تتسارع الأحداث في غرداية، وتتجه شيئا فشيئا نحو عنف أكبر. تبدو الأمور خارج السيطرة، مع تأزم للأوضاع على كافة المستويات. السلطة التي بيدها الحل والعقد لا تزال تنظر إلى المشكلة على أساس أنها نتيجة نزاع وصراع ثنائي طائفي بالدرجة الأولى بين مكونين أساسيين من مكونات المجتمع الغرداوي، أي بين بني ميزاب والشعانبة، بمعنى آخر بين الميزابيين والمالكية. هذه النظرة القاصرة للأزمة في غرداية من طرف السلطة تجعلها تبحث عن حل سوسيو-اقتصادي بتغطية أمنية مناسباتية، في حين أن المشكلة أعمق بكثير من هذه النظرة السطحية. فما الذي يحدث بالضبط في مدينة غرداية؟ لا يختلف اثنان في أن المشكلة الحقيقية في الجزائر- مشكلة المشكلات- هي ما يتعلق بشرعية الحكم، فلطالما شعر النظام بالعزلة وعدم القدرة على مواجهة الأزمات أمام الطلب المتزايد للشعب على مختلف الحقوق لا سيما الأساسية منها. هناك جيل يحكم منذ 1962، هذا الجيل مصر على التمسك بالسلطة مدى الحياة، وهو ما يئد أحلام أجيال من الشباب، ويؤجلها إلى مواعيد مستقبلية غير محددة لا في الزمان ولا في المكان. الجزائر تُحكم بنفس الأفكار والأسلوب منذ أكثر من خمسين سنة(مع فشل واضح على مختلف الأصعدة)، في حين أن الشباب المتعلم-في عمومه- والمُعولَم لم يعد قادرا على الصبر أكثر أمام سلطة لا تأبه لحقه في استلام زمام الأمور، وحُكم نفسه بنفسه. هذا ما ولد لدى هؤلاء رغبة عكس القانون، ورفض للواقع المفروض عليهم عبر القانون ذاته أي القانون الجائر الذي يكبت رغباتهم، ويحطم آمالهم. في غرداية، كباقي مناطق الوطن هناك شباب يتطور، يبحث عن عيش كريم، وفرص أكثر. الشباب في غرداية يتعايشون منذ زمن بعيد، لكن فجأة يتحدث البعض عن وجود فتنة بين طائفتين، أو وجود مؤامرة للإيقاع بين المالكية والإباضية، لكن لا أحد تحدث عن الإقصاء الممارس منذ زمن بعيد على الإنسان في غرداية. لا أحد كانت له الجرأة ليسمي الأسماء بمسمياتها، ويضع النقاط على الحروف. يجب أن نقول بكل شجاعة أن الصراع الدائر بين طرفين في غرداية هو صراع من أجل البقاء بين فئة الشباب، هؤلاء الشباب الذين شعروا بأن القانون الذي من المفروض أن يكون مجموعة المبادئ التي تؤسس للعلاقات الاجتماعية صار يستخدم في كل مرة من طرف السلطة من أجل خدمة أفراد على حساب أفراد آخرين، أو من أجل خدمة جماعة على حساب أخرى، بمعنى أن القانون صار تدويريا انتقائيا، ويفرق ويميز بين أبناء الإقليم والوطن الواحد. إن هذه الممارسات خلقت بوعي أو دون وعي هوة عميقة بين أفراد المجتمع الواحد، وهو ما جعل الجميع في غرداية يعتقدون أنهم كانوا موضع خداع لمدة طويلة، ويطالبون بتفسيرات واضحة من طرف صناع القرار لذلك. هل هو صراع عرقي الذي يحدث الآن؟؛ يجب إذن تفسير السلوك الجماعي بطريقة علمية موضوعية بعيدة عن الانحياز، ودون تجنب للقرار، دون هروب للأمام، دون شراء للسلم الاجتماعي بتوزيع قطع أرضية، وإرشاء جموع الغاضبين بامتيازات خاصة. إننا في غرداية في أمس الحاجة إلى إيجاد الرابطة بين الديناميكية الفردية والديناميكية الجماعية، نحن في حاجة إلى البحث عن عناصر الالتقاء بين الأفراد والجماعات، عن عناصر الهوية المشتركة. إننا في حاجة ماسة إلى فهم الديناميكية الثقافية-السياسية التي تعد أساسية في تطوير الصراع العراقي، وتؤثر فيه من حيث التصعيد والإنهاء. إننا دون علم وتبصر لن نحقق شيئا، ولن نبلغ ما نريد. وحده المنهج المستنير، والإستراتيجية المبنية على الاستشراف، والإرادة السياسية الحقيقية ما يسهم في حلحلة المشكلات، ويدفع نحو الخروج من المأزق؛ دون هذا سنظل نضرب خبط عشواء، ونعقد المعضلة على أخرى، فتتراكم الإثارة و يحدث الانفجار !. أحمد بلقمري – الجزائر