‘كيس الزمن’

حجم الخط
0

في كلام شعبي دارج يقول: يتعلم الانسان من كيسه.. ماذا في هذا الكيس الذي نتعلم منه.. بل ما هو المقصود من هذه العبارة؟ هل ان يتعلم الانسان من التجربة؟ الحياة ملأى بالتجارب، فهل هذه التجارب هي الكيس المقصود؟
لا يتعلم المرء من كيس غيره، بهذا التوصيف الشعبي، ان لكل انسان كيس يتعلم منه، أي، على طريقة الذي يجيد ألعاب السحر، يدخل يده في الكيس ويخرج بيضة، ثم يضغط على البيضة فتتحول حمامة بيضاء، يدخلها الى جيبه ثم يسحبها فإذا به يسحب منديلا ملونا، يشده باستمرار ولا ينتهي.
هل الحياة هذا الساحر، الذي يدهشنا بألاعيبه ونحن لا نعرف صدقه من كذبه، وهو بكل ما في الأمر من شطارة وخفة، وأحيانا تأثير نفسي على الحضور؟
أذكر، في مدينة لندن، دخلنا الى مسرح من ضمن برامجه ذاك الساحر، الذي فتح أمامنا صندوقا وأرانا اياه انه صندوق فارغ من كل جوانبه، ثم اغلقه وفتحه من جديد، فإذا داخل الصندوق جواهر من مختلف الانواع.. صار يخرجها قطعة قطعة ونحن مبهورين.. واحدى السيدات نادت عليه ان يرمي لها شيئا من محتويات هذا الصندوق.. وبالفعل تناول الساحر عقدا كان يتوهج بين يديه. ثم رماه نحو السيدة، ولكنا شاهدنا العقد يندفع من يد الساحر نحو المرأة التي طلبت ان يرمي لها شيئا، تلقت المرأة العقد، وفي ظنها انه اصبح بين راحتيها ثم اكتشفت انها لم تقبض الا على فراغ.. وان ما رماه نحوها الساحر لم يكن الا قبضة هواء ليس إلا.. انما هي براعة وخفة تجعل الناس يصدقون ان جيوب الساحر ملأى بالحمام، وان صندوقه يمتلئ بكنز علي بابا والاربعين حرامي.. معظم الناس يدخلون هذا المسرح من باب التسلية لا أكثر، وهم يعرفون ضمنا ان هذا الرجل يلعب بعقولهم ويضحك عليهم.
أذكر، ان صحيفة ‘ذي صن’ البريطانية، قد أجرت تحقيقا مع واحد من هؤلاء السحرة، عندما سأله المحرر متهكما.. أين تذهب بهذه الكنوز؟ ألم تصبح ثريا بعد؟ فأجابه الساحر: لو كان كل ما تراه من عدة العمل معي حقيقة. فما أنا بحاجة لساعة من الزمن، أتقاضى عليها أبسط تقدير مئتي جنيه استرليني. ولاحتفظت بهذه الكنوز لنفسي وعشت حياتي سعيدا، القصة كلها ضحك بضحك. وقال الساحر بما يشبه تلك العبارة الشعبية: إن الانسان يتعلم من كيسه.. وهذا التعلم يجعل الانسان في حصانة من تعديات الدهر وما اكثرها.. مثلا اذا احتال عليك محتال واخذ منك عشرة آلاف ليرة، ثم اختفى وغاب ولم تعد ترى وجهه فهذا الكيس، يحذرك من ان لا تقع بهذا المطب مرة ثانية، واذا أردنا ان نتضاحك، فيغازل احدنا سيدة مادحا اسنانها البيض التي يصفها بانها اجمل من اللؤلؤ.. ثم يكتشف ان هذه الاسنان إما ‘وجبة’ اي طقم اسنان او زرعها طبيب اسنان ماهر في فم هذه السيدة، وان هذه الاسنان الاصطناعية ليست اسنانها بالمطلق.. ولا حاجة للتغزل بأسنان ‘اللؤلؤ’ وهي اغنية قديمة، على ما اذكر غنتها العجوز المتصابية صباح.
واذا كان الشيء بالشيء يذكر، كنا مدعوين الى العشاء على مائدة رئيس وزراء لبنان الأسبق الشهيد رشيد كرامي وكانت صباح بين الحضور في شبابها تكاد ترقص وهي جالسة على مقعدها.. وكان الشاعر الراحل خازن عبود يقف بعيدا مع منافسة صباح الشهيرة ‘نور الهدى’ التي اسمها الحقيقي ‘الكسندرا بدران’ كانت كلتا المطربتين تتجاهل الاخرى.. ناداني خازن للسلام على نور الهدى، لانه كان يعرف انني احب اغنيتها ‘يا اتونوبيل’ يعني السيارة، وقال لها صديقي معجب بهذه الاغنية، فقالت لنا: هذه طقطوقة.. ولكن ياليتك تستمع لي اغني اغنية محمد عبد الوهاب ‘يا جارة الوادي’.
وصادف بعد ذلك ان استمعت الى هذه الاغنية بصوت نور الهدى، فوجدتها اجمل بكثير من اداء محمد عبد الوهاب المتصنع.. غناها عبد الوهاب، وغنتها نور الهدى، وغناها مطربون آخرون فلم اجد أجمل من اداء نور الهدى. الأغنية مدتها الزمنية عشر دقائق، لكن عندما غنتها نور الهدى، غنتها بثلثي الساعة تعيد المقاطع كل مرة على ايقاع مختلف، وكان يشاركها في الموسيقى عازف الكمان الشهير عبود عبد العال، لا اعرف الآن ان كان هذا الفنان الرائع ما يزال حيا.
القصيدة من تأليف شاعر مصر أحمد شوقي، ويقال انه كتبها مديحا بزحلة عروس البقاع اللبناني، ولكن من يستمع اليها يعتقد ان القصيدة غزلية وخصوصا المقطع الاخير منها وهو مقطع مدح يدل على عظمة الشعر والشاعر:
‘لا أمس من عمر الزمان ولا غد
جُمع الزمان فكان يوم لقاك’
ان يجتمع الزمان كله في لحظة، أن تُكثّف سنوات وسنوات في كلمة.. فهذا من روعة الشعر، حيث المعنى في كلمة، يعبر عنه كتاب بمئتي صفحة.
يتعلم الانسان من كيسه.. ما أجمل ان نُنعِم النظر كثيرا بهذا الكيس، ففيه عجايب وغرايب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية