الليبرالية في يد العرب معظمها مخزٍ

حجم الخط
1

الليبرالية بدايةً، ليست في حقيقتها تلك التي تَشكل مفهومها وصورتها عند عامة العرب، فهم عادة يتداولون المصطلحات المشابهة (المشتقة عن اللاتينية أو الانجليزية) ‘صوتياً’ ودون فهم موضوعي، كما أنها لا تتمثل بالضرورة في الصورة التي يحاول أن يعكسها كثير ممن يسمون أنفسهم ‘ليبراليين عربا’. بل هي في بادئ الأمر فكرة إنسانية شمولية تنطلق من حماية الفرد وضمان استقلاله من خلال تعزيز حريته الفردية، وتنتهي غالبا عند مواجهة السلطتين الدينية والدنيوية كمحور او ضرورة لتحقيق المنطلق آنف الذكر. تلك فكرة تبدو في ظاهرها الجلي خلابة ونموذجية ويبدو أنها لا تتعارض مع الأديان التي تأسست في بادئها على مبدأ نصرة المظلوم على الظالم والحق على الباطل والكرامة على الاستبداد والتحرر من عبودية البشر للبشر، ثم بفرض اتفاقنا ان الأديان (اليهودية والمسيحية والإسلام تحديدا) لم يكن من أهدافها الأساسية صنع وصاية واي استحكام سلطوي كهنوتي من أي نوع ولا إنشاء ثيوقراطية من نوع الدولة الدينية بوصاية إلهية.
ويكاد المرء يجزم أن المواجهة تلك مع السلطتين والتي تفرضها فلسفة الليبرالية القائمة على الحرية والاختيار، شكلت عامل جذب لدى العرب الراغبين في التمرد والتحرر من قمعٍ شعروا أن أمتهم رزحت تحت سوطه قرونا، ما دفعهم لحمل لواء المصطلح وفسلفاته، فتشكلوا أفواجاً وجماعات ‘ليبرالية’ ذات مبادئ وأهداف سامية في حين، وفي حين آخر قطعانا تتصرف ‘ليبراليا’ بفردانية وتبحث عن مسمىً يبرر تمردها السلوكي والقيمي على السائد. ويمثل الصنف الأخير، هؤلاء ‘المكبوتون’ الذين استشعروا أن التيارات الدينية التقليدية لن تتساهل مع رغباتهم السطحية في التكاسل مثلا عن الصلاة والصوم والفروض التعبدية أو إشباع رغباتهم المادية. لكن لو افترضنا أن ‘المكبوتين’ قلة في تيار الليبراليين، إلا أن هناك معضلة أخرى.
إن المعضلة الأخطر تتمثل في ظاهرة أسميها ‘التصاق العباءة بالجسد’، أي أن العرب عموماً، عند تطبيق أي نموذج غربي خلاب، وعلى الرغم من حاجتهم للشعور بأنهم أصبحوا مختلفين عن ذي قبل، إلا أنهم يُلبسون أجسادهم التي أثقلها موروثهم شديد التعقيد والإخضاع والمازوشية، عباءةً من المسميات الرنانة المعاصرة، سرعان ما تلتصق بالجسد، فتصبح طِبقاً يشف عن تفاصيله الأصل وكأنها لم تُلبس. حينها لا مناص من أن يقال: إن الجبل تمخض فولد فأراً. فذلك الليبرالي المزعوم، لا يختلف عما جُبل العربي المتأدلج على ممارسته، فهو يظهر غير ما يبطن، وهو إقصائي متطرف في مواجهته للآخر ومصادرة حقه في الحرية بالقدر نفسه الذي يوجد عند ذلك الإسلامي المتشدد أو المتحمس للسلطتــــين الدينية والسياسية بمنظورهما البيروقــــراطيين المركزيين. هو يرفض النقد، وينبذ المعارضين، ويحارب الآخر بالبذاءة والقسوة نفسها، ويدعو لمصادرة الآراء المخالفة، وإسكات الأفواه وتكميمها، وقمع أصحابها، ويود لو أنه ينفذ مبـــدأ الوصاية و’رعي القطعان’ نفسه الذي يقتات عليه ذلك الواعظ الدينــــي صاحب المريدين والأتباع.
كما أنه ينادي بالحرية والديمــــقراطية، فإن أفــــرزت صناديق الاقتراع إسلاميا متشدداً رفض الإقرار بالنتــــيجة وســــعى لاعتبار أن الشعوب لا تعرف مصالحها، وسرعان ما تحدث عن ‘مؤامرة’. حدث ذلك في الجزائر في الثمانينــــيات ثم في تركــــيا قبل سيطرة حزب الــحـرية والعدالة (التيار الإخواني العلماني الوحيد في المنطقة)، ثم في تونس ومصر في حكومات ما بعد الثورات.
قد يتبادر لذهن البعض أن هناك ما يــــبرر ذلك الارتبـــاك، فالعنف يولد مقابله العنف، والتطرف يشكل تيارا مواجها له يماثله في التطرف. ومن المبرر والمنطقي أن المتطــــــرف الذي يطالب بقتلك لأنك لا تشبهه، سيقودك للانقضاض عليه حمــــاية لنفسك في المقابل، إن لم يكن ذلك دافعاً لك للكفر بدينه ككل، وهو المدخل الليبرالي العربي للإلحاد. لكن الليبرالية بالذات وحتى تبقى على جوهرها القائم على احترام الحرية والاستقلالية، لا يمكن أن تنسلخ من مبادئها الأساس ثم لا تفقد مثاليتها التي تجعل منها مبدأ يوتوبياً فاضلاً.
المشكلة الحقيقية في كل ما يشوه صورة الليبرالية العربية في نظري هي أن غالبية معتنقيها من العرب يبقون في دائرة العُرف المحيط، ولأن العرف العربي هرمي الشكل، ويعتمد على الوصاية، يبحث عن السيادة من خلال الإقصاء، ويجد المصلحة في الولاءات المتقاطعة، لذا نجد الليبرالي العربي لا يختلف سلوكياً، بل يكاد يتطابق، مع المتطرف أو المتدين أو الإسلاموي الذي يحاربه غالبا، عدا أن الاثنين مصالحهما متعارضة!

‘ كاتب واعلامي اماراتي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية