الحديث عن الأمن يكاد يكون رهاباً إسرائيلياً. في إسرائيل حالة من التوجس والخوف والقلق على طول الخط.
مطالعاتي للصحافة العبرية خلال الشهور الماضية، جعلتني أخرج بعنوان كبير مفاده: ‘إسرائيل خائفة’. الخوف يظهر في أخبار إسرائيل، وكتابات الرأي في صحفها، وتقارير مراسليها، وبرامجها التلفزيونية. هناك نوع من عدم الإحساس بالأمان لدى الإسرائيليين، لا ثقة بالمستقبل، توجس من العرب، قلق من المسلمين. والفلسطينيون الرازحون تحت الاحتلال، والذين خذلهم الكل، يقلقون إسرائيل أكثر من غيرهم.
إسرائيل لا تشعر بالأمان، هذا هو المانشيت الأبرز لمعظم ما يصدر عن إسرائيل. والعجيب ألا تشعر إسرائيل بالأمان رغم عدد كبير من الرؤوس النووية، وترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة. لا تشعر بالأمان على الرغم من ‘الوعد الإلهي’ لها بفلسطين، حسب الرواية التوراتية التي وقف يشرحها نفتالي بينيت وزير الاقتصاد الإسرائيلي وزعيم ‘البيت اليهودي’ لرئيس الاتحاد الأوروبي مارتن شولتز الذي زار الكنيست مؤخراً.
خرج معظم أعضاء حزب ‘البيت اليهودي’ من قاعة الكنيست احتجاجا على ما قاله رئيس البرلمان الاوروبي خــــلال خطاب ألقاه في الكنيست ذكر فيه أن ظلماً يقع على الفلسطينيين فيما يخص المياه، الأمر الذي دفع زعيم الحزب ووزير الاقتصاد الإسرائيلي إلى مهاجمة شولتز، زاعماً أنه لا يفهم أن الله أعطى فلسطين لليهود.
معظم مواطني إسرائيل من مزدوجي الجنسية، جواز دولتهم الأصل التي جاؤوا منها في الجيب، تحسباً لأي طارىء. يعرف مواطنو هذه الدولة طريق المطار بشكل جيد، وهذا ما يزيد قلق قادة إسرائيل، من الممكن أن تحدث هجرة عكسية من إسرائيل حال اندلاع حرب. جاء اليهود إلى هذه الأرض للعيش لا ليجدوا أنفسهم محاصرين بين أفعال جيش دولتهم، وأنات الفلسطينيين التي يوقن الإسرائيليون بأنها ستنفجر يوماً ما.
يتحدث الإسرائيليون عن انفجار قريب، قد يكون في شكل انتفاضة ثالثة، أو أعمــــال عنف مســلح، أو عودة التفجيرات داخل التجمعات الإسرائيلية، ويتحدثون عن أن انهيار مفاوضات السلام مع الفلسطينيين ربما يكون الشرارة التي سيكون لها ما بعدها.
ترسانة إسرائيل العسكرية الضخمة، وقوام جيشها الذي لا يتناسب حجمه مع عدد سكانها، مظهر من مظاهر عقدة الخوف. تخاف إسرائيل من بحر من العرب والمسلمين، هم اليوم قوة كمية غير مؤثرة، لكن خشية إسرائيل تأتي من تحولهم إلى قوة كيفية. الخروج الأمريكي من الشرق الأوسط يقلق إسرائيل بشكل سافر، ترك إسرائيل لمواجهة البرنامج النووي الإيراني أمر يفزع صاحب البطولات الصوتية بنيامين نتنياهو، قنبلة باكستان النووية على بعدها الجغرافي تخيف تل أبيب، حتى صواريخ حماس والجهاد الإسلامي على بدائيتها، تجعل الملايين من الإسرائيليين يدخلون الملاجىء جنوب البلاد.
شعور معظم الإسرائيليين أنهم طارئون على المنطقة يعمق لديهم عقدة أو عقيدة الخوف، جذورهم سطحية غير متأصلة، ورغم محاولاتهم المستمرة النبش تحت المسجد الأقصى بحثاً عن هذه الجذور، فإنهم يعودون في كل مرة، يبحثون فيها عن الهيكل، صفر اليدين.
وعقدة الخوف لدى الإسرائيليين تأتي من اطلاق النار على كل ما يتحرك، حتى على الأطفال والنساء والجرحى الذين تجهز عليهم أجهزة الأمن الإسرائيلية أثناء محاولات اعتقالهم، كما تتمظهر هذه العقدة في عدد كبير من الحواجز الأمنية والعسكرية داخل الأراضي الفلسطينية، وحول التجمعات اليهودية، وتتجلى كذلك في منع الفلسطينيين من دخول شوارع بعينها تؤدي إلى مرورهم عبر المستوطنات، خوفاً من استهدافها. كل ذلك دون أن نذكر جدار الفصل الأمني العنصري الذي تفرضه إسرائيل حول نفسها، والذي يعكس جداراً يطوق النفسية الإسرائيلية في أعماقها القصية القلقة والخائفة.
والمفارقة العجيبة أن اليهود جاؤوا إلى فلسطين بحثاً عن الأمن في ‘وطنهم القومي’، لكن الدراسات تشير إلى أن اليهود الذين يعيشون في إسرائيل هم الأقل شعوراً بالأمن بين كل التجمعات اليهودية في العالم.
ويظهر من الكتابات الصحافية الإسرائيلية خوف من كابوس يراودهم في حال تدفق عشرات آلاف الفلسطينيين المحـــاصرين في غزة جهة المعابر الإسرائيـــلية بحثاً عن ضــــروريات الحــــياة من ماء وغذاء، وتتكرر في الأدب الإسرائــيلي صورة ‘انتقام هابيل’ الذي ظل أخوه يحمله على ظهره بعد أن قتله فأصبح من النادمين.
يسيطر على الإسرائيليين شعور مجموعة عرقية ودينية استهدفت ذات يوم بمحاولة إبادة جماعية من قبل النازية الألمانية، في تجربة لا تزال ماثلة في كل ما ينتج الإسرائيليون من أدب وفكر. وعندما انتقد مارتن شولتز رئيس الاتحاد الأوروبي إسرائيل بسبب حصة الماء القليلة التي يحصل عليها الفلسطينيون، وشولتز بالمناسبة ألماني وصديق لإسرائيل، قال نفتالي بينيت زعيم ‘البيت اليهودي’ لراديو إسرائيل في رده عليه ‘لست مستعدا لقبول أن يقف شخص في قلب الكنيست الإسرائيلي ويلقي خطابا بالألمانية’، وأضاف ‘أقول بشكل لا لبس فيه إن شخصا يتحدث الألمانية يجب أن يكون أكثر حذرا عندما يقول أشياء تنتقد دولة إسرائيل’. مجرد الحديث بالألمانية التي هي لغة آلاف المهاجرين اليهود إلى إسرائيل تشكل رهاباً لدى أبناء الأجيال اللاحقة من المهاجرين.
ويأتي الشعور اليهودي بالتميز ليضاعف من عقدة الخوف لديه، فـ’شعب الله المختار’ لديه كثير من الحساد الذين يحسدونه على انتسابه لله وللأرض المقدسة، وهؤلاء يقبعون في الوجدان الإسرائيلي، ويتربصون الفرصة للانقضاض على هذا ‘الشعب الذي اختاره الله وأعطاه أرض السمن والعسل’.
يعرف قادة إسرائيل شعور مواطنيهم بالخوف الوجودي، ويعزفون على هذه العقدة أثناء صياغة برامجهم الانتخابية، والحزب الأكثر مكراً في العزف على هذه العقدة هو الحزب الأكثر ربحاً في هذا السباق، ويكفي أن ينشر حزب الليكود خريطة تبين أن انسحاب إسرائيل من نابلس سيجعل مطار بن غوريون في مرمى النار الفلسطينية، لتنصب في صناديقه مئات آلاف الأصوات الانتخابية.
حتى المفاوضون الإسرائيليون لا يكادون يجيدون غير العزف على تنويع واحد هو ‘الهاجس الأمني’، يلقون في وجه نظرائهم الفلسطينيين المغلوب على أمرهم، كما على وجه رعاة التفاوض الدوليين عدداً لا ينتهي من هواجس الخوف، من مثل من يضمن أن العرب لن يرموا بإسرائيل في البحر إذا تمكنوا من ذلك؟ ومن يضمن أن إيران لن تسعى إلى إزالة دولة إسرائيل وتنفيذ تهديدات أحمدي نجاد سابقاً؟ ولا يمل الإسرائيليون بالطبع من تذكير العالم بالمحرقة، وبالالتزام الغربي عموماً بحماية أمن إسرائيل بدءاً من ألمانيا ومروراً ببريطانيا وحتى واشنطن.
لا جدال في أن إسرائيل تبالغ في مخاوفها، فقد ذهب نجاد قبل أن يمحوها من الخارطة، واكتفى العرب برمي أنفسهم بالبراميل المتفجرة عن رمي إسرائيل للبحر، ولا جدال على أن السياسة الإسرائيلية تجند عقدة الخوف للحصول على المزيد من الضمانات الدولية لأمنها، غير أن كل ذلك لا يعني عدم وجود خوف حقيقي ووجودي غائر في أعماق البنية النفسية والذهنية للشخصية الإسرائيلية.
ومؤخراً خرج علينا بنيامين نتنـــــياهو وهو الذي يسعى لأن يدخل التاريخ بأي ثمــــن، خرج علــــينا بمطلب ‘الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل’، بعد أن تحقــــق عملياً الاعتراف بإسرائيل. ومع أن ذلك يمكن أن يفهم في إطار الحيل التكتيكية أثناء المفاوضات مـــع الفلسطينيين، إلا أن مطلب الاعتراف بـ’يهــــودية الدولة’ يعكس حالة من الرهاب والقلق على الهــــوية اليــــهودية داخل إسرائيل من التــــنامي العددي للعرب داخل الخط الأخضر، وفي المناطق الفلسطينية، على الرغم من تبجح قادة إسرائيل بأن دولتهم علمانية تمثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط.
يحكى أن شخصاً كان يعاني من ‘رهاب الدجاجة’، حيث كانت تأتيه حالة من الخوف الهستيري عندما يشاهد دجاجة، ويهرب منها في كل اتجاه، ذلك أنه كان يتصور نفسه حبة قمح، ويخاف أن تنقره الدجاجة فيما تنقر من خشاش الأرض، إلى أن تمكن اختصاصي نفسي من معالجته، تماماً بعد جلسات طويلة. وفي آخر جلسة والمريض يخرج من عيادة الطبيب، سأله الأخير: هل اقتنعت الآن أنك لست حبة قمح؟ رد المريض: ‘اقتنعت أنا لكن من سيقنع الدجاجة’.
لا عزاء للخائفين.
‘ كاتب يمني من اسرة ‘القدس العربي’