كيف علقنا وحين اكتشفنا أننا متآمرون!

يعلم الله أنني لست أحاول بهذا العنوان التفوق على فريد العصر وكل عصر المرحوم القذافي، ناهيك عن محاكاته حين أتحف البشرية وأثرى التراث الإنساني بمجموعته القصصية، يتيمة الدهر المعاصرة، ‘الأرض الأرض، القرية القرية، وانتحار رائد الفضاء’، فلست من الطيش لأطمح لهذه الذرى، وإنما هي مجرد نقاط أو مواضيع أود ذكرها يجمعها سياقٌ واحد. وإن كان ذلك العنوان يبدو مفككاً للوهلة الأولى فليس ذلك بدوره محاولةً لمجاراة جاك ديريدا، الفيلسوف الأشهر بتفكيك الواقع لسبب بسيط أنه مفكك أصلا، لا بل ممزقٌ رثٌ ومهترئ تماماً ولا يحتاج لخدماتي المتواضعة أو خدمات غيري.
ولكي نبدأ بدايةً صحيحة فنضع الأمور في نصابها ونعطي كل ذي حقٍ حقه فلا بد من التقرير بأن محركي الثورة المضادة من أصحاب الامتيازات الكبيرة والثروات الضخمة ممن تقاطعت مصالحهم مع مبارك وسلفه، مدينون قبل كل شيء إلى إعلام الريادة ومن يوجهه ويمده بالمعلومات (المشكوك في صحة أغلبها)، و’الشرائط’ في أجهزة الأمن المتعددة وسائر دوائر الدولة العميقة التي لا يعرف أحدنا يقيناً غاطسها، وليس في ذلك ما يدهش، لأن وسائل الإعلام تلك مملوكة لأصحاب المصالح سالفي الذكر في الأساس…تلك الحلقة التي لا أعلم لماذا يتغافل عنها الناس أو ينسونها، هل لأن نفس الإعلام يسكت عنها أو يحاول طمسها ويمر عليها مرور الكرام في أحيانٍ كثيرة؟
ربما…المهم أنه جرياً مع المثل الإنجليزي ‘أن الذي يدفع للزمار يختار اللحن’، فقد اندفعت ثلة ممن يطلق عليهم ظلماً لفظة ‘إعلاميين’ ممن دخلوا المهنة من باب المخبرين والبصاصين والعسس الواسع الرحيب المؤطر بالحظوة والشهرة ناهيك عن العائد المادي، وأخذت تحيكُ بإسهاب وبشكل مكثف سردية مكذوبة موازية للواقع الحقيقي في عملية نصب وتدليس أكاد أجزم قطعاً بأنها الأكبر في تاريخنا المعاصر، وتحوز على مكانة متقدمة في تاريخ العالم…وقد مورس فيها كل صنوف خفة اليد وخلط الأوراق والمفاهيم والنظريات، طبعة عربية، موازية بدورها، من الفوضى، بيد أنها هدامة ومحطمة للذات منذ البداية وحتى النهاية، مجهودٌ جبار، لا بد من الاعتراف بذلك. ولئن ذهب تشومسكي في كتابه الشهير( والأيقونة في حقيقة الأمر) ‘صناعة الإذعان’ إلى أن بعض الإعلاميين لا يدركون حقيقة دورهم المدلس المزيف للوعي بل ويلتزمون بالحِرفية والأمانة في عملهم، فإن ذلك لا علاقة له بإعلامنا الريادي المتفوق، والذي ما أكثر ما ينحدر(أو يستهل) في أغلب الأحيان إلى وصلاتٍ ممتدة مستطيلة من الردح للثورة وكل من جاء دوره للتشهير به لضلوعه في ‘المؤامرة’ التي بمقتضاها تآمرت أمريكا وإسرائيل على مبارك، حليفهم طيلة ثلاثين عاماً، كأنهم يعادون أنفسهم. ولما كان الحراك الثوري لم يصل إلى أفق التغيير الاجتماعي الحقيقي حتى في ذروة مده ، بل حيل بينه وبين أي سلطة أو حتى مخايلها، فإنه لم يتمكن في حقيقة الأمر من امتلاك وسيلة إعلامية قوية تستطيع نشر رسالته، ونكون غير منصفين إذا تغافلنا عن حقيقة التفاوت الملفت بين حجم الحراك وبين أولئك الذين تصدروا المشهد من حيث التنظيم والخبرة السياسية (بالمناسبة أنا لا أزعم امتلاكها بدوري). باختصار لم يتسن للحراك الثوري كتابة سرديته ورؤيته الموازية، الأكثر صدقاً وانصافاً، بصورةٍ وصيغ قوية طاغية، حتى ذلك الاحتفاء بالثورة ومن تم تقديمهم على كونهم رموزاً في المراحل المبكرة مشبوهٌ في نظري، خاصةً وأن من قام بذلك هي نفس تلك الفضائيات المملوكة لنفس ذوي المصالح الذين دعموا مباركا حتى تيقنوا من سقوطه الحتمي، وحين آل المسار إلى صراعٍ بين شرائح من نفس الطبقة، نظام مبارك وقرينه من الإخوان، علقنا نحن بينهما. وخلاصة الكلام، تسيدت رواية وحكايا المؤامرة، وصار لزاماً على كل من يؤمن بالثورة، ضرورةً ومفهوما واستحقاقا، أن يدافع عنها أمام خطابٍ صفيق فوق كونه مجنون وعبثي…وبذا علقنا في دائرة لا تنتهي من الأقاويل والادعاءات والتجريح والردح والأقاويل المضادة والتفنيد والانتصار لحقوق شعبٍ، وثورية دون مكاسب اجتماعية أو سياسية ثورية على أرضيةٍ موازيةٍ وهمية. مستنقعٌ علقنا فيه، أليس مدهشا ولافتا أن نعلق بهذه الصورة نحن الذين ننتمي إلى ثقافة ظلت تتراوح بين المتن وشروحه وشروح شروحه وهوامش تلك الشروح وتختلف عليها ويقتل بعضنا بعضاً؟ مستنقعٌ بكل معاني الكلمة.
أما عن كيف اكتشفنا أننا متآمرون، فلذلك قصةٌ طريفة وإن كانت مغيظة، وقعت في الأيام الأولى لثورة كانون الثاني/يناير حين استضافت إحدى الفضائيات التابعة لإيران صديقة ناشطة وإحدى مؤسسي مجموعة ‘مصريون متحدون’ المتمركزة في المملكة المتحدة والتي قامت بدور نشيط وفعال للدفاع عن الثورة وشرح قضيتها وحشد الناس خلفها. ساعتها دافعت صديقتنا بطلاقة عن الثورة، عن ضرورتها ومبرراتها، منتصرةً للمطالب الشعبية ونافية شبهة التآمر، وإذا بها تفاجأ عند العرض، بعد بضعة ساعات، بنفسها على التلفاز تشرح كيف أنها ترى أن الأمر برمته ليس سوى مؤامرة تقف وراءها وتحرضها أمريكا، ولعل ذلك كان أحد الدروس الأولى لها ولنا جميعا في كيفية تزوير التاريخ وطمس الحقائق. مخرجٌ وطاقم إعداد ماهر يجيد القص واللصق وأجندة خفية ومؤامرة (من طرفهم بالطبع) وفائض من الانحطاط اللا مهني.
نقطة نظام: لا يعني كل ما سبق أنه لا مكان للمؤامرات، فأنا لست بهذه السذاجة، فلكل الدول، وخاصةً الكبيرة منها، مصالح لا تتنازل عنها، وهذا من طبائع السياسة في عالمٍ لم نختره ولا نملك منه خروجا أو فكاكا، لكن نزول ملايين الشعب المصري في كانون الثاني/يناير والشعب السوري في مرحلة لاحقة مع توفر الأسباب الموضوعية للسخط والثورة مما يستحيل أن يوصف بالتآمر.
للأسف، لأن الثورة لم تحكم وبالتالي أفسح المجال للإعلام المضاد المعادي، فقد ترسخت ‘حدوتة’ المؤامرة، ومع امتناع أجهزة الشرطة، العقابي في حقيقة الأمر، عن أداء مهامها وإطلاق جحافل البلطجية في مرحلةٍ سابقة أصبحت حياة الكثيرين لا تطاق، فانكفأوا يجلدون أنفسهم ويلومون أنفسهم على نزولهم للشارع، وعوضاً عن الشعور بالثقة في النفس والاعتداد بالذات الذي كان، حلت نقمةٌ على الذات وشعورٌ بالضعة وانعدام الكفاءة. مشهدٌ محزنٌ ذاك، انكفاء ثورة، سريعا جدا ودون مكاسب ملموسة. وفي محاولةٍ يائسة لاستعادة الأمن والأمان، صار الناس يستدعون عنف الدولة وأجهزة الأمن حتى ولو كان على حساب كرامتهم الشخصية، والشاهد أنها عادت بمنتهى الفظاظة والقسوة، ولا يملك الناس سوى أن يحمدوها ويتغزلوا بجمالها. لا يجرؤون على انتقادها مخافة ‘أن تغضب وتحجم عن أداء عملها’ دون ضوابط أو مراقبة فتتركهم لمصيرهم نهشا للفوضى والإجرام. صار الناس يجاملون القبح ويتغزلون به، وفي حين أن الموروث الشعبي يرى من الشجاعة والاستقامة أن يصارح المرء الأعور بعواره، في وجهه، فإننا بتنا نتزلف له وننظر بعيدا عن عينه الكليلة عله ينظر إلينا بالسليمة، نستجديه كما صار البعض يكتشف لنا كم كان مبارك عادلا، تقدميا، حكيما، ذا رؤية استراتيجية ثاقبة، وربما وسيما أيضا، وكم كانت الدنيا ربيعاً والجو بديعاً ورغيف الخبز كبيراً والعلاج متوفراً قبل 25 كانون الثاني/يناير. كما رأى بعض كبار المثقفين في الماضي في العمل القصصي للمرحوم القذافي (لن أعيد كتابة العنوان لطوله!) فتحاً ثقافياً فريداً، وقبض بعضهم مبالغ طائلة بالدولار في مقابل كلمتي ثناء.
والآن، وعلى وقع أسطورة جديدة تتشكل، ركناها الجيش المنقذ ـ القائد الأسطوري البطل المنقذ بدوره ، ليس هناك مجال للتحفظ أو التريث أو الهمهمة أو التساؤل ناهيك عن الاعتراض، ففي بلدان الزعيم الأوحد والحزب الأوحد والمذهب الأوحد والدين الأوحد لا مكان للاختلاف، الاختلاف خيانة للوطن.
فجمهرة من الكتبة والإعلاميين مثلا يمجدون الفريق السيسي، ويسقطون عليه ما عنَّ لهم من تصورات، لكن هل يعلم أحدٌ حقاً ماذا يريد الرجل وماذا ينوي؟! هل سيصير حاكما شعبويا في محاولة لاقتفاء خطى عبد الناصر فيحقق بعض المكاسب الشعبية أو سيستمر على نفس انحيازات مبارك؟ لا أحد يجرؤ على التنفس ناهيك عن طرح هذه التساؤلات، فتلك خيانة ووقوفٌ في صف الإرهاب.
في قناعتي الشخصية أن الشعب الحر الذي يشارك ضمن منظومة ديمقراطية حقيقية، لا شكلية، هو خير ضمانة ضد التقسيم وأفضل من يقف ضد الإرهاب وهو حقيقي ، مخيف ومجرم.
إن مصر مقبلة على صراع حقيقي وهائل، ليس فقط مع الإرهاب، وإنما بين مصالح متضاربة، من ناحية بين المطالب الشعبية بمكاسب ثورة مغدورة وبين مصالح ارتبطت وما زالت بمبارك والغرب….. كما يتعين على الرئيس المقبل (السيسي على الأغلب) أن يحسم أمره: إلى أي معسكر سينضم وبالتالي من سيحارب؟

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية