تريد هذه (المقاربة) أن تقرأ رواية (اسم العربة أو الرجل الذي تحاور مع النار) التي أصدرها الروائي العراقي (زيد الشهيد) في العام 2013 عن المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت ،مستعيرا فيها واقعة التونسي (محمد البو عزيزي) الذي قام يوم الجمعة 17 كانون الأول/ديسمبر عام 2010م بإضرام النار في نفسه أمام مقرّ ولاية (سيدي بوزيد) احتجاجاً على مصادرة السلطات البلديّة في المدينة لعربته التي كان يبيع عليها الخضار، والفواكه كسبا لرزقه.
و(المقاربة) في سعيها الرامي إلى قراءة (اسم العربة…) تنطلق من زاوية نظر معروفة ترى في الرواية استعارة تمثيليّة كبرى تغطي بلاغتها المتن المرويّ كلّه لتنفتح اسلوبيّا على مجريات السرد، وطرائق تشكّيل الخطاب مبتدئة من رؤية (حميد لحميداني) الخاصّة ببلاغة الرواية الذي يرى أنّ المبدع في السرد لا يلجأ دائما وهو يبني استعارته التمثيليّة الخاصّة إلى ملكته الفرديّة الأسلوبيّة فقط، بل يقتبس أساليب غيره، وتصوّراتهم ،ويصنع من ذلك كلّه عالمه الخاص. ينظر: أسلوبيّة الرواية : مدخل نظري :62.
والاستعارة التمثيليّة – في البلاغة القديمة- نمطٌ من التشكيل المجازي الذي يكون المستعار فيه مركّبا لا لفظا مفردا في سياق بلاغيّ مجازيّ علاقته المشابهة تتحكم في صياغته (قرينة) تبعد النصّ عن أن يكون حقيقة من حقائق الوجود، بمعنى أنّ الاستعارة التمثيليّة تُبنى على وجود صورتين مركّبتين يحال الاجراء الاستعاريّ فيها على وجود المشبه أي المستعار، وهي بهذا التشكيل تسمح لأن تكون الرواية جزءا من فاعليّتها الفنيّة؛ لأنّها -الرواية- تستعير صورا مركّبة تركيبا حياتيّا مزدوجا يتمّ صهرها في مخيّلة الروائي بوصفها مشبّهات الصورة الأولى التي تنفتح على مداليل أخرى يتحكّم فيها تأويل المتلقي ليشكّل الصورة الأخرى.
رواية (اسم العربة…) تدخل في عداد الإجراء الاستعاري التمثيلي فالمشبه فيها، أو المستعار الذي تدور حول قطبه رحى السرد (واقعة البو عزيزي) ،وما يتشابك حولها من رؤى، وأفكار مشبّها به، أو مستعارا منه تتمدّد آفاقه في حدود تخيّل الروائي، وتخييل المتلقي، فالروائي استطاع أن يستعير الاطار العام للواقعة ،وحرص على أن يشكّلها باستعارات صغرى تتمثّل بالأسماء، والامكنة، واللهجة، فضلا عن الاستعارات الثقافيّة التي تعمل على تشكيل المتن الروائي تشكيلا قريبا من الواقع المعيش ،مع حرص الروائي على تلوين تجربته الواقعيّة المستعارة بما هو غرائبي لكي يبعد الرواية من فضاء (التسجيل) الذي يعمل بالضد من الفنيّة السرديّة التي هي هدف لكلّ نصّ محمّل بشحنات الشعر.
استعارة الأسماء:
استعارت الرواية أسماء الشخصيّات الفاعلة في تجربتها المحكومة بالواقعة الشهيرة ممّا هو شائع من الأسماء التونسيّة بهدف ربط السرد بالواقع نفسه فأسماء الشخصيّات تنفتح على فضاء تجارب حياتيّة مختلفة لكنها جميعا تقترب من الحدث المركزي ،أو من شخصيّة (البو عزيزي) لتبتعد قليلا في إطار التعبير عن اشكالاتها المختلفة.
إنّ حشد اسماء تونسيّة خالصة ممثّلة في:(منوبيّة)، و(قادري)، و(شادية)، و(جندوبي)، و(لطفي الجزيري)، و(خديجة بن عثمان)، و(حميدة)، و(فايز الجروالي)، و(صافية)، و(عائشة)، و(ليث السويسي)، و(صالح شقرون)، و(محمد كلوص)، و(أحمد بلقاسم)، و(بو زيّان)، و(فاروق وادي) ،و(عبد الحميد المرشدي)، و(بو دربالة)، و(عصرانة)، و(حمّالة)، و(هادية)، و(يحياوي)،و(سي صالح) من شأنه أن يجعل من تلك الاسماء مداليل استعارية تحيل على شخصيات لها مواقف واضحة من الحياة، والأفكار كما في استعارة شخصيّة: (لطفي الجزيري) التي تتماهى وشخصيّة المثقف العربي المحاصر بعيون الرقيب ،والعسس الذي ظل طوال حياته معارضا لكلّ اشكال القهر السلطوي فكان أن كافأته السلطة السابقة بـ(الاخصاء) لأنه شاعر يفكّر بطريقة تفارق تفكير السياسي المسلّط على رقاب البشر قبل التغيير، وربما بعده.
شخصيّة (الجزيري) بطابعها الإيجابي الإجتماعي مفتوح الشفرة تعطي تأكيدا يحيل على نمط المصادرة التي تعرّض لها المثقف العربي في العصر الحديث، وهي بالتأكيد تختلف من شخصيّة الشرطيّة (شادية) التي يحمل اسمها المفارق لسلوكها دلالة جميلة ، وكان همّها اليومي ملاحقة فقراء تونس بحجج القانون الأصمّ مجمّلة وجه السلطة المليء بالبثور الكريهة .
استعارة الأمكنة:
استعارت الرواية أمكنة تونسيّة لها صلة بواقع المادة المسرودة ،وهي أمكنة واقعيّة كما في المكان الأهم: (سيدي بو زيد) الذي هيمن على مجرى السرد بوصفه مكانا مركزيّا استعارته الرواية ليكون بؤرة سرد تتشظّى على أمكنة أخرى لها مساس بمجمل أحداث الرواية.
أمّا الأمكنة الأخرى التي استعارتها الرواية فتتوزع على المتن مشيرة إلى: (ميدان الجمهورية في سيدي بوزيد)، و(مقهى الخيّام)،و(معهد صفاقس للفنون الجميلة)، و(مقهى جندوبي)، و(بنزرت)، و(واحة قابس)،و(مدينة المزونة)، و(جبل فائق)، و(نابل)، و(سجن الكاف)،و(شارع منصف باي)، و(سجن القصرين)، و(سوق الكتبيّة)، و(جبل السودة)، و(ساحة القصبة وشارع الحبيب بو رقيبة)، و(جبل قارة حديد)، و(مقبرة قرعة بن نور).
وعلى الرغم من أنّ استعارات الأمكنة في الرواية تنتمي إلى ما هو واقعي إلا أنّ الروائي: (زيد الشهيد) استطاع بوساطة اللغة ان يأخذ بذلك الواقعي الى حدود التخيّلي الذي يتيح للمتلقي أن يغرف من الرواية أمكنة موّارة بالشجن الإنساني، وهذه فضيلة أخرى للرواية التي لم تسقط في فخ المباشرة، واستنساخ الواقع.
الاستعارات الثقافيّة:
استعارت الرواية جملة من الأنساق الثقافيّة التي تتعلّق بالأدب الروائيّ ،والقصصيّ العربيّ، والعالمي، ففي الصفحة السابعة والثلاثين من الرواية يتحدّث الروائيّ على لسان (الجزيري) وهو يقرأ على صفحة من صفحات كتاب معروض للبيع إهداء قديما: (عزيزي ليث السويسي: كان على السرد أن يرسم حياة من جاهدوا وتعذّبوا فلا ينسى أنّهم لفظوا الانفاس على أعواد المشانق لغد بهي للأجيال …) في إشارة إلى وظيفة مهمّة من وظائف السرد التي تتعلّق في أيام المحن التاريخيّة التي على فن السرد أن يمثّلها تمثيلا دقيقا.
وللرواية أن تجعل (الجزيري) نفسه يتأمّل (محمد البو عزيزي) الذي يذكّره بأحّد أبطال (تشارلز ديكنز) المعدمين وجلّهم صبيةٌ استلّهم في كتاباته من واقع لندن البائس في القرن التاسع عشر، أولئك الذين لا ينتشل فردا منهم غير الحظ يوم يبتسم له رافعا إيّاه إلى الطبقات الأوفر مالا ،كما حدث لـ(أوليفر تويست)، و(البو عزيزي) فضلا عن ذلك يذكّر الجزيري بـ(كبس) الفتى الذي دفع به (أج. جي .ويلز) ليعيش وسط مجتمع رأسمالي نهم.
وتظهر سلطة السرديّات العربيّة واضحة في تفوّهات بعض شخصيّات الرواية فأحد الشخصيّات يجلس ليلا متشوقا إلى قراءة روايات نجيب محفوظ، ومحمد عبد الحليم عبد الله، ويوسف السباعي، وزكريا تامر ،ويوسف إدريس واجدا نفسه في سحر السرد، متأملا أسلوب زكريا تامر الذي يقطّر مرارة وألما، والتشوّق هنا يكشف بلا شكّ عن أثر السرديّات العربيّة المعروفة في الذاكرة المعاصرة، ومظاهر إعادة إنتاجها.
وترد في الرواية أسماء كتب نقديّة مهمّة منها كتاب: (صورة ديريدا) لمؤلّفيه جايتر سبيفاك، وكريستو لوريس، وكتب في السرد انتخب منها كتاب: (اعداد الرواية) لرولان بارت، الكتابان يعدّان من الكتب التي كان لها تأثير مباشر في قناعات المثقفين المعاصرين.
وتقرأ في الرواية أنّ (قادري) في طريقه لأن يحصل على رواية (العطر) لزوس كند التي سبق لفايز الجروالي أن عرض أهمّ أفكارها في مناسبة سابقة، وهي تسرد حال فتى وُلد في أسوإ أسواق باريس قذارة ليلتقطه صانع عطور ويجعل منه أبرع عامل يستخلص العطر من أجساد الفتيات الجميلات المختطفات، وهي رواية تذكّر محمد برواية (البؤساء) لفكتور هيجو التي كانت ضمن منهاج كتاب المطالعة في المرحلة الأولى من الدراسة المتوسطة بالفرنسيّة المبسّطة.
الاستعارات الخاصّة بالسرد هي استعارات (الروائي) نفسه الذي تغذّت ذاكرته بمتون الأدب السرديّ العربيّ، والغربيّ منذ أن رأى في السرد مجالا يستحق البحث والعناء، والابداع.
ولا تتوانى الرواية من الحديث عن الصحف التونسيّة لا سيّما صفحاتها الثقافيّة التي ينشر فيها (الجزيري) قصائده مثل: (الصباح)، و(الصحافة)، و(الحرية)، و(مجلة الحياة الثقافية) التي ما انفكّت هي الأخرى تنشر نقدا عن شعر الجزيري نفسه.
وتستعير الرواية حكايات كثيرة عن الموسيقى والغناء: فصورة (شاكيرا) وهي تغني في بطولة رياضيّة أفريقيّة تظهر بوصفها صورة (لابتوب) قادري، وموزارت يظهر، وجايكوفسكي، والأدوات الموسيقيّة في الرواية لتؤكّد انسجام المثقّف التونسيّ المعاصر مع ما يحيط به من فن وفكر.
ولكي تتماهى الرواية مع الحياة التونسيّة بكلّ تشعّباتها فقد عمدت إلى استعارة اللهجة التونسيّة لتدخلها متن الرواية ففي واحدة من افضاءات (قادري) الروحيّة التي يمارسها في المقهى وهو متأثر بصوت المطربة (نبيهة كراولي) الجنوبي العذب الصادح ترد عبارة: (محلاها كحلة الانظار) فيكمل قادري: (يتباهى بسر وخطار).
ولا تتوانى الرواية من استعارة اغنية أخرى من أغاني نبيهة :
ايجه.. ايجه نقــــــــولك ما نعرفش فين لاقيتك
محلاك محــــلى سـرّك من أول مرّة حـــبيتك
وانت علاش تتخبه عليّ أنا اللي تعنيت وجيتك
وتستعير الرواية من الفلكلور التونسي أشياء لا يعرفها القارئ العراقي منها اختيار أحد اصدقاء العريس في ليلة الزواج لأن يكون (سلطانا) أي مرافقا للعريس منذ اللحظة التي يبدأ بارتداء بدلة العرس، والدخول في دائرة المراسيم الاجتماعيّة.
ولعلّ أهم التلوينات الأسلوبيّة التي جعلت الرواية تفارق المنحى التسجيلي وتتألق في المتن بروز أكثر من شخصيّة تتولى تقديم السرد أي عدم الاقتصار على شخصيّة (البو عزيزي) في تقديم المادة المحكيّة، فضلا عن اعتمادها الهامش، والتشكيل الغرائبيّ في صوغ خطابها:
الهامش السردي:
غالبا ما يوظّف الهامش في الرواية المعاصرة بهدف إضاءة المتن، أو تفسيره، أو الاشارة إلى أهميّة ما فيه ،وقد عدّه النقاد نصّا موازيا لمتن الرواية، و(مناصا) يتضمن احالات ضروريّة لإدامة السرد ، وتشكّل تلقيه ، وهو فضلا عن ذلك ظاهرة تقنيّة تدخل في مجال التجريب، والتحديث الذي لحق كتابة الروائيّة الجديدة.
في رواية (اسم العربة…) يتكرّر الهامش السردي في (سبع) حالات مؤدّيا وظيفته الإحاليّة على أتم وجه ، ففي صفحة عنوان الفصل الاوّل ينهض الهامش بوظيفة احالة القول: (هذه إذا السيدة الصغيرة التي اشعلت الحرب الكبيرة) على الرئيس الامريكي إبراهام لنكولن وهو يلتقي مؤلفة رواية (كوخ العم توم) التي صدر على اثرها قانون تحرير العبيد الذي ادّى الى اندلاع الحرب بين الأمريكيين 1861م،أي أنّ الهامش أسهم في الربط الدلالي بين الخبر السابق، وتأويل خبر واقعة (البوعزيزي) التي اشعلت الحرب العربيّة تجاه أنظمتها الفاسدة.
وفي الصفحة الثانية والاربعين يخبرنا السارد أنّ الايام حملت (شقرون) إلى العاصمة التونسيّة لكنّ الهامش في أسفل الصفحة يسرد سردا آخر يتعلق بالأيام نفسها وهي تحمل محمد كلّوص، وأحمد بلقاسم إلى واحة (قابس) فلم يعرفوا بعدها (سيدي بوزيد) إلا في مناسبات الأعياد…أي أنّ الهامش تضمّن دلالة أرادت أن تؤكّد ابتعاد هؤلاء عن مدينتهم تحت ضغط طلب الرزق.
وفي الصفحة الحادية والستين يحيل الهامش على كلام للرسام العالمي (غوغان) استعاره الروائي من كتاب (الآن باونيس) الفن الأوربي الحديث الذي ترجمه فخري خليل لغرض التوضيح ليس غير، وهو غير الهامش في الصفحة السابعة والستين الذي يخبر عن سفر (البو عزيزي الأب) إلى (ليبيا) للعمل عشر سنوات فيها عامل بناء، وهو هامش اخباري يوازن بين عملين مارسهما الرجل في حياته.
أمّا هامش الصفحة السبعين فهو أطول هوامش الرواية فقد تجاوزت اسطره التسعة تلك الصفحة إلى المجاورة لتأخذ منها اربعة عشر سطرا ليكون حجمه ثلاثة وعشرين سطرا سرد الروائيّ فيها وجهة نظر البوعزيزي التي تتأمل بناية الولاية من الداخل بأسلوب وصفيّ انتقاديّ لا يخلو من الجمع بين السخرية، والتحسّر، وتضمن الهامش أيضا وجهة نظر الروائي التي كانت في خلاصتها تأكيدا لوجهة نظر (قادري) الواصفة لحال المهدي بن عيسى.
وللمتلقي أن يقف عند هامش الصفحة المئة الذي يتحدث عن ندم (بو رقيبة) من تقريبه زين العابدين بن علي الذي (خوزقه) في اشارة كنائيّة إلى وضع الثقة في غير مكانها، وفي الصفحة الحادية والعشرين بعد المئة يشير السطر الاوّل إلى أنّ (الجزيري) صار بفضل الشبكة العنكبوتيّة يحصل على ما يريد من إصدارات جديدة كانت حتى الأمس القريب في عداد الأمنية ، وقد وضع الروائيّ فوق كلمة (الأمنية) نجمة هامش تحيل في الأسفل إلى أنّ الجزيري في عودته الى (سيدي بو زيد) لم يجلب معه سوى ملابس يرتديها وعشرين صندوقا مليئة بالكتب وقد سخر منها من حملها وسائق السيارة الذي تولى نقلها، والسخرية هنا نمط من التفكير المفارق الذي يشير صراحة إلى اختلاف ثقافة التعامل مع الكتب عند الناس، ويستطيع المتلقي أن يوازن بين دلالة (المتن)، ودلالة (الهامش) ليكشف مقدار التطور الذي طرأ على وسائل الحصول على الكتاب.
الغرائبيّة:
يخرج الفضاء الروائي في رواية (اسم العربة…) إلى المستوى الغرائبيّ الذي تتجاوز فيه مخيّلة الروائي الأطر الواقعيّة مدخلة المتلقي في حدود ما هو خارق للعادة ، ومباين للمألوف بهدف ايجاد سرد ملوّن بما هو مدهش، وعجيب.
و(الغرائبيّة) أسلوب مخيّل يعمد فيه المؤلف إلى معاينة الواقع بعين مغايرة ترى ما لا نرى لتشكّل صياغات نصيّة لوقائع مختلقة سمتُها التغاير المبني على مفارقة العقل، والواقع، والدخول في فضاءات تتعارض ومعياريّة التقنين الحياتي، وهي في السرد المعاصر تنحت متنها بتقانات عالية اللغة محكمة الرؤى همّها اختراق المألوف، والدخول في أعماق الروح التي شرختها اشكالات الحياة المعاصرة.
في الصفحة العاشرة بعد المئة من الرواية شُبّه لمحمد البوعزيزي تحت تأثير جميل القول، وغمرة النشوة بالعمل اليومي, ورغوة الابتهاج به أنّ (عربته) تستحيل كائنا له قدرة الطيران، وكما لو أنّه في حلم بهيج وجدها ترتفع عن اسفلت الشارع ينبثق لها جناحان فتطير فعلا، ويطير معها يبيع بضاعته بلمحة بصر ثم تأخذه مجموعة من الشباب مكلّلا بالورد، والترحاب يدخلونه قصرا ليعيش بما تطيب له النفس ،و ما يفخر به الجسد ليصير خليفة ،أو سلطانا فيما تتحول العربة إلى عربة ملوكيّة تناديه، وتقهقه لما جرى لها فيُشبّه له أنها تطير فتطير، ليتيقن أنّه خارج الزمن لكنّه وهو طائر فيها تصدمه غربان ترتعد فتتهشم دواخله، ويتنبه إلى صورة مركبة البلدية التي تطارده في رزقه آتيه من رأس الشارع ليعود بعدها إلى كامل وعيه.
ما قدّمته الرواية من صورة غرائبيّة يفصح عن بساطة أفكار الرجل، وطرائق تأمّله للحياة المرتبطة بالخضوع للرؤيا التي تمارس تأثيرها الكاذب في تغيير أسلوب حياته.
وتظهر الصورة السرديّة بشكلها الغرائبي مرّة أخرى مقرونة بشخصيّة الشاعر (الجزيري) الذي عادة ما ينهض صباحا فتستقبله صورة لوركا على غلاف كتاب ببدلته البيضاء، وربطة عنقه البنيّة الداكنة من وراء الزجاجات الشفّافة يترجل هابطا ليشاركه المنضدة، ويرتشفا القهوة سويّة ليتحدثا عن همومهما السياسيّة، ومشاريعهما الأدبيّة، ويتحاورا في شؤون السياسة والثقافة ،وحين يشعر لوركا أنّ (الجزيري) ضحيّة من ضحايا السلطة يعود ليتحنط خلف زجاج المكتبة.
وتنهض الغرائبيّة في شكلها الذي يستفز الذاكرة الرتيبة في الصفحة الحادية والخمسين بعد المئة حين تتسلّل أصابع ملك الموت في حلم ذات ليلة حول رقبة ابن عم صديق (قادري) وهدفها إماتة الرجل ،وفي اللحظة الأخيرة يسأل ملك الموت زبونه: ألست راضي بن سالم المرزوك؟ فيجيب صادقا: كلا هو جاري أمّا أنا فراضي بن سالم الجمل، عندها يغادر الملك ليقبض على روح المرزوك، ثم تشيع الحكاية لتكون فصلا من فصول النزاع بين عائلتي(المرزوك)، و(الجمل)…. التشكيل الغرائبيّ هنا مصدره تداوليّة الحكايات التي تؤكّد وقوع حالات شبيهة لما جرى للمرزوك مع أنّ الحكاية تتضمن نقدا اجتماعيّا مغلّفا لطريق النزاع بين الطرفين.
ولمتلقي الرواية أن يعترف بمهارة الروائي وهو يجمع خيوط السرد، ويضعها في واجهة التلقي مستحضرا الزمان التونسيّ ،فضلا عن أسماء النباتات ،والفواكه ،والأشربة الغريبة عن الثقافة العراقيّة مثل: الجرجير وهو نبات ذو فاعليّة جنسيّة ،والمنغا وهي فاكهة، وليم قارص: شراب ليمونيّ ،وشراب المكياط، واللاقمي: الشراب الذي يستخرج من النخيل.
وتكشف الأوراق الأخيرة من الرواية عن المستوى التداولي للاستعارة التمثيليّة للرواية مقترنا بتشظي نسقها العام إطارا، ومحتوى على تجارب عربيّة نحت منحى (البو عزيزي) في المغرب، والجزائر، وتونس نفسها، ومصر، والعراق، والأردن لتكون الرواية في شكلها النهائيّ استعارة تمثيليّة كبرى يمكن قراءتها ،وتفكيك خطابها.
*ناقد وأكاديمي من العراق