لا يزال الفكر العربي أسير النقاشات البيزنطية والتعصب والتخلف منذ قرون، ولا تزال الصراعات والنزاعات تكبر يوما بعد يوم لتتسع الهوة بين مركبات المجتمع الواحد لتحوله إلى مجتمعات متخاصمة متصارعة فيما بينها. ولا تزال ثقافة الخرافة والأسطورة هي المسيطرة على حساب ثقافة العلم والعمل، فالعقل العربي لا يزال يعيش وهم الماضي رغم أنه يقبع في الذل منذ عدة قرون، ولا يزال يتطلع إلى المستقبل من نافذة الماضي المقبور، دون حتى أن يدقق في هذا الماضي ليفهمه ويستخلص منه العبر. إن ما كشفته الثورات العربية لهو أبشع من هذا، فقد بينت أن المجتمعات العربية ليست سوى فرائس سهلة للتشدد والتعصب، فمثلا لا يستوجب الأمر سوى أن تلصق أي فكرة مهما كانت بغطاء الدين كي تمر وتصفق لها الأغلبية وتدافع عنها وتقتل من أجلها لو لزم الأمر. فالمتأمل للواقع اليوم يرى درجة الإنحطاط الفكري الذي وصلنا له، فالدين صار تجارة مربحة وسياسة تسويق، فصرنا نرى الشاي الحلال والقرفة الحلال والمطبخ الإسلامي والمطعم الإسلامي كما لو أن هذه المجتمعات تستكشف الإسلام لأول مرة أو أن هذه المنتجات هي بالأساس لمسلمين غير المسلمين، والعجيب أن الكثيرين يدافعون عن هذه الترهات وهم ضحايا الربح المجحف لأصحاب هذه الأفكار. إن المصيبة أن البعض يؤمن ان الإسلام قدم مع قدوم الربيع العربي، وفي الحقيقة ان هذا المفهوم ليس بالمخطئ تماما لأنه فعلا رأينا مع هذه الثورات إسلاما جديدا ألا وهو إسلام الأعراب. في الحقيقة أن الجاهلية التي حكمت مجتمعات الأعراب في الجزيرة العربية قبل الإسلام خلقت ثقافة خاصة يمكن تسميتها بثقافة الأعراب، ثقافة تقوم على مبدأ الغزو، القتل، التنكيل، الثأر، الحرق والتدمير وهذا نتاج طبيعي لبيئة بدوية سيطرت عليها النزاعات والصراعات والحروب على حساب الإعمار والفكر والخلق والإبداع، وهذا ما يكشف حقيقة النقمة والحقد من مجتمعات الأعراب على الحضارة ومكوناتها. لقد مثل الإسلام في واقع الامر، ثورة على كل هذه المفاهيم وعلى هذه الثقافة، فلأول مرة في تاريخ هذه الشعوب تظهر وتتكون المفاهيم المعاصرة كالقانون والمساواة والدولة، ولقد حاول الرسول الكريم ان يقضي على ثقافة الأعراب بجعل الإسلام ثقافة جديدة معاصرة، إلا أنه وبمجرد وفاة الرسول عادت هذه الثقافة للسيطرة على الحياة العامة، ولقد نجح الحكام المتتابعون في مزجها بالإسلام ليخلقوا إسلاما خاصا بهم أو ما سميته بإسلام الأعراب، فدمروا القرى والدول وسبوا النساء ونكلوا بالشعوب وسلبوا الثروات تحت إسم نشر الإسلام، والحقيقة أن أول من تفطن لذلك كان الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز الذي شهدت فترته النشر الحقيقي للإسلام عبر إرساله للعلماء يجوبون الأقطار ويعلمون الناس دينهم، فالمتأمل الحقيقي لتاريخ بني أمية سيلاحظ حتما أن فترة خلافة عمر كانت الأكثر إستقرارا والأقل حروبا على الإطلاق، وكما هي العادة بمجرد وفاة عمر عادت ثقافة الأعراب لتسيطر من جديد وتكون الأساس للإنحدارات والتهاوي المتواصل للشعوب العربية والذي أدى في نهايته إلى سقوط هذه الشعوب في يد التخلف والإستعمار. اليوم نعود من جديد لنعيش هذه المرحلة، مجموعات وفرق بعضها اليوم في السلطة وبعضها تتخفى، تحاول التأسيس لمجتمع اعرابي في القرن 21، مجتمع يحكمه التناحر والإقطاع، مجتمع لا يعترف بمفهوم الدولة ولا مفهوم القانون ولا أي مفهوم من المفاهيم العصرية المنظمة للحياة العامة، يسوقون الناس الاوهام باسم الدين، يزورون التاريخ ويكذبون في الحاضر ويزيفون المستقبل. إن السخافة تذهب بالبعض ليأتي بأفكار قبرت ليلبسها ثوب الدين عله بهذا الغطاء يقنع الملايين من البسطاء من أبناء الشعب وهو في حقيقته يوظفها لمصلحة حزبه أو حركته أو شركته، فقوانين مثلا كالأوقاف والأحباس، هي كوارث في مفهوم الإقتصاد الحديث، بكونها تجمد نسبة كبيرة من الإقتصاد الوطني، فمثلا في تونس مثلت الاحباس والأوقاف ثلث الأراضي في دولة الإستقلال وهذا يعني ان الدولة يجب ان تبني إقتصادها فقط على ثلثي أراضيها، فليس من الممكن توظيف هذه الأراضي في سياسة فلاحية أو إقتصادية متعينة، ولا يحق أصلا للدولة مراقبتها او متابعة المستنفعين منها وهم في الحقيقة بالأساس كبار مالكي الأراضي،وهو ما كان عليه الحال فترة الإستعمار بحكم ان المجتمع التونسي كان منقسما لطبقتين، طبقة كبار مالكي الأراضي وكبار موظفي الدولة ورجال الدين من جهة وبقية الشعب المفقر المعدم في جهة أخرى، فخطورة هذا القانون أنه يؤسس لمفهوم دولة داخل الدولة، دولة ميليشيات وزعامات لا يمكن للدولة مراقبتها أو محاسبتها بحكم أنه لا يحق لها مراقبة تمويلاتها وكيفية توظيف هذه التمويلات والمنتفعين منها. في العالم المتقدم يجتهد رجال السياسة ورجال الإقتصاد والتصرف معا من أجل خلق آليات جديدة للإستثمار والتمويل عبر بعث الشراكات أوالتخصص الإقتصادي أو فتح الأسواق أو تطوير المجال الصيرفي والبورصة والإستفادة من تحارب الشعوب الأخرى وغيرها من الطرق الكثيرة لإعطاء قوة ودافع للإقتصاد وللمجتمع الخلاق، فرجل العلم يقدم الفكرة والتجربة ورجل السياسة يؤطرها قانونيا ويرعاها كي تنجح، أما في عالمنا العربي لا يزال رجل السياسة ورجل العلم في خصام إشتد وكبر مع وصول من يسمون انفسهم بالإسلاميين للسلطة وسيطرتهم على الحياة العامة، فمنطق العلم لا يروق لهم لانه يخالف برامجهم للسيطرة والتغول والتي يحاولون بكل السبل إخفاءها ويوظفون المليارات من الدولارات في الإعلام المحلي والعالمي لإقناع الإنسان البسيط ان الخطأ في العلم وليس فيهم. وفي الحقيقة هذا إجماع عام يكشف مدى هشاشة إقتصاداتنا العربية التي تقوم على التفريط في ثرواتها الطبيعية أو بعض المجالات المحدودة من الخدمات وحتى بعض الدول التي تتباهى بشيء من التطور فهذا التطور لم يكن سوى في المجال العمراني وهو يعتبر مجالا بدائيا في عالم الإستثمارات، فلم نر لحد الآن تطورا لا في الصناعة ولا في التجارة ولا في الفلاحة، مازالت أسواقنا مستعمرة من البضائع الأجنبية ولا زالت محاولات التطوير ترتطم بواقع صعب يفتقد لإرادة سياسية حقيقية، وانظروا إلى الميزانيات المخصصة للبحث العلمي في مجتمعاتنا العربية وقارنوها بباقي الوزارات مثلا او بوزارات توازيها في العالم الغربي وستكتشفون الفرق. في كل دول العالم، عادة يلعب المثقفون دورا أساسيا في تطور المجتمعات وإنارة الفكر،فالدور الحركي للمثقف يمكن إعتباره العامل الرئيسي لتطور الشعوب او لخلق فكر جديد يتماشى مع تطلعاتها، أما في عالمنا العربي فالمثقف في حد ذاته هو أسير، فالمسافة بينه وبين عامة الشعب لازالت تتسع وتتسع، ليتحول خطابه من خطاب مباشر للعامة إلى مجرد خطاب نخبوي يلقى في الإحتفالات، فابتعاد المثقف والمبدع العربي عن مشاكل شعبه، وعن نشر ثقافة الوحدة والبناء جعل منه صنما من السهل كسره من قبل ثقافة الأعراب، التي لا تزال تحرق وتدمر كل من يعترض طريقها. ما زالت شعوبنا العربية مع كل أسف أسيرة مشاكل متعاقبة متراكمة إنضاف إليها التعصب والتشدد ، ولا يزال مثقفوها صامتين متفرجين تائهين، يصفقون لهذا ويتصورون خلاصهم في يد هذا، ولا تزال الأمور في تعقد مستمر، وإذا ما إستمر الأمر فإن السقوط للهاوية سيكون نهايتنا المحتومة، ولن يكون لنا حق في وطن ولا حق في الوجود. عبد الخضر معيوف