدهشة والخزي ان التعاطف الدولي أفضل بكثير من تعاطف الأنظمة العربية معهم. تشهد بذلك وفود التضامن التي ما برحت تعبر عن ذلك التعاطف بين الحين والآخر. وأحدثها ذلك الوفد النسائي الغربي الذي قدم إلى القاهرة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة مع نساء غزة الصامدات (8 مارس/اذار)، ثم منع الوفد من مغادرة مطار القاهرة والوصول إلى غزة.
لئن قلت ان كل ذلك مما لا يخطــــر على الــــبال ولا يكــاد يصدقـــه العــقل، فإنني أزعم أن الأولين من أهل السلف لو وقعوا عليه في زمانهم لاعتبروه من علامات الساعة الصغرى التي في ظلها تتغير النواميس وتنقلب الأمور إلى ضدها، بحيث يصبح الخلل والخطل قاعدة والصواب شذوذا واستثناء’.

تمتلئ منازل المهاجرين
بأشياء تفجر الذكريات

وسيكون بيت المهاجر الذي يضم بداخله رائحة الوطن هو ما ننهي به جولتنا في الصحافة المصرية لهذا اليوم البيت الذي تصفه لنا الكاتبة داليا شمس في العدد نفسه من الشروق ‘ تقول:’ لم أجرؤ على سؤاله عن حكاية السجادة الوحيدة التي حملها من بلاده، رغم أن ألوانها ونقوشها كانت تدل على أنه وصل إلى باريس من كردستان أو إيران ــ أو هكذا تخيلت… كانت السجادة هي الشيء الوحيد الموجود في الغرفة التي استأجرها بالطابق الرابع منذ عدة أيام، قبل أن يتعرض المنزل للسرقة، وقبل رحيله المفاجئ.. لا أثاث، ولا صور أو لوحات على الجدران، فقط بدلتان رجاليتان كلاسيك لبس إحداهما وعلق الثانية بمسمار أعلى الحائط، وبالتالي لم يجد الحرامي ما يستطيع سرقته بعد أن كسر الباب. ظلت قصة السجادة تلاحقني، وراقتني فكرة أن تظل قطعة حية من الذاكرة تقاوم المصير الملتبس لهذا الجار المجهول بالنسبة لي. نعم كانت السجادة عنصر الديكور الأساسي الذى يشير إلى أن الرجل صاحب الشارب الكث قد تحول مؤخرا إلى غريب، لاجئ أو مهاجر، وهو يستأنس بها في مواجهة بلاد الغربة.. ربما أيضا كانت هدية من شخص عزيز لديه، لذا افترشها وتمدد عليها.. السيناريوهات قد تتنوع، وتبقى السجادة هي أصل الحكاية، إذ يلجأ المهاجرون عادة إلى استدعاء تذكارات من حيث أتوا للتغلب على زحام النسيان والافتقاد… نحاول أن نخلق أماكن للتجمعات، كلٌ في غربته، أماكن تمتلئ بصور الوطن، سواء كان هذا الوطن متخيلا أو حقيقا، أسطوريا أو انتقائيا، معنويا أو بعيدا.. نختصره في عدة أشياء، في ديكور ووسائد وإبريق شاي وجو عام يشبه أيام الفرح الدائم.. أحيانا نكتفي بما تبقى منه، وأحيانا يفيض الحنين، عندها يدخل الهندوسي المقيم فى جنوب كاليفورنيا إلى ركن العبادات الذي أسسه بشقته وزينه بالتماثيل والأيقونات التقليدية، ليتضرع إلى جانيشا، إله الفطنة وتذليل العقبات، وله رأس فيل.. أو يناجي سورى أصيص ورد كالموجود في باحة بيته الدمشقي، وقد وضعه على شباك غرفة معيشته بالقاهرة.. أو يصب فلسطيني كاسة شاي بعشبة المرمية من الإبريق الصاج الصغير ذاته الذي قد نجده في بيت مهاجر آخر في أوروبا أو أمريكا أو الخليج.. الجميع سلك طريق الهجرات لأسباب سياسية أو طلبا للرزق.. وكلما تعددت مدن ومحطات الهجرة، امتلأ المنزل بأشياء جاءت من هنا ومن هناك لتفجر الذكريات، وتروي قصة ‘أهل البيت’ ومصائرهم القلقة، بما فيها من حذف وإضافة، تلك التي تتجلى في عناصر الديكور والأشياء الصغيرة الموضوعة على الرفوف’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية