هل نستطيع التحكّم في مضمون وسائل الإعلام الالكترونيّة؟

حجم الخط
0

شهد قطاع الإعلام منذ سنوات تحوّلات كبرى سبقتها ثورة تكنولوجيّة غيّرت كليّا نظام العمل بهذا القطاع. فإن كنّا نتحدث سابقا عن التلفزيون أو الإذاعة أو الصحيفة الورقيّة، فإنّنا نتحدّث اليوم عن قناة تلفزيّة أو قناة إذاعيّة عبر ‘الواب’ وعن جريدة إلكترونيّة. إنّه نظام إعلاميّ حديث مرتبط بالتطوّر التكنولوجيّ في عصر المعلومات.
لم نعد في حاجة اليوم إلى الذهاب إلى بائع الجرائد لإقتناء صحيفة يومية أو أسبوعية أو مجلة شهريّة. كما لن نعد في حاجة إلى إنتظار نشرة الأخبار الرسميّة للقناة التلفزيّة أو الإذاعيّة. اليوم، يكفي أن تمتلك جهازا إلكترونيّا ( هاتف بنظام اندرويد أو أيفون أو حاسوبا أو تابليت…) حتّى تجد نفسك أمام زخم هائل من المعلومات وماعليك إلا أن تختار موقعا إلكترونيّا ما للتعرّف إلى آخر الأخبار.
سابقا، كنا نملّ الإعلام الرسمي ونحاول الهروب إلى الإعلام الأجنبي. وحين هبّت نسمات الحريّة على بعض البلدان العربيّة كتونس ومصر مثلا إثر حلول الربيع العربي، طالبنا بحريّة الرأي والتعبير والتعدديّة الفكريّة. فارتفع عدد القنوات الإذاعيّة والتلفزيّة الخاصّة وعدد الجرائد والمجلاّت، إلى أن وجد المشاهد أو القارئ العربيّ نفسه حائرا حين يقف أمام بائع الجرائد أو حين يمسك بآلة التحكمّ للتلفزة.
لكنّ ظهور هذه الصحف أو الإذاعات أو التلفزات لم يقف عند حدود الواقع الملموس بل تجاوزه. وسعت أغلب الوسائل الإعلاميّة إلى تأكيد حضورها بالعالم الإفتراضي عبر قنوات عديدة للتواصل، إذ نجد لأغلب هذه الوسائل مواقع على الانترنت كجريدة المغرب وجريدة الصباح وإذاعة موزاييك وقناة التونسيّة.
حضور الوسائل الإعلاميّة التونسيّة بالعالم الافتراضي
يتجاوز عدد الوسائل الإعلاميّة التونسية الموجودة بالعالم الافتراضي عدد الوسائل الإعلاميّة التونسيّة الموجودة بالواقع، بعد أن أصبح للجريدة الورقيّة نسخة إلكترونيّة وللقناة الإذاعية أو القناة التلفزية موقعا إلكترونيّا. وهو ما يسمى بإندماج وسائل الإعلام والاتّصال الذي يعتبر ظاهرة جديدة بتونس رغم وجودها منذ سنة 2004 بدول متقدمة في مجال الإعلام والاتصال ككندا. ويتمّ تعريف الاندماج على أساس أنّه عملية التشارك بين وسيلتين لتحقيق هدف واحد. وهو ناتج عن العولمة وظهور ‘العالم القرية’ كما عرفه ماكلوهان حيث ساهمت الوسائل التكنولوجية الحديثة في خلق مسالك جديدة للتواصل بين الأفراد بمختلف دول العالم.
فإن كانت النسخة الورقيّة هي إنتقاء لأحسن المقالات الموجودة بالجريدة الإلكترونيّة فإنّ الموقع الإلكترونيّ لقناة ما أو إذاعة ما قد أسس حتّى يعطي للمشاهد أو المستمع فرصة ثانية لمتابعة ما تقدّمه التلفزة أو الإذاعة من برامج، إذ لم تعد مطالبا بأن تستيقظ في الصباح الباكر لإقتناء جريدتك المفضلة قبل أن ينتهي عدد النسخ الموجودة، أو أن تستغني عن القيام بعمل ما لمتابعة برنامجك المفضّل. فبفضل سياسة إندماج وسائل الإعلام والاتّصال، بإمكانك الحصول على المعلومة متى وأين أردت ذلك بفضل وجود المقالات والتسجيلات بالصوت والصورة. يكفي أن تملك جهازا إلكترونياّ وأن تجيد إستعمال الإنترنت.
ثمّ إنّه لتأكيد حضورك بسوق الإعلام، يجب أن تحدّد استراتيجيّة اتصاليّة واضحة. ولأنّ الفيسبوك كموقع اجتماعيّ وكوسيلة اتّصال هو الموقع الذي يشهد دخول أكبر عدد من مستعملي الانترنت بتونس، فقد سعت أغلب الوسائل الإعلاميّة بتونس إلى تأسيس صفحة على الفيسبوك لنشر مقالاتها أو مقاطع الفيديو لبرامجها. والهدف من ذلك هو الترويج لمقالاتها أو برامجها. فما إن يجد مستعمل الإنترنت رابطا لمقال أو فيديو على الحائط بالفيسبوك ويجذب انتباهه العنوان، حتّى يضغط على الرابط ليكتشف تفاصيل الخبر. وإن كانت بعض الوسائل الإعلاميّة الغربيّة قد جعلت بعض الأخبار متاحة للمطالعة المجانيّة، فإنّ مستعمل الانترنت يجد نفسه أحيانا مجبرا على الدفع الماليّ الالكترونيّ للدخول إلى موقع بعض الأخبار. هي سياسة اقتصاديّة قد اتّبعتها بعض الوسائل الإعلاميّة الغربيّة لتحقيق ربح ماديّ. وللإشارة، بعض الوسائل الإعلاميّة التونسيّة سجلت حضورها بالتويتر فيما التحقت القنوات التلفزية والإذاعية باليوتوب و’الديلي موشن’.
ويشير الواقع إلى أنّ مستعملي الإعلام الكلاسيكي قد انتقلوا إلى الإعلام الإلكتروني بحثا عن التفاعليّة، إذ لم يعد قارئ الجريدة أو مشاهد التلفزة أو مستمع الإذاعة مجرّد متلق سلبي بل تحوّل إلى فاعل بعد أن وجد بالإنترنت فضاء للتعبير عن رأيه بكلّ حريّة. لذلك نجد بأسفل المقال بالجريدة الإلكترونيّة أو بأسفل الفيديو بالموقع الإلكتروني مساحة ليعبرّ المتلقي عن رأيه والدخول مع مؤلفها في نقاش. كما يمكن للمتلقي أن ينشر المقال أو الفيديو بالموقع الاجتماعي.
حجب أو تعديل الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي
مع إرتفاع عدد الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي، برزت إشكاليّة مصداقيّة هذه الوسائل باعتبار أنّها تعمل وفق قاعدة ‘من كان الأسرع’. لم نعد في حاجة اليوم إلى إنتظار نشرة الساعة الثامنة مساء للتأكد من خبر ما بعد أن أصبح تصفح الانترنت يمّكن من الحصول على المعلومة خلال بضع ثوان. وتعتبر إذاعة ‘موزاييك’ بتونس من أسرع الوسائل الإعلاميّة في تحقيق السبق الصحافيّ، غير أنّ هذا السبق الصحافي يفرض مصداقيته. وهو ما جعل بعض الوسائل الإعلاميّة توضع بالقائمة السوداء نظرا لمساهمتها في نشر الإشاعات والأخبار الزائفة. ليقول البعض: هل يجب حجب هذه المواقع من باب غياب المصداقيّة؟ يعني هل أنّ حجب هذه المواقع هو الحلّ الأمثل لوضع حدّ للإنفلات الإعلاميّ؟
ما يشهده العالم الافتراضي اليوم من تبادل سريع للمعلومات يجعل من الحجب عمليّة صعبة. فإن كان من السهل إيقاف برنامج ‘عندي ما نقلك’ الذي كانت تعرضه قناة التونسيّة في الواقع الملموس، فإنّ هذا البرنامج بإمكانه أن يستمرّ عبر اليوتوب ويحقّق نسبة مشاهدة عالية جدّا. فبرنامج ‘البرنامج’ لباسم يوسف إنطلق عبر اليوتوب قبل أن يتمّ تبني الفكرة من قبل قنوات عربيّة. ولأنّ المواطن التونسيّ لا يكتفي اليوم بالمشاهدة بل يبحث عن فضاء للتعبير عن رأيه، فإنّه سيتابع برنامجه المفضّل عبر الانترنت.
قد لا تعتبر الأرضيّة اللوجستيكية بتونس اليوم جاهزة لجذب انتباه جميع المواطنين إلى الانترنت لمتابعة الأخبار، نظرا لعدم انتشار الانترنت بكافة المناطق الداخليّة وعدم وجود الأجهزة اللازمة واستمرار وجود الأميّة. لكن الواقع التونسي قابل للتغيير خلال السنوات القادمة. إذ أنّنا إنطلقنا في إستعمال الفيسبوك منذ سنة 2008. كما لم تمض بعد ثلاث سنوات على وجود خدمة ‘الويفي’ وسنتين على إنتشار الهواتف الذكية و’التابليت’، ورغم ذلك فإنّ احتكار المواطن التونسي للانترنت يعتبر متطورّا خلال فترة قصيرة. وقد جاء في تقرير لـوكالة التواصل الإعلامي ‘يو أم ديجيتال تونس ‘ سنة 2013، أنّ عدد مستخدمي الانترنت بتونس يبلغ 4,4 مليون. كما صنفت تونس في المرتبة الـ 47 في العالم من حيث عدد مستخدمي فيسبوك. وسألنا يومها: هل نحن قادرون على مراقبة جميع الوسائل الإعلاميّة بالعالم الافتراضي وحجبها؟ بالأمس كنّا نتحدّث عن ‘عمّار 404’، وغدا هل يمكن أن نتحدّث عن هيئة تأمر بإيقاف برنامج يعرض على الشبكة الافتراضيّة؟
يجب التفكير مليّا في القوانين التي صيغت لضمان نزاهة وحرفيّة المادّة الإخباريّة المقدّمة إلى المواطن من خلال تأسيس مدونة أخلاقيّة للمضمون الذي يتمّ بثّه عبر الانترنت وهو ما يعرف بـ ‘N’tique’، إذ لا يمكن الحجب ولكن يمكن التعديل بتذكير الصحافي الالكتروني من حين إلى آخر بمهمّته وواجبه. وهنا يكمن أيضا دور النقابات والمجالس.
كما يجب على الصحافي الإلكتروني أن يلتزم بأخلاقيّات الصحافة الالكترونيّة التي تعتبر قريبة نوعا ما من المبادئ والقواعد الأخلاقية التي تعتمدها وسائل الإعلام التقليدية: احترام الخصوصية، التثبت من مصادر الخبر أو قابلية المعلومة، تجنب الشتم والثلب…الخ.
لقد شهد الإعلام ثورة تكنولوجيّة جعلت المواطن عنصرا مساهما في صناعة الخبر، غير أنّ كلّ ثورة هي سلاح ذو حدين. فإن كانت الثورة الاقتصادية قد ساهمت في تطوير الأداء فقد ساهمت في إنتشار البطالة. أمّا الثورة التكنولوجيّة فقد ساهمت في خلق مسالك عديدة للتواصل حتّى أصبح إنتشار الإشاعات والكذب والتزييف والخداع عمليّات يسهل القيام بها خلال ثوان معدودة. ولا يعتبر الردع هو الحلّ بل يجب الاتفاق على قواعد لضمان حسن سير العمل الإعلامي في العالم الافتراضي.
إنّنا نعيش بمجتمع المعلومات وهو مجتمع يعتمد اعتماداً أساسياً على المعلومات الوفيرة كمورد استثماري وكسلعة استراتيجية وكخدمة وكمصدر للدخل القومي وكمجال للقوى العاملة، مستغلاً في ذلك إمكانات تكنــــــولوجيا المعلومات والاتصالات المتطورة كّلها، وبما يبين استخدام المعــــلومات بشكل واضح في أوجه الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية بغرض تحقيق التنمية المستمرة وتحسين نوعية الحياة للمجتمع وللأفراد. لذلك يجب استغلال اندماج وسائل الإعلام والاتصال بطريقة جيّدة.

‘ كاتبة تونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية