نشرت هذه القصة في العدد 451 من مجلة الموقف الأدبي السورية في نوفمبر 2008، وقد وصلت بها غادة السمان إلى الذروة في التعبير الفني بالقصة القصيرة عن قضايا مهمة تمس الوجدان العربي في أهم إشكالياته السياسية والثقافية والاجتماعية، وهذه القصة في نظري تعتبر من أهم القصص التي كتبتها الكاتبة في مسيرتها الإبداعية.
وقصة ‘يدعّون: الشمس تشرق من إسرائيل’، تعتبر من الأعمال القصصية ذات النزعة السياسية وهو نص يضاف إلى محور إبداع المقاومة مع العدو الصهيوني في كتابات المرأة، قدمت به غادة السمان رؤية أدانت فيه الأعلام العربي ووضعته أمام مسئولياته التاريخية والقومية تجاه تعريف العالم بقضايا العرب الملحة من خلال أدبها السردي بكل مقوماته.
وقد حظي أدب غادة السمان بعدد كبير من الدراسات النقدية والكتب البحثية والرسائل الأكاديمية، حقق فيه الكتّاب والنقاد والباحثين دور هذه الكاتبة في مجال السرد الحديث. من خلال إبداعها خاصة في مجالات الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية، مما يعطي انطباعا مهما عن أهمية إبداع الكاتبة على المستوى العربي والعالمي، فقد صدر عن أدبها العديد من الكتب والدراسات منها ‘غادة السمان الحرب والحرية .. دراسة في علم الاجتماع الأدبي’ الدكتورة إلهام غالي وهي أطروحة دكتوراه كتبت أصلا بالفرنسية وقدمت إلى جامعة باريس عام 1984، كما صدر عنها كتاب ‘غادة السمان بلا أجنحة’ الدكتور غالي شكري، وكما جاء في تذييل هذا الكتاب فإنه يعتبر رؤيا مستقلة لعالم الكاتبة، صدر أيضا كتاب ‘الفن الروائي عند غادة السمان’ عبد العزيز شبيل، وفي هذا الكتاب يعرض الباحث التونسي عن القضايا المطروحة في روايات غادة السمان، ثم صدر كتاب ‘قضايا عربية في أدب غادة السمان.. في الفترة ما بين 1962-1975’ للباحثة حنان عواد، وهو عبارة عن أطروحة دكتوراه قدمت باللغة الإنجليزية بإشراف الدكتور عيسى بلاطة، وصدر عنها كتاب ‘غادة السمان المهنة كاتبة متمردة’ للكاتبة السورية سمر يزبك، وهو يتعرض لغادة السمان كإشكالية إبداعية متطرفة في رؤيتها الإبداعية ، وكتاب ‘فض ذاكرة امرأة.. دراسة في أدب غادة السمان’ الدكتور شاكر النابلسي، وكتاب ‘تحرير المرأة عبر سيمون دي بوفوار وغادة السمان’ للباحثة نجلاء نسيب، وكتاب ‘الجنس في أدب غادة السمان’ لوفيق عزيزي، وفيها يعرض الباحث لإشكالية الجنس في أدب غادة السمان، كما صدر كتاب ‘غادة السمان رحلة في أعمالها غير الكاملة’ عبد اللطيف الأرناؤوط’، وكتاب ‘التمرد والالتزام في أدب غادة السمان’ للناقدة بولا دي كابو ترجمة نور السمان وينكل، وكتاب ‘جماليات المغامرة الروائية لدى غادة السمان’ للدكتورة ماجدة حمود. لقد كان لصدور هذا الطرح النقدي الكبير عن عالم هذه الكاتبة ليوضح مدى أهمية هذا العالم الإبداعي بالنسبة للكاتبة النسوية العربية على إطلاقها.
وتمثل غادة السمان مع كوليت خوري وليلى بعلبكي مثلثا متساوي الأضلاع في الأدب النسائي الشامي السوري واللبناني كل ضلع من هذا المثلث يمثل حالة من حالات الإبداع النسوي المتميز والمؤثر في كتابات المرأة وكتابات عدد من المبدعين الذين ساروا على نهج هذا الثالوث، إلا أن غادة السمان بمحبرتها الذاتية وقلمها المتميز وإبداعها المتوازن بين المتخيل الذاتي والواقع المتحلق حول الشأن العربي بقضاياه المختلفة الاجتماعية والثقافية والسياسية حفرت لنفسها أخدودا خاصا متميزا في الأدب العربي الحديث، كتبت في جميع المجالات الرواية والشعر والقصة والمقالة والخاطرة والسيرة الذاتية وأدب الرحلات.
ولدت غادة السمان في دمشق وكانت طفلة صغيرة عندما اشتعلت الحرب الأولى في فلسطين عام 1948، ولما اشتعلت حرب السويس عام 1956 لم تكن قد تجاوزت بعد سن المراهقة، ثم توالت الحروب في حياتها وحياة جيلها: 1967، 1973، 1975 حروب من كل نوع. وطنية وأهلية وطائفية، فكان من الطبيعي أن تصبح الحرب محورا رئيسيا في حياتها وأدبها، كانت غادة السمان مفاجأة شديدة الرهافة لجيلها من الكتّاب والكاتبات، حيث قدمت نموذجا جديدا من الإبداعي المعبّر عن الحياة العربية المحافظة وجديدها الإبداعي في الفكر المنظم، اتجهت غادة السمان في بداية عهدها بالعلم إلى الطب ومن ثم هجرته إلى الأدب وكان نتيجة لهذا التحوّل أنها وهبت نفسها للتعبير بالقلم وفي نفس الوقت التعبير عن الألم، وقد اختارت غادة السمان القصة للتعبير عن الواقع والخوف من المجهول وكانت قصتها ‘الأصابع المتمردة’ هي البداية التي فتحت لها الأبواب في الصحف والدوريات ولفتت أنظار دور النشر إليها، وهي عندما قررت أن تهجر الطب إلى الأدب قالت ‘: قررت أن أبدأ من جديد.. أن أبعث الجمر الضائع في زوبعة عمر يتألف من واحد وعشرين خريفا، وهنا أصبحت الكتابة جزءا من وجودي والشئ الوحيد الذي يساعدني على حمل أشعة الشمس فوق كاهلي طوال النهار وحمل أكداس الظلام فوق صدري في الليل.. أدمنتها ووجدت فيها لغتي التي امتدت بها في عروق الزمان وأنسل في نسخ الحياة’. (صفحات من حياتهم، محمد نصر، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، د . ت ص 172) من هنا كان إبداعها مغايرا ومختلفا لما كانت عليه القيم الأدبية السائدة في ذلك الوقت، بدأت حياتها العملية كأستاذة محاضرة في جامعة دمشق، لكنها سرعان ما تمردت على المجتمع البرجوازي السوري، فتركت الجامعة والأسرة ورحلت إلى أوربا في جولات مع التجارب الإنسانية والعملية، ولكنها ما لبثت أن عادت لتستقر في لبنان وتعمل في مجال الصحافة والكتابة حتى وقتنا هذا.
كتبت غادة السمان القصة القصيرة طيلة أربعة عشر عاما حتى عام 1974 حين بدأت في كتابة روايتها الأولى ‘بيروت 75’، ثم أتبعتها برواية ‘كوابيس بيروت’، تتالت بعدها إبداعاتها المختلفة في كافة الأجناس الأدبية، وفي مجال القصة القصيرة صدرت لها مجموعات ‘عيناك قدري’ 1962، ‘لا بحر في بيروت’ 1963، ‘ليل الغرباء’ 1966، ‘رحيل المرافئ القديمة’ 1973، ثم صدرت لها مجموعة مختارات من القصة القصيرة عام 1978، كما نشرت لها جريدة الأسبوع الأدبي السورية في عددها 451 الصادر في نوفمبر 2008 ملفا نصيا خاصا حوى ثلاثة وعشرين نصا ما بين القصة وسرد شرائح قصيرة من السيرة، بعض هذه النصوص يتسم بالقصر والجدة ويحمل في طياته رؤية إما اجتماعية أو ذاتية أو سياسية، وتعتبر مجموعة ‘رحيل المرافئ القديمة’ أهم مجموعات غادة السمان القصصية حيث تتضمن ست قصص قصيرة كتبت على أثر الهزيمة العربية عام 1967، عبّرت فيها الكاتبة عن آرائها بشأن هزيمة العرب عام 1967، والشرخ الذي أحدثته هذه الهزيمة في جسد الأمة العربية، كذلك تفاعلت الكاتبة مع الثورة الفلسطينية والجزائرية والنشاط الذي أحدثته المقاومة من خلال بعض قصص المجموعة، إلى جانب أحداث بارزة في العالم العربي آنئذ. وفي كتابه ‘الحرية في أدب المرأة’ يقول عفيف فراج عن أدب غادة السمان القصصي’: إن الأصالة الفنية التي تقف وراء استمرارية غادة السمان هي أهم ما يميزها على جيلها من الكاتبات. فحين نجد أن الكاتبات ليلى بعلبكي، كوليت خوري، وليلى عسيران بدأن بأعمال قصصية وقفن معها على ذروة، ليتدحرجن مع قصتهن الثانية إلى السفح، نجد أن غادة السمان تبدأ من السفح بمجموعة ‘لا بحر في بيروت’ لتصل بمجموعتها القصصية ‘ليل الغرباء’ إلى ذروة فنية تتجاوزها إلى ذروة أعلى بمجموعتها القصصية الأخيرة ‘رحيل المرافئ القديمة’. الحرية في أدب المرأة، عفيف فراج، دار الفارابي، بيروت، 1975 ص 67)، وقد شرعت غادة السمان في أول مجموعاتها القصصية وهي مجموعة ‘عيناك قدري’ التي أهدتها إلى والدها، في تأصيل جوانب عالم المرأة من خلال الحياة والحب والعاطفة المستثارة في نسيج قصص هذه المجموعة، وقد اختارت القصة الأولى كعنوان لقصص المجموعة، وفي هذه القصة تعبر الكاتبة عن مشاعرها باعتبارها امرأة كبلها الحب وسبب لها أزمات نفسية عديدة، وهي كما تصور في نهاية النص حين تقول ‘:عيناك قدري، لا أستطيع أن أهرب منهما وأنا أرسمهما في كل مكان وأرى الأشياء من خلالها’، ‘عيناك قدري.. لا أحد يهرب من قدره يا عماد’ نص ‘عيناك قدري’، المجموعة، غادة السمان، منشورات غادة السمان، بيروت، الطبعة الخامسة، 1979 ص 20) ، وفي مجموعتها الثانية ‘لا بحر في بيروت’ جسدت غادة السمان واقع الحياة من خلال شخصيات بعضها نمطي وبعضها غير مألوف تعبّر فيها عن العلاقات السائدة بين الرجل والمرأة خاصة الموضوعات المتسمة بنزعة الحب والخيانة. حتى إنها تتساءل في قصة ‘لعنة اللحم الأسمر’ عما إذا كان هناك رجل يستطيع أن يفهم مشاعر المرأة، بطريقة مباشرة وليس عن طريق العلاقات الجسدية، وهو ما أجابت عليه بعد ذلك في قصة ‘غجرية بلا مرفأ’. أما المجموعة الثالثة وهي مجموعة ‘ليل الغرباء’ فهي مجموعة تشي بعنوانها حيث تجسد المتناقضات الممتلئ بها طبائع المجتمع ومفارقات الحياة بقضاياها المربكة. ولنأخذ مثلا من هذه المجموعة قصة ‘فزاع طيور آخر’، القصة تحكي عن قاضي يؤمن بالصدفة البحتة فقط، ولا يبحث في أمور العدالة في القضايا التي ينظرها من جوانبها الموضوعية، يعتقد أن الصدفة هي سيدة العالم والحاكمة فيه، لذا لم يكن يصدر الأحكام انطلاقا من الحيثيات الموضوعية للقضايا، إنما كان يختلي بنفسه ليلقي بقطعة نقود في الهواء، على إحدى وجهيها كتب ‘مذنب’، وعلى الوجه الآخر ‘برئ’. والصدفة فقط هي التي تقرر مصير أي متهم. تكتشف زوجته سره وتخشى سطوة عذاباته معها، ثم تكتشف أيضا بالصدفة أنها عاقر وأن خادمتها حامل في الشهر التاسع، والقطة في البيت وضعت سبعة قطط دفعة واحدة… تتبنى الزوجة أفكار زوجها جراء المعايشة الفكرية والوجدانية، فتلقى بالقطط من النافذة، وحين يحين مخاض الولادة بالخادمة، تقرر: هل تتركها تموت أم تحضر لها الطبيب؟ وتجد نفسها وقد فهمت للمرة الأولى وجهة نظر زوجها، وها هي تمسك القطعة النقدية وترمي بها في الهواء، وتحكم الصدفة: لا طبيب. وبهدوء تترك الخادمة تموت وتغادر البيت لتذهب إلى لعب البريدج. القصة تجسد العدالة من وجهة نظر البشر الحاملين لطبيعة مستر جيكل ومستر هايد لستفينسون. الشر المسيطر على واقع الحياة هو الذي يقرر مصير البشر. هكذا كانت رؤية غادة السمان في قصة ‘فزاع طيورآخر’. وهو ما ينسحب أيضا على بعض قصص المجموعة. أما مجموعة ‘رحيل المرافئ القديمة’ فقد رصدت غادة السمان فيها الهزيمة بكل سقطاتها وزلاتها، رصدت فعل الهزيمة كاملا كما رأته وكما عايشته في أزقة وشوارع بيروت، وهو ما انسحب بشدة وبقوة على أزقة وشوارع باقي المدن العربية الأخرى’: … الأرصفة مرشوشة بالناس، يتنكبون الترانزستور كالبنادق المكسورة، ويمشون بتثاقل الجنود المهزومين، ينصتون إلى الأخبار وإلى أغاني أم كلثوم وبين فئة وأخرى تفوح رائحة الحشيش الذي حشوا به لفافاتهم.. الشعب الفقير الحزين المتعب، يترنح فوق الأرصفة وخلف نارجيلات المقاهي كمن أصابته ضربة في رأسه لما يصح منها بعد.. وبعد لحظات بدأت أشعر أن رائحة العفونة التي كنت أظنها تنبعث من البحر بفعل حرارة الجو قد تكون رائحتنا نحن.. نحن الناس المهزومون المقتولون دون أن ندري. الراكضون بجثثنا في شوارع العواصم العربية والمدن والقرى…’ (الحب والرعب في زمن الهزيمة، غادة السمان بلا أجنحة، د . غالي شكري، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1990 ص 67)، كان واقع الهزيمة هو الحاضر في هذه المجموعة، عبّرت عنه الكاتبة بثلاث نصوص جسدن الفعل الكبير الحادث على المستوى النفسي والقومي.
وفي قصتها ‘يدعّون: الشمس تشرق من إسرائيل’ وهي القصة موضوع القراءة، تسرد الراوية وهي فتاة سورية صغيرة في رحلة مع مجموعة من الطالبات والطلاب من جنسيات مختلفة اجتمعوا في إحدى بيوت الطالبات في كوخ على تل من الثلج بمدينة زيورخ بسويسرا. كان الهدف من الرحلة هو مراوحة النفس والسياحة والتعرف على العالم مع هذه الكوكبة الفاتنة من الأصدقاء. هاجس الراوية يتحلٌق حول المتعة بكافة مظاهر الطبيعة الخلابة في هذه المنطقة والاندماج مع هذه الصحبة من الأصدقاء والابتعاد عن تأزمات واقع، كما كمان الهدف منها أيضا نوع خاص من سياحة الشباب في هذه المنطقة الخلابة من العالم، تشير الكاتبة في صدر قصتها وهي تقول على لسان الرواية الساردة وهي من بلدة في سوريا تقول الفتاة في تفاؤلها المشرق’: منذ يوم رحلتي الأول قررت: لن تقع عيناي إلا على الجميل والمبهج.. سأتحدث عن شروق الشمس وأترك لسواي مشاهدة الغروب.. سأرسم نصف الكأس الملآن بالماء وأتجنب الحديث عن النصف الباقي الفارغ.. ففي وطني العربي يعتب الجميع على كتّاب جيلنا:
((لماذا كل هذا التشاؤم؟!.. ضياعكم مستورد! حزنكم غير أصيل! بلادنا لم تتعرض لويلات الحروب العالمية! نحن بخير.. نريد أدبا أصيلا.. نريد كلمات بيضاء فعلا، لا من باب التسمية بأسماء الأضداد)). لكنها عندما سمعت كلمة ‘إسرائيل’ في حوار مع إحدى الصديقات بطريق الصدفة البحتة، فكأنما هو بركان انفجر فجأة.بدأ الحوار مع فتاة انجليزية مشربة ببياض الثلج تدعى باميلا ‘: سألتني بفضول وهي تتأمل شعري الأسود وبشرتي الداكنة وارتعادي المستمر من برد الجو:
– وأنت، من أين جئت؟
– من بلاد دافئة دائما.. مشمسة وجميلة..
– ما اسمها؟
– سورية.
وقلبت شفتيها بجهل وسألت: أين؟
– لبنان.. سورية.. ألم تسمعي بهما؟..
– قالت: لا!..
– على شاطئ البحر المتوسط.. شواطئ دافئة، مراعيها قلما تعرف الثلج.
أجابت وقد أضاءت عيناها: تعني إسرائيل!!..
تحكي الفتاة الإنجليزية عن تجربة لها في رحلة سياحية مماثلة إلى إسرائيل مع بعض الأصدقاء رافقها فيها صديق مجري، وكانت بأجور شبه رمزية تشارك إسرائيل في تمويلها. تعرفت الفتاة الإنجليزية في هذه الزيارة على كل شئ في إسرائيل، عن يافا وحيفا وأديبهم عجنون الذي سبق وأن فاز بجائزة نوبل بعد أن أهدوها كتبه. هي لا تعرف شيئا عن الأديب الإنجليزي العظيم ريتشاردسون مواطنها الأصيل، ولا عن الكاتب الفلسطيني الكبير غسان كنفاني، ولا عن حنا مينه، وغادة السمان. وتعود الراوية مع أخيها إلى مكان المبيت لتشاهد مسلسلا تليفزيونيا عن أرسين لوبين وهو يواجه أعداءه (إنهم من العرب). عشرات الأحداث ترويها الراوية منهم أسماء أبطال عرب يتحدثون عنهم كأنهم قراصنة. ‘: إن سوء الفهم لبلادنا عار سوف يلطخ التاريخ الإنساني أعواما طويلة.. وإذا كانت ألمانيا الحديثة تدفع ثمن اضطهاد النازية لليهود حتى اليوم (للأسف شحنات من الأسلحة لإسرائيل) فلا ادري كيف يدفع العالم الحر ثم اضطهاده المقصود وغير المقصود للعرب، لقد بدأ جيلهم يصدق كذبة إسرائيل الكبرى وجيلنا الجديد لم يع بعد معنى هذه الصدمة وتأثيرها حتى على أصغر زوايا حياته وتصرفاته..’. ( قصة ‘يدعوّن أن الشمس تشرق من إسرائيل، غادة السمان، الموقف الأدبي، دمشق، ع 451، نوفمبر 2008ص264) تسرد الراوية في نهاية النص اعتذار أحد الأصدقاء الأنجليز عن سوء الفهم لما تذيعه وسائل الأعلام في أوربا لكنها هكذا دائما في هذا الأعلام المضلل والمضلل تتناول شعوب أخرى عدة بنفس الكيفية الصينيين واليابانيين والجنس الأصفر كله تتعامل معه إعلاميا كما تتعامل مع العرب بهذا الأسلوب. لكنه أغفل شيئا ذكرته له، وترد عليه الساردة: لماذا لا يذيعون قصة تاجر البندقية وهي من روائع شكسبير ومضمونها هو الحقيقة الكاملة عن هذا الكيان المزعوم ‘إسرائيل’.
القصة بفنيتها العالية ولغتها الكاشفة وحواريتها الدامغة، تجسد مدى تقصير وسائل الإعلام العربية في التعريف بالعرب، بلادهم وثقافتهم، بينما الأخر يهتم بهذه الناحية اهتماما كبيرا، وهو ما رفدته الكاتبة في قصتها، والتي تعيد إلى الأذهان بداياتها مع القصة القصيرة في أوائل السبعينيات حين أصلت رؤيتها الذاتية في تجسيد هذا الواقع المعيش، فقد كانت القصة القصيرة عند غادة السمان حالة من حالات تجسيد بؤرة من بؤر أزمات الواقع المعيش المعاصر في تفاعله مع أزمة الإنسان العربي في مراحل التحول المختلفة، كثيرا ما نجد في هذا الإبداع قضايا إنسانية وثقافية وسياسية تعكف الكاتبة على تجسيده والتعبير عنه بامتياز واقتدار.
‘ كاتب مصري