أكتب إليك أيتها الحنونة على بُعد غربة تبعدني عن ناظريك، أكتب اليك راكضًا إلى فضاء النثر؛ علّني أرتق ولو قليلاً وأسمو بحروف تصل إلى مقام هذه الكلمة المقدسة – المعجزة الالهية التي ما فتئت تشدنا إلى صدرها الحنون، لنغترف في كل مرة من حبّها الذي لا ينتهي، ذلك الحب الأزلي الذي يبدأ عند الولادة ويظل صامداً وباقياً مدى العمر ولا ينضب أبدًا ، لا يضعفه شيء، ولا يقلل منه غربة أو افتراق، بل ربما يزداد عند البعد. أمي، يا نبع الحنان ويا أعز الناس وأنبل الخلق وأثمن بني البشر. لا أجد أروع ولا أحلى من أن أنادي أمي بكلمة ‘يمه’ ، لأنني عندما أنطقها تهرب الافكار مني، وتضيع الكلمات وتتلاشى المفردات ، و ازداد حنيناً يأخذني نحو ربيع العمر. أحن يا أمي الى طفولتي ، أحن الى لمسة الحب والشفاء الأولى، حين يتملكني الوجع ويضيق صدري،وحين يملأ قلبي الفرح…أحن لحكايا النوم وقصة ”الغولة’ و’ليلى والذئب’، والشاطر حسن! ولو تدرين كم أحتاج هذه الايام لدعائك ورقيتك الليلة، كم احتاج لدعاء صلاة الفجر وأنت تهمسين فوق رأسي ويدك على جبهتي وتقولين: ‘رقيتك واسترقيتك من عين امك ومن عين أبوك ومن عين القوم اللي شافوك وما صلوا على النبي’، وما أن تنتهي من هذه الرقية حتى أصبح في عالم الأحلام السعيدة لكأنك تحملين بين يديك ملاك النوم ، ترسلينه ليحرسني ويريني أجمل المنامات وأحلاهاً … اليوم يا غاليتي تهجم علي الهواجس والكوابيس الليلية فأحتاج لملمس يديك الذي يشعرني بالطمأنينة والأمان والسكينة! اشتاق يا أمي لتلك اللحظات التي كنت نصحو بها وإخوتي على صوتك ، وكيف أني كنت التمس منك تقبيل جبهتك على غفلة في لحظات الصباح الباكرة مع زقزقة العصافير والبلابل، وقتها فقط كنا نحلق فوق سمائك وانت تطربين فرحاً لمشاغباتنا وضحكاتنا التي كانت تنساب على سمعك كحبات الخرز الملون ..كبرنا يا أمي ولم نكبر فما زلنا محفوظين في كتاب عمرك كياسمينة مجففة، كم اشتاق للقهوة التي لم اعط اطيق شربها بعد ان غادرتكم ، وكم اشتاق من بين يديك لأبريق الشاي الذي اشتم منه رائحة الهيل والميريمة تفوح منه كما غيمة تشرينية ونسمة صيفية عليلة ترد لي الروح في عزّ تموز! اسمحي لي يا أمي ان أصّبح عليك وعلى كل أمهات ثورات الربيع العربي المجيدة بالخير ؛ هذا الوجه الذي ما زال يحفظني ويحرسني..فصباح الخير وأنت في الوطن الحبيب لأنه لا مسافة بينك وبين الوطن.. وعندما يغيب الأخير، وتحضر صورتك ، يمكن أن أراه من خلالها. كبرت يا أمي على غفلة من عمري ، وكلما كنت اكبر ازداد برّا وحبًّا وتقديراً واحترامًا لك،…لا لا تصدقيني وانا الذي كذبت كثيرًا انا لم أكبر بعد! فقد تقدم بي العمر قليلًا وصرت في منتصفه تقريبًا! ماذا أقول لك يا ‘ست الحبايب’ يا ‘زيتونة الدار’ يا مبتدأ الدينا ومنتهاها يا ألفها وبائها هل فتحتي لنا مصحف يديك الطاهرتين لنتلو منهما الحنان والنجاة؟!