سيكولوجيَّة المجتمع الإسرائيلي تحدد رؤيته لمفهوم السلام
21 - April - 2014
حجم الخط
0
يمكننا ملاحظة خمسة ملامح أساسية يختص بها البناء السيكولوجي لدى المجتمع الإسرائيلي وتُسهمُ في تحديد ثقافته الجمعية وفكر نخبه السياسية وتحديد رؤيته لمفهوم السلام، مع ضرورة التذكير بأنه من الصعب عزل وإقصاء عوامل ورواسب الثقافة والتاريخ التي تسكن الوعي الجمعي الإسرائيلي، عند تناول تلك الملامح التي أسهمت الى حد بعيد في صياغة الوعي الجمعي على الذَّات وعلى الآخر لدى ذلك المجتمع، وفق منهجيَّة تميَّزت بالشَّك والتَّوَجُّس وفقدان الثِّقة بنوايا الآخرين على الدَّوام. فقد أسهمت تلك العوامل مجتمعة والى حد بعيد في صياغة السيكولوجيا الشخصية والثقافية الجماعية بما يشملُ منهجية الوعي والسلوك لدى عموم أطياف المجتمع الإسرائيلي وبناه الأساسية كونها تُشّكِّلُ القاعدة الإجتماعية العريضة التي تفرز بالضرورة طبقاته السياسية القياديَّة ونخبه الفكرية، والتي صاغت في النهاية البناء الثقافي والسيكولوجي العام الذي إختصَّ به المجتمع الإسرائيلي دون غيره من المجتمعات ضمن دولة إسرائيل. هذه الملامح السيكولوجية الخمسة هي: أولاً: عمق الإيمان بمفهوم الإضطهاد. وثانياً: القلق الدائم من المستقبل، أو معضلة القلق الوجودي. وثالثاً: الشعور الدائم بالغربة الثقافية عن بيئة المنطقة. ورابعاً: الشعور بالذنب تجاه الآخر في الوعي واللا وعي، أو ما يمكننا تسميته بعقدة المطاردة. وخامساً: الشعور والإيمان بالتميُّز وبضرورة التفوُّق على المحيط كحق يرتبط بطبيعة وسيكولوجية النَّظرة الى الذَّات والى الاخر. هذه هي الملامح الأساسية لشخصيَّة المجتمع الإسرائيلي، والتي بدورها أفرزت جملة من المفاهيم، وحددت البيئة الثقافية والإجتماعية التي نشأت في القلب منها وعلى ضفافها النخبة والطبقة السياسية باطيافها المتعددة، من يمينٍ ووسطٍ ويسار ومن أحزابٍ دينية، والتي قادت وما زالت تقود المجتمع الإسرائيلي ودولة إسرائيل وتحدد معالم السلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، وتجاه المحيط الإقليمي والدولي وتجاه عملية السلام الجارية منذ اكثر من عقدين من الزَّمن. يرتبطُ عمق الإيمان بمفهوم الإضطهاد ، أو مفهوم كون اليهود ضحايا الإضطهاد القومي والإثني والدِّيني بالذَاكرة التاريخية القديمة، دينيَّاً وتولموديَّاً، وبالذَّاكرة الحديثة، ثقافيَّاً وتربوياً واجتماعيِّاً وسياسيَّاً وقوميَّاً والتي دأبت وحرصت أدبيات الحركة الصهيونية، وعلى ألسنةِ وباقلام منظريها على التذكير بها وترسيخها في وجدان الجاليات اليهوديَّة في كافَّة انحاء العالم منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وبشكل منهجي ومتواتر ومستمر، وكذلك لدى المجتمع الإسرائيلي بعد قيام دولة إسرائيل، واستُخدِم في سبيل تعزيز ذلك المفهوم وقائع ومجريات ما عُرِفَ بالمسألة اليهودية التي نشأت مع تبلور شخصيات المجتمعات الأروروبية الحديثة على الأسس القومية والجغرافية أو المذهبية المسيحية من كاثوليلك وأورثوذوكس، حيث برزت إشكالية تحديد الهوية الثقافية والقومية للجاليات اليهودية داخل المجتمعات الأوروبية، مع ما رافق ذلك من إغتراب وجداني وثقافي لدى تلك الجاليات مما دفعها للعيش ضمن الغيتوات، أو في الأحياء الخاصة باليهود والمغلقة في قلب وعلى هوامش المدن الأوروبية. ومع دخول أوروبا في صراعاتها القومية والمذهبية والتنافسية في مضمار التوسع والنمو والتمدد لبعض القوى الأوروبيَّة القديمة والناشئة داخل وخارج القارَّة الأوروبيَّة، ومع ما كانت تمثله الجاليات اليهودية هناك من مكانةٍ في مجال الحركة الصناعية والحرفية، وفي مجال الحركة المصرفية وإدِّخار الأموال النقدية، أو إحتكار الرَّساميل التي كانت تلك القوى الأوروبية بأمس الحاجة الى إستخدامها في مشاريعها الطموحة، فإنَّ ذلك قد أسهم في جعل الجاليات اليهودية محور إهتمام وتركيز للممالك وللحكومات وللدول الأوروبية على إمتداد القارَّة، إبتداءَ بقياصرة روسيا ومروراً ببولندا وبملوك النَّمسا وبحكومات الرَّايخ الألماني، وبملوك فرنسا وحكوماتها اللاحقة، وليس إنتهاءً بملوك وحكومات إنجلترا، وقد كان لذلك التركيز والإهتمام وجهان أحدُهما يقوم على ترضية زعماء تلك الجاليات للحصول على الأموال، والآخر قام إجتماعياً ووجدانياً على أساس إذكاء وتنمية بيئة الكراهية للجاليات اليهودية بسبب إحتكارها لبعض الصناعات والحرف وإضطلاعها بدورٍ رأسمالي كبير في حركة الصناعة، وحيازتها وادِّخارها للأموال الطَّائلة، ممَّا عزز من إشكاليَّة الوجود والدور اليهودي على مساحة القارَّة الأوروبيَّة، ووفر البيئة الإجتماعية والسياسية لعزلة واضطهاد الجاليات اليهودية، ووجد ذلك تعبيراً له مع إندلاع الحرب العالمية الثانية في كل من ألمانيا وبولندا والنّمسا على سبيل المثال، وقد مثَّلت إشكالية الهوية الثقافية والإنتماء القومي لليهود في أوروبا أهم ملامح المسالة اليهودية، وأهم دوافع ما يُسمَّى بالإنبعاث القومي على يد مؤسسي الحركة الصهيونية الأوائل، ومثَّل ذلك وفي سياقه التاريخي المعروف أوَّل جذر من جذور القضية الفلسطينية، حين تقاطعت مصالح ورؤى الحركة الصهيونية مع مصالح القوى الإستعمارية في المنطقة وابرزها إنجلترا، مما أفضى في النهاية الى قيام دولة إسرائيل، وإنشاء مجتمعها الذي قام على أساس بعث التراث واللغة والثقافة والوجدان اليهودي وعلى قاعدةٍ ميوثيولوجيَّة تاريخية، عزَّزت على الدَّوام مفهوم الخوف من العودة الى واقع الإضطهاد تربويَّاً ومنهجيَّاً وسلوكيَّاً. وعلى أساس هذا الإعتقاد والبيئة السيكولوجية العامّة نشأت عقدة الخوف من المستقبل، والقلق على المصير، أو القلق الوجودي الدَّائم، ونشأت عقدة الأمن، وحتَّى مع عدم توفر الشروط الواقعية والعوامل الموضوعيَّة والإمكانات الماديَّة لتهديد وجود إسرائيل لدى القوى المعادية لها، وعدم سماح البيئة الدولية بحصول ذلك، حيث إستمر ذلك القلق كأحد أهم العوامل التي تحدد معالم السلوك الإسرائيلي تجاه النظرة الى السلام والتعايش في المنطقة. ثُمَّ يأتي الشعور بالإغتراب الثقافي والحضاري عن بيئة المنطقة ليعزز من أثر مفهومي الإضطهاد والشعور بالقلق الوجودي، ويرتبط ذلك بالشعور العميق في اللا وعي والوعي في آنٍ معاً بعقدة المطاردة تجاه الضحية والتي تنشأ لدى الأفراد والمجتمعات التي ترتكب أخطاءً أو جرائم ضد أطراف معادية لها، أو تسلب حقوقها، أو تبني نفسها على أساس إغتصاب حقوق الآخرين، فتنشأ لديها عقدة الشك بنوايا الضحية دائماً، ويصبح لديها يقين بأنَّ الضحيَّة لا بد أن تسعى دوماً الى الإنتقام، وهكذا يُنْظر إسرائيليَّاً لحال العلاقة بين الشعب العربي الفلسطيني وإسرائيل، فالوجدان الجمعي الإسرائيلي يدرك هذه الحقيقة جيِّداً، وإن تظاهر بإنكارها، ولقد مثَّلت هذه المسألة مدار جدل داخل المجتمع السياسي الإسرائيلي بعمومه طوال العقود الماضية، فنجد أنَّ اليمين يتَّهم اليسار بأنَّه يعيش هذه العقدة، وبفعل هذه العقدة يندفع اليسار الى تقديم التنازلات، وهو ما عبر عنه صراحةً ‘بنيامين نتنياهو’ في كتابه ‘مكان تحت الشمس’، فيقول:’إنَّ اليسار يعيش عقدة المطاردة التي تقضي بأنني قد فعلت شيئاً سيئاً لأعدائي وبالتالي فإنَّهم سينتقمون منِّي، لذلك لا بد من إسترضائهم، بتقديم التنازلات لهم !!’. في هذا الإطار وعلى سبيل المثال يفسر نتنياهو سلوك اليسار الإسرائيلي تجاه منظمة التحرير الفلسطينية إبَّان التوقيع على تفاهمات أوسلو عام 1993. وفي هذا الإطار نُظر إسرائيلياً الى البرنامج المرحلي الذي طرحته منظمة التحرير منذ العام 1974 على أساس كونه برنامجاً يستهدف تصفية وجود دولة إسرائيل على مراحل، ولم يغير من هذه النظرة لدى اليمين الإسرائيلي ولدى الكثير من نُخب المجتمع الإسرائيلي، كل ما أعلنت وقامت به منظمة التحرير الفلسطينية من تغييرات منهجية وسلوكية عميقة تجاه الصراع مع إسرائيل. يُضاف الى كل ذلك الملمحُ الأخير الذي اشرنا إليه والمتعلَّق بالشعور والإيمان بالتميُّز وبالأفضلية وبضرورة التفوق، والذي بالمناسبة لا يمكننا فصله عن الملامح الأربعة السابقة، فالإيمان بالتميز وبضرورة التفوق يرتبط بالإرث التربوي المثيولوجي من جهة، ويرتبط بعلاقة المجتمع الإسرائيلي مع أصوله الأوروبية ثقافياً وحضارياً وعلمياً، وبما يعني ذلك من إيمانٍ راسخ لدى ذلك المجتمع بأنَّه يُمَثِّلُ أحد مظاهر الحضارة والمدنية الغربية في المنطقة، والإيمان بضروروة التفوق لحمايته من أي تهديداتٍ وجوديَّة، وهذه الثقافة وجدت وتجد من يصغي لها في الغرب، ويؤمن بها، بدافع المصالح الجيوساسية بالدرجة الأولى. كل هذه الملامح تتكامل وتتقاطع ويعزز أحدها الآخر لدى المجتمع الإسرائيلي، وحيثُ أنَّ كثيراً من الوقائع والأحداث، والحروب ودورات العنف، والتي إرتبطت أساساً بقيام دولة إسرائيل وبسلوكها تجاه العرب والفلسطينيين، مما جعل منها المحددات الأساسية، والقواعد الراسخة سيكولوجياً وسياسياً لدى نخب المجتمع الإسرائيلي في سلوكها وفي نظرتها تجاه عملية السلام منذ ان بدأت في نهاية السبعينيات من القرن الماضي مع مصر، مروراً بالمحادثات الفاشلة مع سوريا، وبتوقيع معاهدة السلام الباردة مع الأردن ووصولاً الى الفلسطينيين. إنَّه منطق السلوك الإسرائيلي الذي يقوم على أساس التوجُّس والشك وعدم اليقين، وعدم الثقة بنوايا الآخرين، وعلى أساس المطالبة بالحصول على ضمانات تطمئن إسرائيل نهائياً، وتزيل آثار ومفاعيل العوامل السيكولوجية ذات التأثير العميق في وجدان ووعي وسلوك المجتمع الإسرائيلي، فمن ذا الذي يستطيع توفير ذلك بما يقنع المجتمع الإسرائيلي بصياغة مفهوم جديد للسلام كحاجة وكضرورةٍ وكهدف على أسس جديدة غير التي كانت قائمة حتى الآن في الوعي والوجدان الإسرائيلي؟!.