بدأت كتابة هذه السطور أثناء جولة مفاوضات العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوربي؛ كاترين أشتون، على أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي، وزيارتها لكل من وزير الخارجية نبيل فهمي ورئيس الجمهورية عدلي منصور، ويبدو أن التدخل استقر وكأنه من طقوس المسؤولين المصريين، ومن تقاليد القادة العرب وعاداتهم؛ يغيب فيه مبدأ المعاملة بالمثل المتبع في العلاقات الدولية، وقد يكون من المقبول تدخل الاتحاد الإفريقي بسبب الخلاف حول تفسير ‘إعلان لومي’؛ المتعلق بوضع دولة من الاتحاد، إذا حدثت فيها تغييرات غير دستورية، بجانب تعنت جنوب إفريقيا، التي ترى مصلحتها في تغييب مصر؛ الدولة المؤسسة للمنظمة الإفريقية منذ أكثر من خمسين عاما، وسبب هذا القبول واضح ومبرر؛ فمصر عضو في الاتحاد الإفريقي وليست عضوا في الوحدة الأوروبية، فضلا عن أنها دولة عربية وإفريقية، واعتادت القارة على بحث وعلاج أي مشكلة تطرأ مع بلد من بلدانها؛ تنفيذا لنظم معمول بها في هذه المنظمة القارية، وألزمت بها نفسها على قواعد المصالح المشتركة والفهم المتبادل.
والاتحاد الأوروبي ليس له حق التدخل في غياب حق مصري أو عربي مقابل يسمح بالتدخل إذا ما واجه الشأن الداخلي الأوروبي أزمة أو مشكلة، والتدخل من طرف واحد يعتبر في حقيقته إذعانا من الطرف القابل به، لكنه الاستجداء والاعتماد على المعونات هو الذي جعل يد مصر مغلولة، ويبدو أن التدخل يمهد للتدويل، أو بمعنى آخر خطوة كبرى لمزيد من تفجير الأوضاع الداخلية، وعلى مصر ألا تقبل بهذا؟
وتدخلات الغرب في شؤون مصر والعرب لها تاريخ منذ ما قبل القرن التاسع عشر، وكان أوضح ما يكون حين وقف أمام طموح محمد علي، وحين زحف الاستيطان الفرنسي على الجزائر، واستقر وتم الاعتياد عليه، وكثيرا ما يستدعى للتعامل مع الخلافات البينية، واللجوء إلى ما هو أكثر من هذا، واستدعاء الغزو العسكري، وتم حديثا في العراق وليبيا، وكان على وشك البدء في سوريا.
وتطور التدخل ليتخذ من ‘عسكرة’ الخلافات الداخلية والمحلية وسيلة للتدمير الذاتي عن طريق تخليق أو دعم مليشيات قبلية وطائفية وانفصالية؛ تنوب عن الغزاة في عقاب الأشقاء المختلفين؛ توفيرا لجهد الجيوش الغازية وحماية لأرواح جنودها ومقاتليها وتوفيرا لأموالها!!
وبدلا من الإقرار والتعود على التدخل الخارجي يجب تزكية عوامل القوة الذاتية وتعظيمها، والبحث في ترتيب وإصلاح البيت المصري والعربي، لحقن الدماء وفتح الأبواب أمام نبذ العنف ووقف الاقتتال. وذلك يتم بفهم توجهات وتحركات القوى والأطراف ذات العلاقة بما يجري على الأرض، وأهم عناصره هو المكون الثوري، ودور القوى الوطنية والسياسية بتنوعها وتعددها، والغريب أن الحكومات الانتقالية، التي تبادلت الأدوار في سنوات الثورة، بما فيها سنة حكم الإخوان المسلمين، ساوت بين القوى والجماعات وتعاملت معها ككتلة صماء ووضعتها في سلة واحدة، مع كل ما فيها من تناقض وتضاد، وشد وجذب.
وترتيب البيت الداخلي في حاجة إلى تقوية وتحصين البنى البشرية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية، والتخلي عن قيم التخلف وثقافة العجز، التي عودت العرب على الإذعان والقبول بالتدخل والرضوخ للوصاية، وتنمية الوعي بالحفاظ على المكاسب، التي تتحقق؛ حتى لو كانت جزئية وغير ظاهرة للعيان بدرجة كافية، والتصدي لمن يهدرها، فنضع القدم على بداية طريق التخلص من الأوضاع المختلة؛ داخليا وإقليميا ودوليا، وإذا كان ترتيب البيت يعتمد على الدولة، فتصبح الدولة المأمولة؛ دولة قانون وعدل ومساواة؛ تحتاج الإصرار واليقظة، خاصة في مراحل الانتقال غير المستقرة، التي اختلطت فيها الأوراق، فتاهت الثورة في دهاليز السياسة، وتشتت الثوار بمراوغات ومناورات الفلول ومؤامرات الطابور الخامس.
وهناك حاجة إلى إعادة النظر في تقدير طبيعة الحراك والصراع الدائر ووزن قواه وعناصره، ورسم خريطة مبسطة للأطراف الفاعلة فيه؛ إيجابا وسلبا.
ونبدأ بالثورة والثوار، وهم معروفون في مواطنهم ومنتشرون في كافة الأنحاء، ولهم جمهورهم وأنصارهم، وسوادهم الأعظم من الشباب، ولهم ظهير من أجيال مخضرمة؛ قاومت سنوات الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار، وبذلت قصارى ما تستطيع من جهد ومال وصحة؛ على مدى أربعين عاما، وقيام الثورة رد لها اعتبارها، وجدد لها ثقتها في الوطن، وعزز جدوى رهانها عليه طول الوقت، رغم مظاهر الإحباط وانتشار الفساد، والسخرية والإهانات المستمرة.
وهنا أتذكر ما قاله المجاهد الوطني الكبير الراحل فتحي رضوان، في مشفاه اللندني، وقد كنت ثالث ثلاثة؛ الأخوان والزميلان بكر عويضة وعبد الباري عطوان ذهبنا لزيارته، وكان رحمه الله قعيدا وفي أيامه الأخيرة، ودخلنا عليه وجدناه ينتظرنا على مقعده المتحرك؛ وكان أقل ما يمكن أن نقدمه هو العرفان بجميله والوفاء لدوره التاريخي، والتقدير لصلابته وعزمه الذي لم يكن يلين، وانعكاسات ذلك على أجيال عدة، منها جيلي، كان أقل ما أقوم به هو الانحناء على يديه أقبلها.
وحملت كلماتنا إليه أبلغ مشاعر الحب والتقدير لتضحياته ومقاومته الباسلة، التي خاضها وشارك فيها؛ بكل السبل بما فيها المقاومة المسلحة ضد الاحتلال البريطاني، ونصرة الحق الفلسطيني، وحث المواطنين على التطوع في صفوف الفدائيين، وصار مثلا وقدوة تحتذى في تلك المرحلة من التاريخ المصري والعربي. ودمعت عينا الرجل، واستدار إلى إبنته، وكانت تقف خلفه قائلا بصعوبة بالغة: ‘مش قلت لك ما في شيء يذهب هباء’، وفعلا مهما جاوز الظالمون المدى وتجبر الغزاة والطغاة، وبعدت الشُّقة تأتي لحظة النصر، مثل ضوء النهار الساطع بعد ظلام الليل البهيم، وها أعيدها على مسامع اليائسين والمحبطين ‘ما في شيء يذهب هباء’.
وأول معلم نرصده على خريطتنا المبسطة هم الثوار، وأغلبهم على وعي رفيع، إلا أن حراكهم لم يخل من نقاط ضعف.. تحتاج التوقف أمامها، منها افتعال خصومات مع الأجيال الأكبر، التي تعترف وتقدر دورهم فيما حدث من إعجاز في 25 كانون الثاني/يناير 2011، ثم في 30 حزيران/يونيو 2013، وبينهم من لا يرى المشهد بهذا الاتساع والمساحة الممتدة في بلد بضخامة مصر، وبين شعب، سيصل تعداده إلى مئة مليون نسمة خلال السنوات الثلاث القادمة.
بجانب نقطة ضعف أخرى تتعلق بالطبيعة الخاصة للثورة المصرية، وحصر إنجازاتها في المطالب الجزئية، حتى صارت أقرب إلى العمل الإصلاحي والنقابي، وانتهى ذلك بتسليم قيادها للقوى القديمة، وتستمر على هذا النهج حتى إشعارا آخر، ومعنى هذا أن طريق الثورة ما زال في أوله، ويحتاج جهدا ووقتا وصبرا وعرقا، والعمل على التغلب على معضلة ضعف القدرة على بلورة عقد اجتماعي جديد؛ يستجيب لطبيعة هذه الثورة الجامعة، وعجزها عن استخلاص برنامج وطني يستجيب لتطلعات الشعب ويلبي مطالب أصحاب المصلحة في الثورة، بالإضافة إلى عدم التمكن من بناء جبهة وطنية عريضة؛ تحشد الشعب خلف أهدافها.
وقد حاولت بجهد متواضع فتح طريق أمام هذا الفهم، وكتبت ورقة نُشرت على موقع صحيفة ‘اليوم السابع’ القاهرية في 7 آذار/مارس الماضي، وعنوانها ‘مدخل إلى عقد اجتماعى جديد وبرنامج وطنd جامع’، لتكون أمام الباحثين والكتاب والنشطاء لإثراء الفكرة وتطويرها.
ومن نقاط الضعف كان الرهان على آليات وأساليب غير مناسبة، في ظل حالة فوران وحراك استثنائي؛ تستوجب تحركا سريعا وأكثر انطلاقا ومرونة مع مجتمع سقطت فيه قواعد الحكم القديمة وانهارت جدران النظام المتصدعة، ولم يبق إلا أطلال؛ يتصور البعض إمكانية ترميمها وإعادة البناء عليها، وهذا يستلزم فكرا جديدا وإرادة صلبة تخرج بالبنيان المأمول إلى النور.
ومن يتفحص المشهد يجد أن العديد من الثوار شغلتهم الصفقات والأنصبة والحصص، تركوا الثورة لرب يحميها!. وتحت رحمة القوى القديمة، التي من المتوقع أن تصل إلى ما تريد، حتى لو وصل إلى منصب الرئيس الأكثر وطنية والأشد إخلاصا، وعلى الثورة أن تقطع شوطا طويلا وموجات متعاقبة إلى أن تمسك بزمام الأمور، ودون ذلك لن تستقر البلاد ولن تهدأ!
ونقطة الضعف الأخيرة تسحب من حساب الثورة وتخصم من رصيدها؛ وهي عداء جماعات بداخلها ضد من تسميهم ‘العسكر’، وكأنهم مخلوقات غريبة تهبط على مصر من كوكب آخر، أو كأنهم وافدون أو ‘مستشرقون’، وهم كمن يحرم المزارع والفلاح من حقه الإنساني والسياسي والأخلاقي، لأنه ارتدى يوما لباسا ريفيا، أو امتهن يوما مهنة الزراعة، ونفس الشيء يسري على العامل بدلته الزرقاء، أو الطبيب بردائه الأبيض، أو المهندس بزيه في المصنع أو الورشة، أو رجل الدين بملبسه الأزهري أو بردائه الكنسي، أو الفدائي بزيه المرقط، لأنه مارس عملا كان فخرا تحول مع الزمن التعيس إلى عقدة عند البعض.
من منا سمع ممن يهتفون ضد الجيش رفضهم للجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور القائد الأعلى لقوات الحلفاء على جبهة أوروبا في الحرب العالمية الثانية، هل هناك منهم من احتج حين تقدم للرئاسة الأمريكية، أو تحفظ على حكمه؟، ومن هو الذي اعترض على الجنرال شارل ديغول القائد الفرنسي. وهو يدخل باريس منتصرا بعد دحر الاحتلال النازي، ليتحول إلى زعيم تاريخي.
والأمثلة كثيرة لا تحصى؟ أما على مستوى شيوخ المذاهب وأمراء الطوائف.. هل فيهم من اعترض على ضياء الحق في الباكستان، أو تحفظ على عمر البشير في السودان، وهو يحكم منذ 1989 باسم القوات المسلحة وبلباسه العسكري؟
لا يقلقني من يحكم إذا دخل العمل الوطني من بابه الصحيح، وأتى وذهب بإرادة الشعب والتزم بمصالحه وحقق تطلعاته، وكان ديمقراطيا منحازا للفقراء ومتوسطي الحال، ومعتمدا على الطبقة الوسطى بما تملك من خبرات ومستوى علمي ومهني وأكاديمي متنوع، وفوق كل هذا يكون قادرا على مواجهة اللصوص والسماسرة وسارقي الأراضي والمنشآت العامة والخاصة.
وماذا عن العناصر الأخرى من السياسيين الوطنيين؟، وماذا عن جحافل الثورة المضادة، والفلول والمحافظين (الجدد والقدامى)، والطائفيين والانفصاليين والطابور الخامس والفوضويين المشاركين في مخطط ‘الفوضى الخلاقة’ على طريق كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية السابقة؟
وطيرت الأنباء وأنا استعد لإرسال المقال إلى مقابلة أشتون لعمرو موسى، ويبدو أنه رهان غربي لاحتواء المرحلة القادمة، في ظروف ما زالت الإدارة الأمريكية مصرة على عدم وصول السيسي إلى منصب الرئيس لتؤكد أن الإرادة الأمريكية وليست الوطنية هي التي تحدد من يصل إلى منصب الرئيس في القاهرة، هل هناك أعقد من هذا الوضع في أي مكان في العالم، وإلى حديث آخر.
‘ كاتب من مصر يقيم في لندن