لندن ـ ‘القدس العربي’ : لقي إعلان الحكومة السورية عن موعد الإنتخابات الرئاسية في 3 حزيران/يونيو المقبل ردود أفعال دولية ساخرة، خاصة أنها تأتي في ظل ظروف حرب أهلية تمر بها البلاد، دمرت معظم بناها التحتية، وعطلت معظم مؤسسات الدولة في دمشق، وشردت ثلث السكان، وقتلت أكثر من 150.000 سوري.
ووصقفت المعارضة السورية القرار بالغريب وانتقدته الأمم المتحدة حيث رأت فيه تقويضا للجهود السلمية. ويتوقع المراقبون فوز الرئيس بشار الأسد لولاية جديدة مدتها سبعة أعوام حالة أعلن ترشيحه.
وجاء إعلان المتحدث رئيس مجلس الشعب السوري محمد اللحام في وقت أعلنت المعارضة السورية عن تلقيها أسلحة متقدمة من أمريكا كي تدمر دبابات الأسد.
وتقول صحيفة ‘نيويورك تايمز’ إن المعارضين للأسد رفضوا الإنتخابات باعتبارها ‘مسرحا سياسيا’ فيما اعترف داعمون للرئيس بصعوبة عقد الإنتخابات وسط حرب أهلية شردت 9 ملايين من الشعب السوري، وخرجت فيها مناطق واسعة عن سلطة الحكومة السورية.
وحتى الآن لم يعلن الرئيس السوري عن ترشيح نفسه رسميا إلا أن الجميع يتوقعون خوضه الإنتخابات كما أن الأسد ألمح في عدد من التصريحات العامة عن نيته المواصلة في الحكم لولاية جديدة. ونظر لزيارة الأسد لبلدة معلولا المسيحية حيث احتفى الإعلام السوري بها على أنها حملة انتخابية خاصة أنها من الزيارات النادرة خارج دمشق، وجاءت في وقت احتفالات المسيحيين بعيد الفصح المجيد، وبعد سيطرة القوات السورية على البلدة واستعادتها من يد قوات المعارضة.
وتقول الصحيفة ‘لقد سهلت التغييرات الأخيرة أمام مرشحين مقربين من النظام المجال للترشح فيما تم استبعاد الرموز المعارضة المعروفة. فالدستور الذي تم تبنيه في عام 2012 يقضي بتقدم أي مرشح بتقرير مكتوب يحصل فيه على دعم 35 عضوا في البرلمان السوري وهو أمر لا يتوفر لمن يعارضون النظام.
كما يحرم القانون أي شخص قضى 10 أعوام في الخارج ويحمل جنسية أخرى مما يعني استبعاد كل أعضاء الإئتلاف الوطني السوري الذي يحظى باعتراف دولي’، ويرى الإئتلاف في الإنتخابات مهزلة ولن يشارك أي من أفرادها فيها.
أسلحة متقدمة
وتضيف الصحيفة ‘رغم قيام قوات الأسد بتعزيز مواقعها في العاصمة وما حولها إلا أنها لم تكن قادرة على إخراج قوات المعارضة من عدد من المناطق الأخرى’.
وعلى خلاف ما يجري من حديث عن تراجع لقوات المعارضة إلا أن صور الفيديو التي وضعت على الإنترنت تبين تلقي المقاتلين أسلحة فتاكة، فقد أظهرت أفلام فيديو صورا لمقاتلين تابعين لمجموعة يطلق عليها اسم ‘حركة حزم’ وهم يطلقون صواريخ من صنع أمريكي على دبابات تابعة لقوات الحكومة.
واعترف حمزة الشمالي، أحد قادة المجموعة في مكالمة هاتفية أن جماعته تلقت ‘عددا محدودا’ من الأسلحة الجديدة أرسلتها ‘دول صديقة’ بمن فيها دول غربية. وقال ‘هذه هي المرة الأولى التي نتلقى فيها صواريخ من الخارج’. وكانت المعارضة المسلحة قد طالبت بتزويدها بأسلحة وصواريخ متقدمة كي تكون قادرة على مواجهة ترسانة الأسد العسكرية وطائراته التي تقوم بإلقاء ‘البراميل المتفجرة’ على المناطق المدنية.
لكن الولايات المتحدة عارضت تزويدهم بها خشية وقوعها في يد الجهاديين. ونقلت الصحيفة عن مصطفى العاني من مركز الخليج للدراسات قوله إن الذخائر والأسلحة المضادة للدبابات تمثل تخفيفا في الموقف الأمريكي وقد تكون أرسلت لاختبار قدرات جماعات معينة لاستخدامها بطريقة صحيحة.
بين مصر وسوريا
وفي تعليق على موسم الإنتخابات العربية وسوريا جزء منها كتب الصحافي مارك لينش في صحيفة ‘واشنطن بوست’ أن الإنتخابات في مصر وسوريا والجزائر تهدف إلى قتل الشرعية الديمقراطية وإعادة الوضع العربي لوضع ما قبل الإنتفاضات العربية في عام 2011 أي’انتخابات الديكتاتوريات’.
ورغم أن الإنتخابات في هذه الدول الثلاثة إضافة للعراق المقرر عقد انتخاباته نهاية الشهر الحالي تغطي ما مجموعه 183 مليون نسمة او نسبة 50′ من سكان العالم العربي إلا أن قلة في العالم العربي تنظر إليها نظرة جدية. ويقول لينتش إن ‘العمليات الإنتخابية في سوريا ومصر والجزائر تفتقر إلى أدنى معايير العملية الديمقراطية: أي من ناحية كونها حرة ونزيهة وتقود إلى مؤسسات ذات قوة حقيقية ‘. مشيرا إلى أن الإنتخابات المصرية ستجري في حالة من ‘القمع والإستفزاز والإعتقالات وتحيز المؤسسات’.
مهزلة
ويعلق على سوريا وانتخاباتها المقبلة أنها ‘ستكون مهزلة تعقد في وسط حرب أهلية ووحشية طائفية’.
ويقرأ الكاتب موجة الإنتخابات العربية في ظل عودة النظام القديم الذي كان يفوز فيه الحاكم الشمولي مثل حسني مبارك وزين العابدين بن علي بنسب عالية في انتخابات مبرمجة تفتقر للمشاركة الحقيقية ولا يعول عليها الناس الكثيرمن الآمال. لكن انتخابات اليوم تأتي بعد موجة من الثورات العربية رفعت آمال الناس وأعطت الجماهير العربية أملا جديدا. فقد كان هناك سبب للأمل في تحقيق شيء من الإنتخابات العربية،حيث جرت انتخابات حقيقية حرة ونزيهة، انتخابات ذات معنى في تونس وليبيا ومصر، و’حاولت البرلمانات والرئاسات في هذه الدول تأكيد شرعيتها وسط اضطرابات وحراك وتنافس اجتماعي واستقطاب تبع هذه الإنتخابات’.
ويشير الكاتب هنا إلى الفرصة الضائعة التي كانت ستؤدي لولادة شيء جديد من انتخابات ما بعد الثورات العربية من مثل احتمال انتخاب حكومات ممثلة وعرضة للرقابة وتسمح بتداول سلمي للسلطة.
كل هذا ‘ انتهى الآن فقد تعرضت فكرة الشرعية الديمقراطية لإصابة قاتلة’ مما يعني أن قلة من الجولات الإنتخابية الحالية تمت بصلة إلى ‘الشرعية الديمقراطية’. ويربط لينتش في قراءته لوضع الإنتخابات الحالية وأدبيات ما قبل الإنتفاضات العربية حول الإنتخابات الديكتاتورية والتي لخصتها بشكل جيد عام 2009 جينفر غاندي وإلين لاست في مقال مهم وجاء فيه أن الإنتخابات في ظل الأنظمة الشمولية تخدم عدة أهداف لا تتعلق أبدا بتداول السلطة السلمي أو فرض المحاسبة على النخبة الحاكمة أو تمثيل لمصالح المواطنين.
وتقدم الجولات الإنتخابية هذه وكما ناقش جيسون بروانلي ‘صمام الأمان للأنظمة، وتخدم كمسرح سياسي وتنشط شبكة الرعاية’. ويربط الكاتب أيضا بين الحالة السورية والمصرية حيث يرى أن الوظيفة الرئيسية لهذه الإنتخابات هي محاولة التخلص من ظل الحرب والعودة للحياة الطبيعية بعد فترة من عدم الإستقرار، وتمثل في حد ذاتها استفتاء على النخبة الحاكمة بحضور رمزي للمعارضة. ففي مصر وسوريا هناك محاولة لإدارة الظهر لما شهده البلدان خلال الأعوام الثلاثة الماضية من اضطرابات.
ويستبعد الكاتب نجاح الإنتخابات في ظل حمام الدم السوري، وتصاعد دوامة القمع والعنف في مصر. ويعتقد أيضا أن كلا النظامين سيتعامل مع الإنتخابات كوسيلة لحرف الإنتباه عن القضايا المهمة مثل السجناء السياسيين أو العنف المتواصل، وفي الوقت نفسه تعزيز الوضع القائم.
بناء الشرعية
أما الهدف الآخر من هذه الإنتخابات فهو ‘إعادة بناء الشرعية في الخارج، فانتخابات كهذه تطمح لتقديم صورة عن عملية ديمقراطية كافية لإقناع الداعمين الدوليين مثل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية لتطبيع العلاقات معها بعد الإنقلاب والقتل والإعتقالات الجماعية (مصر) أو بعد جرائم الحرب المروعة والوحشية البربرية (سوريا)’.
ويحاول النظام المصري تسويق انتخاباته على أنها استمرار لخريطة الطريق التي أعلنها قائد الإنقلاب بعد عزل محمد مرسي. وفي الوقت الذي قد تنجح المحاولة المصرية نظرا لرغبة العواصم الغربية إعادة العلاقات مع النظام الجديد وبضغط من دول الخليج الداعمة للنظام إلا أن ‘المناورة السورية لن تجد داعمين لها في الخارج’. ويعتقد الكاتب أن الإنتخابات في مصر وسوريا تهدفان لإحباط أي محاولة لتغيير النظام، خاصة أن شرعية النظام لا تزال محل تساؤل في ظل سجن الرئيس المنتخب محمد مرسي، ولهذا فانتخاب السيسي يهدف لإنهاء شرعية مرسي. أما في سوريا ففكرة ترشح الأسد للرئاسة ستقضي على الجهود الدولية لتشكيل حكومة انتقالية تشرف على الإنتخابات بدونه.
إتفاقيات الهدنة
بعيدا عن الإنتخابات وفي تقرير لصحيفة ‘كريستيان ساينس مونيتور’ لفتت الإنتباه إلى اتفاقيات الهدنة بين النظام والمعارضة في المناطق المحيطة بدمشق، ونقلت عن قادة المقاتلين قولهم إنهم يوافقون على الإتفاقيات لأن البديل هو الجوع. وتقول الصحيفة إن معظم الإتفاقيات التي جرت في المناطق المشتعلة حول دمشق لم تصمد كثيرا وفي غالب الأحيان أضعفت بسبب الإنتهاكات لشروط الهدنة.
وفي هذا السياق تنقل عن أبو فهد وهو مقاتل من حي برزة تحول بيته لأنقاض ويقبع أحد أبنائه في السجن قوله ‘نأمل بتحسين الأمور وأن يتمكن الطرفان العيش مرة أخرى مع بعضهم البعض’.
وترى الصحيفة أن ‘خلف سلسلة اتفاقيات الهدنة الهشة يقف عامل التعب من استمرار الصراع الذي دخل عامه الرابع، وإلى جانب هذا فقد أدى استمرار القصف والحصار لحرمان المقاتلين من الطعام والمواد الضرورية، حيث تم خنق المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون، ومن أجل تخفيف الحصار كان على المقاتلين الموافقة على الهدنة، والرسالة واضحة: استسلموا وسنقدم لكم الطعام، أصمدوا وستعانون’.
وتشير الصحيفة الى أن الحكومة السورية تصور سلسلة اتفاقيات الهدنة على أنها خطوات في اتجاه ‘تحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الصراع في الأحياء ولكن مصادر المعارضة تقول إن الموافقة على اتفاقيات الهدنة ما هو إلا إشارة واضحة عن حاجة المقاتلين لإنهاء عمليات التجويع- تكتيك للنجاة، وليس خطوة نحو تحقيق السلام الدائم’.
وتنقل عن لؤي حسين رئيس ومؤسس ‘تيار بناء الدولة السورية’ قوله ‘معظم المناطق التي يقول النظام إنه نجح في وقف إطلاق النار فيها مثل ببيلا وبرزة، هي في الحقيقة محاصرة من قبل الجيش الذي يرفض إدخال المواد الغذائية والدواء للمدنيين’.
ويضيف ‘أول خطوة لتحقيق وقف إطلاق النار هي إدخال الطعام للناس المحاصرين، وعليه فليس هذا وقف إطلاق نار’.
وتنقل عن أبو فهد الذي يعيش في برزة حديثه إنه بعد أشهر من الإتفاق هناك حالة غليان وعدم رضى من السكان . وتقضي الإتفاقيات وعودا بالإفراج عن السجناء، ولكن لم يتم إطلاق سراح سوى عدد قليل من الأسماء الموجودة على القائمة منذ توقيع الهدنة في 5 كانون الثاني/يناير كما لم يصل من المواد الغذائية إلا كميات قليلة، وفي الوقت نفسه يشكو السكان من استمرار مضايقة قوات الأمن لهم.
وتشير الصحيفة إلى كارثة مخيم اليرموك الإنسانية والمحاصر منذ تموز/يوليو الماضي حيث توفي حوالي 200 شخص جراء الجوع حسب تقرير لمنظمة أمنستي انترناشونال التي اتهمت النظام باستخدام التجويع كسلاح في الحرب.
ورغم الموافقة على سلسلة من اتفاقيات الهدنة إلا أن الطعام الذي أدخل إلى المخيم لم يكن كافيا لسكانه الباقين فيه 20.000 نسمة.
وفي برزة عاد عدد من السكان الذين فروا من بيوتهم ليجدوها قد دمرت وأصبحت ركاما، وبعد الإتفاق عادت المياه والكهرباء التي انقطعت لأشهر، وسمح الجيش بدخول شاحنتين محملتين بالمواد الغذائية. وتنقل عن أم فادي التي عادت إلى برزة ‘يمكن للناس العودة الآن، ولكن بيوتهم مدمرة، فلماذا يعودون؟’. ويؤكد خيري سمان مدير مكتب وزير المصالحة الوطنية أن اتفاقيات الهدنة ليست استسلاما مفروضا ‘لا نريد ان يشعر المقاتلون أنهم ينتصرون، لكن الجميع منتصر، لأن الناس يقتلون’. ويضيف أن ما يطلب من المقاتلين هي شروط عادية لتوقيع الهدنة ‘تعتقد أن الشروط معقدة وسياسية ولكنها ليست كذلك، فعادة ما يريدون عودة أحبائهم والعودة لحياتهم الطبيعية’. وقدم السمان وثيقة من مكتب الأمن القومي وفيها أسماء 150 من المقاتلين الذين سلموا أسلحتهم كجزء من اتفاقية هدنة في حمص، وتم شطب أسمائهم من قوائم المطلوبين. ويقول علي حيدر، وزير المصالحة أن الكثير من المقاتلين الذين يريدون التخلي عن القتال ‘يعتقدون أن لا مستقبل لهم ونعمل على حالاتهم وننجح في بعض الأحيان ونفشل أحيانا خاصة عندما يكون لهم قادة أجانب’.
دراسة
وبحسب دراسة أجرتها كلية لندن للإقتصاد ومركز ‘مداني’ وهو منظمة بريطانية غير حكومية تدعم المجتمع المدني السوري ودرست فيها 35 اتفاقية هدنة محلية، للبحث عن العوامل التي تؤدي لنجاحها وفشلها.
ووجدت أن العامل الأهم بعيدا عن غياب الأرادة السياسية من جانب الحكومة هي التدخلات الإقليمية والدولية. ففي حمص أفشل التنافس السعودي ـ الإيراني المفاوضات بين الحكومة والمقاتلين. أما المحادثات حول حصار مخيم اليرموك فقد عقدتها الخلافات بين الفصائل الفلسطينية. ويرى الباحثون أن اتفاقيات الهدنة كانت ناجحة في المناطق التي كان التدخل الإقليمي في أدنى مستوياته كما في حالة برزة.
وهناك أيضا عوامل خاصة في كل منطقة ، فبرزة كانت تعيش صراعا طويلا مع حي عش الورور، والذي تسكنه طبقة عاملة من العلويين، وبعد سنوات من القتل والإختطاف تعب الطرفان. ويقول أحد أعضاء لجنة المصالحة برزة ‘لم تكن مشكلتنا مع النظام ولكن مع عش الورور’.
ويقول ‘فهم سكان برزة أنهم لن يستيطعوا التخلص من النظام، واكتشف سكان عش الورور أنهم لن يكونوا قادرين على إصلاحه ولهذا قررنا الجلوس والحديث’.