حمزة قناوي مبدع له مذاقه الخاص المختلف عن السائد، مبدع في الحياة، فبياض الرجل ورقيه جعلاه يكتب بدمه، فهو يحيا حالة إبداعية مخصوصة تنبني أساساً على الإنصات لصوت القصيدة وتلبُّسها في لحظاتها المنفلتة، إنه ‘ينكتب’ عبرها لتترجم امتداده في الحياة، حمزة قناوي يشبه الشعراء الفرسان وهم يعبرون إلى وادي القصيدة السحيق، متوسلين باستعاراتهم لتنقدهم من الآثام، يشبه حمزة محارب الساموري في وفائه للجمال، أو لنقل إنه ناسك بوذي يترفَّع عن الواقع ليشيد مدينته على ضفاف الحلم..
هو لا يخشى القصيدة لأنه يقيم داخلها، وخارجها يلوِّن الكون باستعاراته النبيلة، ولأن القصيدة في النهاية هي تعبيرٌ عن هذا الوجود المحتمل، فإن حمزة قناوي في ديوانه ‘في موعد الغيوم’ (1) سيظل لصيقاً بتحوُّلات الوجود، عاكساً مِن خلال قصائده رؤيته القلقة والحالمة تجاه الوجود، وكأنه يفرغ ذاكرته لتبوح بأسرار الذات.
إن ديوان ‘في موعد الغيوم’ هو في الحقيقة موعدٌ مع الذات عبر محاورتها والكشف عن أسرارها، وتحقيق المغيَّب منها وعنها، وعبر شقوق الذات واجتراحها يطل الآخر ليشكل مرآةً ضبابيَّة تشارك الشاعر أسئلة الوجود، والآخر هنا يتنوَّع بتنوُّعِ النص، قد يكون ذاتاً أُخرى أو مشهداً أو فِكرة أو مكاناً.. الآخر هنا يتجاوز مساحة الكينونة المادية إلى كينونة مفترضة، يحاورها الشاعر ليفهمها ويُفسِّرها ويتجاوزها، وليحدث قطيعته المعرفية معها.
ونحن ندقُّ بابَ الدِّيوان، نشرع مصراعيه، تتجلَّى لنا قصيدة تحمل عنواناً دالاً: ‘عيناها والحنين’، تستفزنا هاء الكينونة التي قد تُحيل إلى ذات بشرية أنثوية أو قد تحيل إلى ذات سحرية مُتعاليَة، نستعيد ملفوظ ‘الحنين’ الذي يحيل إلى تورط الذات ومشاركتها في الفعل الماضوي، نعيد ترتيب الاحتمالات الدلالية وفق نسق معجمي نفترض انسجامه، عين الآخر، مقابل حنين الذات، نشيد سيناريوها قابلةً للتحقق، الذات تستعيد حكايةً من زمن مضى، نتخيل الذات وهي ترافق الأنثى المفترضة والتي تمتلك رؤية قابلة للسفر، لكن سفرها محكوم بالغياب، لأنه سفر سيظل لصيقاً بالحنين أو بالذكرى.. إذا تجاوزنا الافتراضات واقتحمنا عوالم القصيدة متسلحين بأسئلتنا السابقة، سنواجه تماثلاً دلالياً بين عناصر متنافرة معجمياً ‘الذات، الأنثى، المكان، الماء’، وهذه العناصر المتنافرة تتوحَّد على مستوى الاسترجاع، فالشاعر يقلِّب ذاكرته، يفتِّشُ لحظاتها قصد القبض عليها وتحويل ضبابها إلى لغة شعرية جوانية إحالية وغير حرفية، تترك للقارئ مساحة واسعة كي يشيد ويتمم المعنى الناقص أو المفترض:
‘تلك المسافةُ بين عينيها وأرصفة الشوارع
هي بامتداد دمٍ جرى نوراً..
.. بأورِدةٍ تُوحِّدُ عاشِقَيْن
هي ذكرياتٌ قَد غَفَت تحت الغمامِ وقد بَكى مطراً
وحنَّت فاستفَاقت بين ذاكرةٍ وعَين
تلك المسافةُ لم تكن إلا زماناً من هَوى
عمراً مضى حلماً كمَرِّ سَحَابتين’
إن هذا المقطع الشعري الدال يختزل حيواتٍ بأكملها، المقطع يتوزع إلى جمل شعرية مكثفة دلالياً، بحيث يختزل كل سطر شعري دلالة خاصة به دون أن يتجاوزها إلى السطر الموالي، سطر مكتمل دلالياً لا يحتاج إلى سطر آخر ليكمله أو يفسره، السطر الأول يحيل إلى الخارج، وكأنَّ الشاعر أمام مشهد بانورامي مفتوح يتخيل فيه الآخر وهو يطل من شرفة على أرصفة الشوارع، الآخر ينظر نظرة حيادية لا تنبني على موقف، الشوارع رمز الضياع والغربة، والأنثى تراقب مسرحيةً ولا تتدخل، ذات الشاعر المتورَّطَة تفسِّر مسافة ضوئية مسكونة بالأسئلة، تستعيد المشهد الخارجي لتأوَّلهُ على نحو مخصوص يصل إلى الداخل، المسافة المفترضة بين شرفة العينين والأرصفة هي امتداد غير محدود مترفِّع عن المساحة، لأنه امتداد داخلي لا يتوقف، هو مسافة متحولة ومتحركة، مسافة من دم مشع يجري في عروق الوله، ليوحِّد العاشقين: الذات الشاعرة، وتلك المطلة من شرفة الزمن، تلك المبهمة الحيادية، التي تتابع ما يجري، لكنَّ الشاعِر سرعان ما يورِّطها في العشق المحرم، يستدرك الشاعر المعنى، ليؤكد أن المسافة الضبابية الرابطة بين الشرفة والشارع هي مجرد ذكرى، غفت تحت الغمام، ولأنه بكى من فرط الألم والحزن فإن الذكرى قد استفاقت، إن هذا السطر الشعري يختزل بقوة اشتغالاً عميقاً في اتجاهين: الاتجاه التصويري، حيث عَمَد الشاعر إلى تكثيف المعطى التصويري، ليعبر انزياحياً عن تعارض حاصل بين الذكرى باعتبارها تصوراً مثالياً غير خاضع للاختزال أو التحديد، وبين مشهد طبيعي مادي وهو الغمام الممطر، وإذا أعدنا السطر الشعري إلى درجته الصفر، وكأن الشاعر يوهمنا أن النظر إلى المطر هو الذي جعله يتذكر ماضيه، وهذا الفهم في الدرجة الصفر يُوصِلُنا إلى شعرية الأوائل الذين درجوا على ربط تذكراتهم بالبرق والمطر والرواء وهذا هو الاتجاه الثاني الذي يمكن تسميته بالثقافي.
هكذا تستيقظُ ذكرياتُ الشاعِر من سُباتِها بين ذاكرةٍ وعَين، إذا كانت الذاكرة هي العلبة السوداء التي تحتضنُ تاريخَ أخطائنا، فإن العين هنا هي حارسة العلبة، وقد تحيل إلى الحياة بمُتعِها وإحباطاتها، هي عينُ الحبيبةِ التي لا تُخطئُ القَلب، هي العين المتلصِّصَة من الشُرفةِ على غربة الشاعر وهو يتدرِّعَ أسئلته، هي عين تمنح الحياة للعشق، هي مياه الذكريات المتدفقة من المطر لتغسل الجراح وتطهر النفوس من ذكرياتٍ وَشَمَت الأرواح، أو ربما هي مياه سحرية تنسكبُ في جوانح الشاعر حتى لا ينسى حكايته مع المسافة الفاصلة بين الشرفة وعينيها.
العين والدم والماء رموز للحياة، يوحِّدها اللونُ الأخضر، لون الحياة، الذي لولاه لما وُجدنا ولا وُجِدَت القصيدة، وبنبرة التذكر والاستعادة يعيد الشاعر فهم تاريخ أخطائه ليقرر أن المسافة الفاصلة بين العين والمكان، أو بين الألفة والغربة ما هي إلا زمن من هوى مضى يجري كسحابتين مرتحلتين نحو المجهول، سحابتان أمطرتا الأسى.. فكيف استيقظت من سباتها لتحاور اللحظة الملتبسة؟ يقول الشاعر ص9:
‘فكيف استَيقَظَت هذا النهار لتسألَ عابِريها
عن ملامِحِ عابِريْن؟
مَضَت بخطوهما الدُّرُوبُ إلى الغيابِ
تَرَافَقَا حتى نهاياتِ المدى
وتَبَاعَدا كَفراشَتَيْن’
هكذا ‘يُشعرِنُ’ حمزة قناوي حكاية الوجود، ويعيد فهم النظرات في تعالقها مع الأرصفة الباردة، ليؤول المعنى وفق لحظته الراهنة، لحظة ولادة نص شريد من ذاكرة مثقلة بالغياب.. فهو يُبحِرُ في ذاكرته ليقتنص اللحظات الهاربة، ليشيد جرحه من جديد كي لا ينساه، ويترك للزمن فرصة ليمسح الغبار العالق في شراشف الذاكرة، كي تتسع رؤيته للوجود.
إذا كانت القصيدة وسيلةً غير حَرفية لتخفيف الذاكرة من ثقلها عبر شرفة الذات المتورطة في ضمير المتكلم، فإن الذات نفسها تطل من مشهد بانورامي مفتوح، غير أن الشاعر تخلَّى عن ضمير المتكلم، وتمَّ تعويضُه بضميرِ الغائِب. يقول الشاعر ص 13:
‘تَقَابَلا
في موعِدِ الغُيومِ..
بُرعُماً وجَدولا
تَقَابَلا.. فَفَاضَ في عَينيهِما الحنينُ
راحِلاً ومُقبِلا
تَكَلَّمَا..كأنَّما تَعندَلا
تفجَّرَ الحنينُ فيهِما واسترسلا’
إن هذا النص الشعري كتب بخلفية حكائية، وكأن الشاعر يضعنا أمام قصة ممثَّلَة على مسرح الحياة، فعناصر الحكي طاغية في القصيدة: المكان، الشخصيات، الأحداث، البناء الخطى، التوتُّر، الانفراج، تبادل الأفعال.. هي مكونات سردية توسل بها الشاعر لبناء متخيله الشعري، فالمكون السردي مهيمنة أكسبت العمل أثراً كما يقول ياكبسون، لكنها مهيمنة لم تستهدف وأد المنزع الشعري، الذي ظل رغم ذلك طاغياً وبصورة أكبر في هذا النص إيقاعياً وتصويرياً، على هذا النوع تلاحمت النزعة الشعرية بالنزعة السردية، وتداخلتا فيما بينهما.
تفتح القصيدة عتباتها بفعل التقابل والفعل تركيبياً يحيل إلى الحدث والزمن، حدث التقابل بين الذات والآخر، التقابل هو التنافر والتضاد لكن الشاعر استعمل التقابل ليؤكد معنى مغايراً وهو الاحتواء والتلاحم: ‘تقابلا في موعد الغيوم’، ولأن العين حارسة على ذاكرة مثقلة بالمحو، سيفيض منهما الحنين، ولأنهما سافرا في الماضي، تكلما وقلباهما يرقصان على إيقاع الحنين، استسرسلا، واصلا الحديث، تبادلا المحبة.. الشاعر يصر على أن يتدرَّج في رسم المشاهد، فهو لم يقدم معطياته دفعةً واحدةً، وإنما يقطر المشهد بتفاصيله الدقيقة، وكل فعل يحيل إلى مشهد مفتوح قابل للقراءة والتأويل، وهذا التدرُّج في الحكي هو استراتيجية نَصيَّة، هدف الشاعر من خلالها مسايرة نفس القارئ عبر التحكم في مخياله، ثم الارتفاع به نحو الفكرة المؤجَّلَة، ولا غرو في ذلك مادام حمزة يمارس الحكاية كتابة ونقداً، فهو عارف بأسرارها وتوجهاتها، لهذا نجح في تدبيج القصيدة بهذا الملمح الملحمي.
تجربة المبدع الشِعرية تجربة قوية، لأنها تقف على أرض صلبة، فالشاعر يهتم بالجانب الدلالي والجانب الشكلي، أما الجانب الدلالي فإن قصائده تنبني على دلالتين؛ دلالة مُباشِرة واضحة، ودلالة احتمالية تحتاج إلى قارئ نشيط، أما شكلياً فالشاعِرُ يهتمُّ ببنية الجملة تركيبياً ومعجمياً وإيقاعياً وتصورياً، بل يعمد إلى تفريغ جزء من ثقافته الإنسانية في نصوصه، ليعطيها بعداً كونياً.. ومن ثمَّ تحقق للشاعر التناسب بين الدلالة والشكل والتناغم فيما بينهما. هذه هي تجربة حمزة التي تحاور الوجود قصد استكناه أسئلته.
ـ ‘في موعد الغيوم’ حمزة قناوي، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، ط1/2012.
‘ ناقد مغربي أستاذ في جامعة عبد المالك السعدي ـ تطوان