حين تكشف الثقافة ما تخفيه السياسة

حجم الخط
0

باريس ـ ‘القدس العربي’ ـ من صادق أبو حامد: لطالما كان ذكر الهجرة والمهاجرين في العناوين السياسية الغربية يرتبط بإشكاليات الاندماج، وتهديد الهوية الوطنية، والضغط الاقتصادي، وهدر المساعدات الاجتماعية. خطاب شعبوي سهل يختزل المهاجرين وأبناءهم بالصورة النمطية لمهاجر يستهلك خيرات البلاد المضيفة ولا يعطيها إلا الجريمة والحقد. خطاب مخادع يخفف عن الدولة مسؤوليتها تجاه جزء من شعبها من ذوي الأصول المهاجرة، بأن يجعل مشاكلهم وأزماتهم عائدة لعطل ذاتي فيهم، مرتبط بثقافتهم الأصلية، لا لتقصير الدولة وفشل سياستها، ومن جانب آخر يسرق هذا الخطاب من أبناء المهاجرين دورهم الفاعل والمؤثر في التطور الاقتصادي والثقافي لهذه البلاد. مساهمة ما زالت تحتاج إلى الكثير من البحث والتقصي لإعطائها حقها خاصة في الدول ثقيلة الهوية الوطنية كفرنسا وألمانيا وإنكلترا.
في الثقافة يبدو المشهد مختلفاً في كثير من الأحيان، فهذا الإطار المنفتح بطبيعته، المزدهر بتنوعه وتلاقح أصنافه ومنابعه، لا يتسع للجميع فقط، بل يعترف بإنجاز ومساهمة كل طرف. ففي الثقافة وفي سياق عملية الإبداع والتراكمات المؤدية إليها، تبدو الوطنية والجنسية تعابير رخوة المبنى قليلة المعنى.
معرض Albums-Bande dessin’ et immigration بهذا المعنى هو غيض من فيض تلك المساهمة المهاجرة. المعرض الذي أقامه متحف تاريخ الهجرة Mus’e de lHistoire de lImmigration في باريس يقدم مثالاً جلياً لدور وعلاقة المهاجرين بالفن التاسع. فقد كان للمهاجرين وأبنائهم مكان مركزي في تشكيل هذا الفن وتطويره وفي إدخاله إلى مساحات جديدة، ليصبح حاملاً لدم المهاجرين في نسغه، ومعبراً عن حكاياتهم وتجاربهم الصعبة في ثماره. هكذا يقدم المعرض حكايات الرسامين والمؤلفين من أصول إيطالية وسنغالية وجزائرية وإيرانية وفيتنامية، هؤلاء الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة وأوروبا أو الذين ولدوا لآباء وأمهات مهاجرين اعتباراً من بدايات القرن العشرين وحتى اللحظة، في رصد لمسار تاريخي يمتد من عام 1913 إلى 2013.

الوجه الفني للهجرة.. الوجه المهاجر للفن

عبر أكثر من أربعمئة رسم أصلي ووثيقة ورسوم متحركة ومقابلات يقدم المعرض تجربة مئة وسبعة عشر فناناً لم تمنعهم جذورهم المنتمية إلى بلاد بعيدة من أن يصنعوا ممالكهم الإبداعية في البلاد المضيفة، ويمدوا جذوراً أخرى لوجودهم حتى باتوا جزءاً من تراثها المتجدد.
يخصص المعرض منذ خطواته الأولى فضاء للفنانين المهاجرين الأكثر شهرة وتأثيراً في عالم الفن التاسع. من خلال تتبع سير حياتهم وتطور أعمالهم في الولايات المتحدة وفرنسا، لنبدأ مع جورج مكمانوس Georges McManus (1884-1954) في الولايات المتحدة وتقصيه لعالم الطبقات الاجتماعية. والفنان ويل إيشنر Will Eisner (1917-2005) الذي رصد بحكاياته المصورة حياة المهاجرين في نيويورك، إلى الفنان بارو Baru (Herv’ Barulea) الذي بات أشبه برمز فني فرنسي وهو من أصول إيطالية، بارو الذي جعل من حياة العمال فضاء للاكتشاف بعد قرون من تهميشه، بينما وضع الفنان فريد بو جلال Farid Boujellal وهو من أصل جزائري ـ روماني، سؤال الهجرة في عين أعماله الفنية، وربما يعود إليه الفضل في إدخال المهاجر كشخصية فنية في الحكاية المصورة، شخصية لها أسئلتها ومشاعرها ونظرتها للعالم. الفنان الذي أتقن الكوميديا السوداء جعل من حكاية بطله عبدلله عام 1985 ساحة لمقارعة العنصرية والعنف، بعد سنتين من مشاركته في مسير أبناء المهاجرين ضد العنصرية. في المساحة ذاتها نجد المؤلفة الإيرانية مارجان ساترابي Marjane satrapi التي أحدثت ضجة في عالم هذا الفن مع عملها الشهير بيرسابوليس Persapolis، العمل الذي جمع بين السيرة الشخصية، والموقف السياسي، وقدم صورة أكثر تعقيداً، وذكاء، لعلاقة المنفي السياسي ببلده وبالبلاد المضيفة. العلاقة التي تتسع لتشمل المهاجر لأسباب اقتصادية أو اجتماعية لدى حليم محمودي في ‘عالم حر’ un monde libre، محمودي يدخل في عمق التجربة الشائكة لمهاجر يدخل أرضاً غريبة، تجربة تستند إلى ثلاثة محاور حسب رأيه: أن يفهم المهاجر نفسه، أن يفهم العالم، وأن يجعل العالم يفهمه.
في هذا المعرض نكتشف أنه حتى الحكايات المصورة الأشهر ترتبط بالمهاجرين وأبنائهم. فسلسلة ‘استريكس’ Ast’rixوهي الحكاية المصورة الفرنسية الأكثر شهرة في العالم، والتي تبدو فرنسية الدم كونها تحكي عن أجداد الفرنسيين (الغولوا)، هي نتاج إبداع فنانين أحدهما من أصل بولوني ـ أوكراني هو رينيه غوسيني Ren’ Goscinny (1926 ـ 1977)، والآخر من أصل إيطالي هو ألبيرت أوديرزو Albert Uderzo. غوسيني الذي كان يقول إنه لطالما أحب الأجانب، فهو نفسه كان أجنبياً لوقت طويل! بينما مبتكر شخصية تيتو Tito الشهيرة في فرنسا Enki Bilal فقد غادر البلقان في طفولته وهو من أب بوسني وأم سلوفاكية، ليبقى بعد ذلك قامة فريدة في إبداعها، وفي قدرتها على تجاوز الحدود والجنسيات.

من الحكاية الساخرة.. إلى الالتزام السياسي

مع هؤلاء الفنانين وسواهم نراقب تطور فن الحكايات المصورة، وتنوع أساليبه، ليظهر التعدد الثقافي في جميع تفاصيله، ولتظهر الحكايات التي تقدم السير الشخصية للفنانين، هكذا يدخل فن السيرة فضاء الفن التاسع متحرراً من صرامته الأصلية وديباجته، فينقل التجربة الحياتية بلغة سلسلة وصور انطباعية، تستطيع حمل العناء والصعوبات التي أرهقت تلك السيرة، وتنقلنا من هموم المهاجر الأولى التي تجبره على الرحيل، إلى حكاية الرحيل نفسه، ومعاناة الرحلة خاصة تلك المتعلقة بالهجرة غير الشرعية، وركوب البحر بعدة قليلة واحتمالات موت كبيرة، إلى أن تطأ قدم الغريب شاطئ البلد المضيف، لتبدأ رحلة أخرى في فضاء الثقافة الجديدة، هناك حيث تحمل كل خطوة تجربة تبادل بين الأنا والآخر، بين أخذ وعطاء، لتتشكل الشخصية المهاجرة كنموذج فريد من التنوع والثراء الثقافيين.
هذا الالتزام بمآسي الحكاية الشخصية، والبحث في تفاصيل الهموم اليومية، والسخرية من التقاليد الاجتماعية، تحول لدى الكثير من المبدعين إلى التزام سياسي صريح. التزام يبدأ من السياسات المحلية والوطنية ويتسع إلى العلاقات الدولية والمظالم المكتظة في حياة الشعوب.
قرن من العلاقة بين الفن التاسع والهجرة، قرن من تطور هذا الفن، وتنوع أنماط الحكايات المصورة من قصص الخيال العلمي إلى الحكايات التاريخية إلى التهكم السياسي والسخرية، وعبر هذا التنوع يختار الفنان لغته البصرية الخاصة، وعبارته المميزة. يحكي الفن الذي ولد في القرن التاسع عشر قصة فريدة للعلاقة مع المهاجرين منذ بداياته. صور المهاجر وتجربته تظهر في مهده، وتمتد حكاياته مع امتداد هذا الفن وانتشاره. المعرض يقدم نموذجاً استثنائياً للخلاصة المثمرة للاحتكاك بين المهاجر والفضاء المضيف، فضاء يفسح المجال لفنان يحمل همه السياسي، وطفولته البعيدة، وثقافة لغوية وبصرية مميزة.
هي المرة الأولى التي يخصص فيها متحف تاريخ الهجرة معرضاً للفن التاسع. أحد الفنون الأكثر شعبية في الغرب، والذي مكنته إبداعاته وحيويته من حيازة رقمه الثابت في سلم تصنيف الفنون. فهو لم يكتف ببلورة مواصفاته ومعاييره، والتقدم كنمط فني متمايز، بل بات أحد منابع الفنون الأخرى. ويبدو أن الفن السابع بنى ما يشبه قصة عشق مع هذا الفن بانتخابه أشهر الحكايات المصورة لينقلها إلى لغة بصرية سينمائية. مع ذلك لم ينل فن الحكايات المصورة حتى الآن مكانة مهمة في العالم العربي، العالم الذي يشهد أكبر أزمة في الثقافة والكتاب، وكأنه بات عالماً كارهاً للأوراق سواء حملت صوراً أم كلمات. أزمة تحتاج بحثاً في أسبابها، وفي معاني هذه القطيعة بين الناس والكتب، وإلى جهد رسمي وغير رسمي للمصالحة بينهما، كي تتسع العقول لخيال رحب، وأفكار أقل انغلاقاً، وكي يجد المبدعون مكاناً خصباً لإنتاجهم.. قريباً من جذورهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية