تولوز ـ فرنسا ـ من سليم البيك: ستنقل السينما الثورات العربية بالشكل الأكثر إخلاصاً لها ولحقائقها مما يمكن أن تنقله وسائل الإعلام، وتحديداً الفرنسية منها، المعروفة بتحيّزاتها وهواجسها ومصالحها المؤثّرة بشكل ملحوظ على مشاهديها.
كان هذا أحد أهم الدوافع التي جعلت أسمى العطاونة (فلسطينية/فرنسية) تخرج بفكرة تنظيم مهرجان سينمائي تعرض فيه أفلاماً تناولت الثورات العربية مع حلقات نقاشية مصاحبة، يمكن من خلالها نقل الجانب الإنساني والشعبي لهذه الثورات إلى جمهور مدينة تولوز الفرنسية.
تعمل أسمى في صالات سينما ‘أوتوبيا’ المعنية بسينما مستقلة وبديلة للسائد التجاري وبسينما القضايا السياسية والاجتماعية والوثائقيات القادمة من العالم أجمع، فكّرت قبل أشهر بتنظيم المهرجان، واليوم أجري معها هذا الحوار عن المهرجان الذي بدأ في الثالث من الشهر الجاري واستمرّ لأربعة أيام، والذي قُدّم بعنوان: ‘ثورة حتى النصر’.
سليم البيك
* لماذا اخترتِ أن تنظمي مهرجاناً عن الثورات العربية؟
* فكرة المهرجان جاءت كمبادرة شخصية للمساهمة في ما يحدث في العالم العربي وكتضامن مع الشعوب العربية ومع ثوراتها ضد الأنظمة الديكتاتورية. كما تأتي أيضا كمحاولة لمحو تشويه أجهزة الإعلام الفرنسية لهذه الثورات، ففي نظرهم نحن مجرد شعوب خلقت لتظل محكومة أبدياً من قبل أنظمة ديكتاتورية يختارونها هم ويمولونها لتمحي أي حلم للتطور أو التقدم.
ولأعطي مثالاً على ذلك، عندما أقلب محطات التلفزيون الإخبارية الفرنسية أو أتحدث مع رواد السينما، أول ما يتحدثون عنه هو نظرتهم للشعوب العربية على أنهم عاطفيون وغير عمليّين أو علميّين ينساقون وراء مشاعرهم دون أي تفكير، فيختارون إسلاميين متطرفين، أو هم بمثابة دمى متحركة بأيد إسرائيلية وأمريكية، فالمواطن العربي بنظر وسائل الإعلام هو فرد يفتقر للوعي وليس قادراً على المطالبة بحقه ونيل كرامته. طبعاً استثني من حديثي هذا وسائل الإعلام المستقلة والقليلة مثل ‘لوموند ديبلوماتيك’ و’ميديا بارت’.
* ما الأفلام التي عرضها المهرجان؟
* اخترت فيلم ‘العودة الى حمص’ للمخرج طلال ديركي للحديث عن الثورة السورية وفيلم ‘في قلب الثورة’ للمخرج سمير عبدالله للحديث عن الثورة المصرية وأخيراً فيلم ‘ديمقراطية سنة صفر’ للمخرجة أميرة شبلي وكريستوف كوتيري للحديث عن الثورة التونسية، كما اخترت فيلم ‘مشوار’ للمخرج السوري ميار الرومي لإلقاء الضوء على جانب اجتماعي في ظل الثورات وهو الحب طبعاً.
* بالنسبة للتحضير للمهرجان، واختيار الأفلام، على أي أساس كان؟
* لا أدري إن كنت سأصفه بتحضير، فالفكرة جاءت وكما قلت كرد فعل مباشر لما يحدث ولأنني أؤمن جداً بضرورة تنظيم الفكرة لتصبح واقعاً، تم العمل على المهرجان. بداية لم أكن أعلم أي فيلم سأختار، وعبر الفيس بوك قمت بإرسال رسائل والكتابة بأني أبحث عن أفلام تتعلق بالثورات العربية، كما أني زرت مواقع مهرجانات السينما العربية والعالمية علني أجد فيها ما أبحث عنه.
طبعاً وجودي في فرنسا أوجب علي البحث عن أفلام مترجمة للفرنسية. كان هدفي أيضاً هو البحث عن أفلام تجد صعوبة في الوصول إلى فرنسا لعرضها وتوزيعها أو أفلام ذات ميزانية ضعيفة. طبعاً الهدف الأول هو أن تكون أفلاماً تتحدث عن الثورة بعيداً عن مداعبة النظرة الاستشراقية في الغرب، وتكون غايتها نقل صوت الشعوب إلى المشاهد لا حصد جوائز المهرجانات.
* وهل صادفتك صعوبات في اختيار الأفلام أو الحصول عليها؟
* طبعاً، خاصة أني استلمت الموضوع برمّتة في سينما ‘أوتوبيا’ منذ اقترحت فكرة المهرجان حتى آخر ساعة فيه، بما في ذلك التواصل مع المخرجين والضيوف المتحدّثين. فهذا ما حدث فعلاً وفي لحظة كنت سأترك كل شيء وأجهض الفكرة كلها من أساسها. بداية وكما ذكرت سابقاً تعرضت لأول صعوبة وهي إيجاد الأفلام، وكم شعرت مراراً بأني ‘ثقيلة’ لتكراري الطلب نفسه، ‘نق وزن’ كما نقول بالعامية، لكي أؤمّن الفيلم المطلوب، ومن أصعب ما واجهته هو الحصول على فيلم عن الثورة السورية بحكم الوضع الحالي في سوريا. ثم أتت مشكلة الحصول على الأفلام مترجمة للفرنسية. كما واجهتني الصعوبات المادية، فمعظم الاقتراحات الأوّلية، مخرجين تحديداً، كانت تطلب مني مبالغ باهظة مقابل عرض الفيلم وتحمل أعباء الإقامة وتذاكر السفر والفيزا، ولهذا قررت أن نستضيف المقيمين على أرض فرنسا لتفادي المشاكل المادية، ومع ذلك هنالك من اشترط علينا دعوته واستضافته مع الفيلم وبمقابل مادي لذلك! لم نردّ طبعاً. الكثير منهم لم يفهموا وجهة نظري وهي الحديث عن الثورات وليست الحديث عن الأفلام ذاتها وبأن المشروع مستقل وبتمويل محدود ومبادرة شخصية وبغرض تعريف الفرنسيين في تولوز بالثورات من خلال السينما، ولسنا مهرجاناً تجارياً لعرض الأفلام وتقديم المكافآت المالية.
* كيف كان تلقّي الجمهور الفرنسي في تولوز للأفلام والنقاشات التي صاحبته؟
* كنت قلقة بعض الشيء، فقد لاحظت مؤخراً بأن الناس ملت الحديث عن الموت والحزن، ومعظم من كان يأتي للسينما كان ليشاهد أفلاماً ترفّه عنه وتضحكه، ولكن خوفي هذا تبدد حالما بدأ المهرجان بعرض فيلم ‘العودة إلى حمص’ تبعته حلقة نقاشية حول الثورة السورية مع الكاتبة سمر يزبك التي رحّبت بالفكرة وشجعتني منذ البداية لتكملة المشروع، ووافقت على الحضور بكل تواضع رغم انشغالاتها، وامتلأت الصالة بالحضور وكانت الندوة ممتعة واستمرت حتى منتصف الليل. كانت النقاشات التي تلت الأفلام الأخرى ممتازة كذلك، متناولين الثورتين المصرية والتونسية.
* كيف ترين دَور السينما في نقل أسباب ووقائع وتحديات هذه الثورات؟
* أعتقد أن للسينما دور كبير بالتأثير على الآراء والأفكار تماماً كما للأدب والصحافة والتصوير وغيرها، إن لم يكن أكثر، وخاصة في عصر الصورة الذي نعيش فيه، واعتقد أيضاً بأن السينما طريق مباشر إلى فكر المشاهد. شخصياً، عملت في الدبلوماسية والسياسة كوسيلة لتغيير الأشياء من حولي لكني شعرت بالإحباط سريعاً، فالتغيير بطيء وهناك فرق شاسع بين ما يقوله السياسي وبين ما يصل إلى الناس من أفكار، كنت أشعر بالهوة العميقة بين السياسيين وحياتهم وبين الناس، ولهذا بدأت بالبحث عن عمل في الفنون والسينما تحديداً، المستقلة والبديلة، هي أصدق في التعبير عن هموم الناس.
* هل تفكرين في تنظيم مهرجانات قادمة؟
* بالتأكيد، فنجاح تجربتي الأولى هذه، وردود فعل الحضور الإيجابية جعلني أدرس ضرورة تجديد وتطوير هذا الحدث ليجيب على طلب الناس هنا، المتعطشة لما يحدث في الطرف الآخر من البحر الأبيض المتوسط، وضرورة نقل الحدث كما هو وإيصال صوت العالم العربي للغرب بدون تشويه. فالجمهور موجود ومتحفّز. مشروعي القادم سيكون عرض سلسة أفلام تصوّر الثورة السورية من عدة نواحٍ، نظراً لكثرة الأفلام التي تم اقتراحها علي لاحقاً وللأسف لم يتوفر لدي الوقت الكافي لعرضها جميعها. ومن ثم سأقوم بتنظيم فعالية في السينما بمناسبة ذكرى النكبة الفلسطينية، وسيليه مهرجان يسلط الضوء على جوانب اجتماعية في العالم العربي كالحب والجنس والمثلية وغيرها من القضايا، بهدف المعرفة ومحو التشويه الإعلامي والثقافي الاستشراقي المسيطر على كثير من العقول.