نحو رؤية جديدة في السياسات الاقتصادية لدول الربيع العربي
31 - March - 2014
حجم الخط
0
في اليمن تحديدا ومصر وغيرها من بلاد الربيع، ووفقا للازمات السياسية والاقتصادية وتزايد اعداد الفقراء والعاطلين، مع تفاقم ازمات اخرى، لابد من الاهتمام الجاد والمسؤول والعلمي تجاه معيشة المواطنين وقضاياهم الاقتصادية والمعيشية. فالثورات ليست ترفا ولا من اعمال النخبة، بل هي انتفاضات وحركات شعبية تهدف اولا واخيرا الى تحسين معيشة المواطنين، وتوفر الخدمات التعليمية والصحية والمواصلات وتحسين معدلات الدخل مع الضمان الاجتماعي، وهذا كله جوهر الثورات السياسية ببعدها الاجتماعي والاقتصادي، وعليه خرج ملايين البشر من اجل ايجاد نظام سياسي يلبي لهم هذه المطالب الاساسية. ومعنى ذلك انهم لم يخرجوا ويقدموا الشهداء والتضحيات من اجل تغيير شخص بآخر، او حزب بآخر، بل من اجل تغيير نظام سياسي بكل مؤسساته وتوجهاته بنظام اخر وفق منظومة متكاملة من المؤسسات والتوجهات العامة والانحياز الاجتماعي، من خلال سياسات واجراءات محددة تصب في مصلحة الشعب من اول يوم تستلم فيه حكومة الثورة سلطتها. ووفقا لحقيقة سوسيولوجية فان اي حكومة او نظام سياسي لا يهتم بالبعد الاجتماعي فهو نظام معاد للمجتمع. من هنا فالتغيير السياسي يكون باعتماد نظام جديد يتصف بالحوكمة والادارة الرشيدة وخلق اهتمام رئيسي بمعيشة المواطنين. ولا يمكن قبول اعذار تافهة بقصور ميزانية الدولة ومواردها، وليس مبررا لها ان تسكت عن معاناة الشعب. فالاصل في الدولة وظيفتها جلب الخير للمجتمع. وفي حالات الازمات يكون من أولوياتها تدبير موارد لتحسين معيشة الشعب بأي شكل كان، ومن دون هذا الامر نكون ازاء مافيا تنهب الشعب وتسرق قوته وتهدر حقوقه.. ومن هنا فالسياسات الاقتصادية التي كانت سائدة وفق تزاوج السلطة ورأس المال، ووفق غياب الشفافية وعدم وجود خطط واضحة واستراتيجية، ومن دون مشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني، كل هذا لابد من اعادة النظر فيه باعتماد سياسات اقتصادية تقوم على منهج الشراكة محليا وخارجيا، وتجعل من المجتمع هدفا رئيسيا لها لتحسين معيشة المواطن. وهنا ليس المطلوب غياب الدولة وبيع المؤسسات العمومية، كما ترى عصابات نهب الشعوب، بل لابد من اعادة تجديد وظيفة الدولة وتطويرها وتوسيع فضاءات المشاركة للقطاع الخاص والمجتمع المدني في حضور الدولة المراقبة والمشرفة والمنظمة. فالمطلوب اذا تجديد دور الدولة ووظيفتها وليس غيابها تماما. وهنا تستند رؤيتنا الى كبرى النظريات الاقتصادية، والى تجارب حاضرة في الغرب الرأسمالي نفسه، الذي لجأ ويلجأ دوما في كل ازماته الى اعادة تفعيل دور الدولة وتدخلها النشيط والفاعل في ادارة الازمات الاقتصادية، وهنا نكون باعادة اكتشاف الكينزية (جون مينارد كينز، اقتصادي إنكليزي 1883- 1946 ( برؤية جديدة النيوكينزية- وهو امر مطلوب في اليمن.. وبلدان الربيع العربي، خاصة الدول ذات الكثافة السكانية كمصر واليمن. فهذه البلاد لا ينفع معها اتباع النموذج الغربي من الرأسمالية، خاصة نسخته الامريكية لضعف في مؤسسة الدولة وآليات عملها وانتشار الفساد وضعف المجتمع المدني والقطاع الخاص، ولا يمكننا العودة الى النموذج الاشتراكي بتملك الدولة كل وسائل الانتاج. هنا لا بد من رؤية بديلة تجمع اهم نقاط الالتقاء بين النموذجين السابقين في اطار من الاعتراف بفلسفة اقتصاد السوق، وهنا يكون الافضل لبلادنا ومصر اعتماد اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو نمط متطور عن الليبرالية بابراز البعد الاجتماعي وحضور الدولة، وهنا يكون الالتقاء بالكينزية النظرية بصورتها الجديدة التي تمنح اهمية كبيرة لدور الدولة في اطار من فاعلية القطاع الخاص والمجتمع المدني. وأهم ما تقوم عليه نظرية كينز ان الدولة تستطيع من خلال سياسة الضرائب والسياسة الماليـــــة والنقدية ان تتحكم بما يسمى بالدورات الاقتصادية، وكانت لكينز مساهمة كبيرة سنة 1929 اثناء ازمة الكساد العالمية. وهنا لابد في هذه الازمات من: التشغيل الكامل من اجل تحريك العجلة الاقتصادية، ولابد من اعادة توزيع الثروة والتسريع بالعملية الانتاجية لرفع معدل النمو، وهو يرى ان البطالة ترتبط بانخفاض الاجور، الذي يعني انخفاض دخل العمال، الذي يؤدي الى انخفاض الطلب على السلع، مما يعقد مشكلة تصريف السلع بالأسواق. وهنا يؤكد كينز على انه لابد ان يكون للحكومة دور متدخل فى الاقتصاد (تنظيم المجال الاقتصادي ومراقبته والاشراف عليه) وهذا الامر قامت به الادارة الامريكية في زمن التوحش الرأسمالي، وفق الازمات التي تعرضت لها في الثمانينات وفي السنوات الخمس الاخيرة. ومن هنا يكون من السياسة ان يتم تجديد وظائف الدولة ومهامها في صناعة القرار وفق متغيرات محلية ودولية، ضمن مراجعات يقوم بها خبراء متخصصون اولا وسياسيون ثانيا، وفق اجندة تنظر للوطن وللشعب كسياق عام تصنع السياسات من اجله وليس من اجل النخبة. وهنا على الدولة اعتماد اجراءات متعددة في خلق مرونة في النشاط الاقتصادي تتعلق بالسياسات المالية وسعر الصرف ومنع التهرب الضريبي ومنع الاحتكار. وهنا انبه الى قضية بالغة الاهمية وهي، مجال اهتمام الاكاديمي والسياسي وكتبت فيها منذ سنوات عدة بالنمو الاقتصادي الذي هو محل اهتمام وصفي وشكلاني للاقتصاديين وللحكومات، ويتم التفاخر به اعلاميا كلما تزايد معدل النمو. اقول ان هذا النمو يجب ان ترافقه اعادة توزيعه وتوزيع ثماره على المجتمع بشكل خدمات ورواتب ومعونات، حتى تعم الفائدة، ومعنى ذلك ان النمو الاقتصادي ليس هدفا بحد ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق تنمية اجتماعية واسعة ومستديمة. اذن يكون اقتصاد السوق الاجتماعي بدلالاته السياسية والاجتماعية ومضمونه الاقتصادي واجراءاته وفق حزمة متكاملة، هو الاختيار السياسي الافضل لنظام اقتصادي تتبعه بلادنا وبلدان الربيع العربي تحقيقا لاهداف الثورات وتحقيقا لتنمية مستدامة تخفف من الفقر والبطالة تدريجيا، وهو امر يتطلب بدوره نظاما سياسيا مدنيا ديمقراطيا يعتمد الحوكمة كمجال اساسي في الادارة الحكومية وفق منظومة النزاهة الوطنية، وهنا فقط يمكن ان يحصل انتعاش اقتصادي لثقة المستثمرين بالنظام وبالحكومة واجراءاتها، وهو الامر الذي يتطلب حزم الحكومة وحسمها في تحقيق الاستقرار الامني والادارة الرشيدة في المؤسسات العمومية والتقاضي مع تزايد فضاءات الحريات العامة والشفافية. ومن هنا يكون اقتصاد السوق الاجتماعي ليس خيارا لنظام اقتصادي فحسب، بل خيارا لطبيعة النظام السياسي الاجتماعي وتحديد توجهاته السياسية والايديولوجية.