سمير جعجع رمزا لوحدة اللبنانيين: استحقاق الاثارة

حجم الخط
2

من الصعوبة بمكان تخيّل السيناريو الذي يمكنه أن يفضي الى وصول العماد ميشال عون أو الدكتور سمير جعجع الى سدّة الرئاسة. مع ذلك، فهذه المرة الأولى منذ نهاية الثمانينيات الذي يبرز فيه عون وجعجع وجهاً لوجه كخيارين رئاسيين في مركز الضوء، علماً أنّ الاستقطاب السياسي والشعبي بين المسيحيين منذ نهاية الثمانينيات الى اليوم ظلّ يدور حول هذه الثنائية : عون وجعجع.

‘الإستحقاق الرئاسي هو أيضاً مناسبة للاحتفال باليوبيل الفضي لهذه الثنائية، التي تأمّنت عناصرها بوصول عون الى قيادة الجيش في حزيران/يونيو 1984، بعد اشهر قليلة على انتفاضة 6 شباط/فبراير’وانقسام الجيش طائفياً آنذاك، وبانقلاب جعجع على قيادة الياس حبيقة للقوات اللبنانية في كانون الثاني/يناير 1986، الا انّ هذه الثنائية لم تدشّن بشكل استقطابي فعليّ الا بعد مغادرة الرئيس أمين الجميل لقصر بعبدا، وترؤس قائد الجيش لحكومة عسكرية انتقالية، لتسير العلاقة مع ‘الحكيم’ يومها بشكل سريع من الاصطدام الناريّ الأوليّ به، الى اشراكه في ‘حرب التحرير’ ضد الجيش السوري الى التناحر الدموي بين ‘الجيش’ و’القوات’ في حرب الالغاء التي وقعت بعيد اتفاق الطائف وقصمت ظهر ‘المنحسر المسيحي’ معبّدة الطريق للحسم السوري للحرب اللبنانية بعد ذلك.’

رغم كل ما حدث يومها وعلى امتداد الربع قرن، ظلّت ثنائية عون وجعجع صامدة في الشارع المسيحي الى حد كبير، مع غلبة واضحة ومزمنة لعون على امتداد سني الوصاية السورية ثم مباشرة بعدها، الى ان صارت النسب أعقد بعد ذلك، خصوصاً مع تحالف عون مع أنصار النظام السوري ثم مع ‘حزب الله’.’

لم يسلك عون وجعجع في هذا الربع قرن الطريق نفسه لتثبيت ثنائية هذا الاستقطاب المزمن. تجربتان مختلفتان كلياً بعد انتهاء الحرب: الاقامة الجبرية في السفارة الفرنسية ثم المنفى الباريسي لعون، مع مكابرة على وقائع هزيمته العسكرية، واصراره في السنوات الاولى على تقديم نفسه بوصفه رئيس الحكومة الشرعية. وفي المقابل تجربة تكاد تكون منسية خاضعها جعجع بين انتهاء الحرب من جهة، ودخوله السجن في اثر اتهامه بتفجير كنيسة سيدة النجاة عام 1994.’

نقول تجربة منسية بمعنى أنه يتم في العادة تسليط الضوء على جعجع الحرب وجعجع السجن وجعجع ثورة الأرز بعد اطلاق سراحه، في مقابل اختصار أو طمس الصفحة المفصلية بامتياز لزعيم الميليشيا المسيحية اللبنانية الرئيسية التي كانت بعد دخول القوات السورية الى منطقة المتنين يوم عملية 13 تشرين الثاني/اكتوبر 1990، تحتفظ بالمناطق الوحيدة التي لم يفرض عليها الجيش السوري سيطرته، وقد بقيت مناطق سيطرة القوات اللبنانية بعد انخراطها في عملية حل الميليشيات ثم بعد صدور القرار السوري بقمعها وحظرها كحركة سياسية واعتقال قائدها هي المناطق الوحيدة التي يبسط الجيش السوري عليها سيطرته (اذا ما وضعنا ‘ الشريط الحدودي التي كانت تحتله اسرائيل في الجنوب على حدة).’

دلّت هذه التجربة ‘المنسية’ على أمرين أساسيين: ان هناك فريقاً من المسيحيين انخرط في عقد اتفاق الطائف، بالضد من الأكثرية الشعبية المسيحية الرافضة بوضوح لهذا الاتفاق والتي عبّر عنها بشكل أساسي ميشال عون، لكن أيضاً في مواجهة كل من عملية ابتلاع نظام حافظ الاسد لاتفاق الطائف، وفي مناكفة مع القراءة الاسلامية الداخلية لاتفاق الطائف ايضاً. بالتوازي، حلّت القوات اللبنانية تشكيلاتها العسكرية وسلّمت سلاحها أو باعته، وسحبت النعرة الدينية شبه الأصولية من خطابها، لكنها أيضاً سمحت بهذا في مقابل استمرار تسلّح ‘حزب الله’ الأعمق ارتباطاً بالنمط الأصوليّ عقيدة وتعبئة. سحبت ‘المقاومة اللبنانية’ من التداول، على ما كانت تسمى القوات وقتذاك، في مقابل اعتماد ‘حزب الله’ لصبغة ‘المقاومة الاسلامية’ عوضاً عن ‘الثورة الاسلامية’ و’الجمهورية الاسلامية’ التي كان يرفعها كشعار في البدايات.’

الأمر الثاني أنّ جعجع آنذاك لم يستطع تجاوز مشكلة أقلويته في الشارع المسيحي قياساً بعون، كما مشكلة التعامل معه بشكل مختلف عن امراء الحرب الآخرين، وهذا لم يبدأ مع اعتقاله عام 1994 وانما بعيد سقوط عون مباشرة، اذ لم يكن للوصاية السورية أي وهم من أنّ جعجع ليس ايلي حبيقة.’

أزمة الشعبية، وما يرتبط بها من وجود اتجاه ثقافي واجتماعي وسياسي، اسلامي بالدرجة الاولى ومسيحي ايضاً، لمعاملة جعجع على انه مختلف عن امراء الحرب الآخرين واكثر ايغالاً في العنف منهم، انضافت اليها مشكلة عدم تمكّن ‘القوات اللبنانية’ من نظم علاقة سوية مع ‘حزب الكتائب’ انذاك، في ظل رئاسة جورج سعادة له، علماً ان ثنائي ‘الكتائب – القوات’ انخرط بشكل مشترك في اتفاق الطائف، وأسس لمعارضة مبكرة ضمن الجمهورية الثانية، لكن جعجع اختار بالنتيجة الترشح لرئاسة ‘حزب الكتائب’ عام 1992، وأدى فشله في انتزاعها يومذاك، الى ‘حرب استنزاق قواتية’ دفعت بالكتائب قدماً باتجاه الوصاية السورية، ولاحقاً باتجاه استرداد آل الجميّل لهذا الحزب. من هذه الناحية، أظهر جعجع اخفاقاً ذريعاً في العمل ‘الجبهوي’، وكان لهذا الاخفاق دور ما في تسهيل عزله في السنتين التاليتين ثم اعتقاله.’

أمام القضاة سيقول جعجع عام 1995 أنه كان يفترض به أن يكون بين المرشحين لتولي المنصب الاول في الدولة اللبنانية انذاك بدلاً من غياهب سجون وزارة الدفاع. لكن جعجع لم يكن يوماً ‘مرشحاً دائماً للرئاسة’. على العكس، بدا مسلّماً في الغالب بأنه ‘أكثر راديكالية’ في ماضيه وفي حاضره على حد سواء من أن يكون رئيساً ينيط به الدستور النهوض بصفة ‘رمز وحدة اللبنانيين’. سمير جعجع رمزاً لوحدة اللبنانيين؟ هذه صعبة. لكن ‘هل كان اميل لحود رمزاً لوحدتهم؟

سمير جعجع تغيّر. ليس اليوم. بل في تلك الفترة المنسية 1990 – 1994 ايضاً تغيّر، وانتهى التغيّر في اتجاه تصالحي داخلي واستقلالي عن سوريا الى اعتقاله وحظر القوات. في الوقت نفسه، ما زال التحدي أمام الشخص هو كيف يتفادى محاولات الأخصام، والأصدقاء، لعزله أو تهميشه، وقد يدخل الترشح للرئاسة كتكتيك في هذا الاطار. أما الشعبية فسمير جعجع اليوم اكثر شعبية منه في الامس وقبل الأمس، وشعبيته تفيض عن الدائرة المسيحية الى فئات اسلامية غير قليلة، ولم يكن ترشحه يحمل على ‘النقزة’ لدى فئات اخرى، بقدر ما انه جاء مثيراً.’

بعد عشرين عاما على دخوله السجن يطرح سمير جعجع نفسه كمرشح رئاسي قوي. سيناريو وصوله صعب لكن سيناريو تجاوزه صعب أيضاً. انما في كل الحالات نحن امام ربع قرن من ثنائية ‘عون جعجع  الموشكة على الانتهاء.’

‘ كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية