ترجمة وتقديم عبد المنعم الشنتوف: يقترب هذا النص الذي نقدم ترجمته العربية من الفضاء الرمزي والمادي لحي اليهود في مدينة مكناس المغربية إبان القرن التاسع عشر الميلادي والذي يعرف باسم الملاح.
ويسعى الرحالة والروائي الفرنسي بيير لوتي 1850/1923 في هذا الفصل المثير من حيث روائحه وألوانه وتمثيلاته إلى القبض على السمات المائزة لهذا الفضاء ومظاهر الاختلاف التي تفصله عن السياق الإسلامي الذي يحتضنه. يجدر بنا التذكير في هذا المعرض بأن هذه الكتاب المثير شكل تدوينا لتفاصيل مشاهدات الكاتب الذي كان ضابطا في سلاح البحرية الفرنسية وعضوا في سفارة فرنسا إلى السلطان الحسن الأول. يتعلق الأمر في هذا النص بتمثيل دال لثنائية المركز والهامش في المتخيل المغربي على وجه التخصيص والذي يبقى مدموغا بقوة التمثيلات السوسيو تاريخية والثقافية التي ترغم الآخر ‘اليهودي’ على الركون إلى الهامش والقبول طوعا أو قسرا بوضع التابع.
كانت هذه الزيارة التي يشتمل عليها كتاب ‘رحلة المغرب’ استجابة لدعوة من حاييم بنشيمول الذي اشتهر بعيادته التي دشنها في طنجة عام 1904 احتفاء بذكرى زوجته والذي كان في الآن نفسه مترجما بمفوضية فرنسا ورئيس الطائفة اليهودية في طنجة وأول قنصل فخري لبلجيكا أيام فترة الحماية الدولية. وسوف يستمر الملاح بما هو فضاء رمزي ومادي في الوجود إلى حدود حصول المغرب على استقلاله وبداية النشاط المحموم للوكالة اليهودية وعملائها والذي أسفر عن التهجير شبه الجماعي لليهود المغاربة إلى الكيان الصهيوني.
النص:
شكرنا الباشا وودعناه في الساحة ومرادنا الذهاب إلى مدينة اليهود والقيام بالزيارة التي وعدنا بها صديقنا بالأمس. ومن شأن هذه الزيارة أن تخلصنا قليلا من هاته الأشكال الميتة من العظمة. وكي تصل إلى مدينة اليهود هاته، عليك أن تمر بأحياء أكثر اكتظاظا بالسكان. يلزمك بدءا أن تمر بحي تجار الذهب؛ حيث تصطف على جانبي الزقاق حوانيت صغيرة في شكل علب ورفوف غريبة من الفضة والمرجان تلمع فوق خزائن من الخشب السمج. ثم تلفي نفسك في زقاق ذي خصوصية لافتة للنظر، يتميز بطوله واستقامته واتساعه الذي يجعله أشبه ما يكون بجادة أو شارع تحف به منازل صغيرة تفتقر إلى سقوف وأشبه ما تكون بمكعبات حجرية وتتجه صعودا إلى تلة يوجد فوقها ضريح ولي وتتقاطع قبتها المصبوغة بالزرقة الحادة للسماء. وعلى الجانبين أشجار نخيل ناحلة.
وفي أقصى هذا الزقاق تنفتح مدينة اليهود. وبمجرد مرورنا من البوابة، يتغير كل شيء وبكيفية مباغتة. بدا الأمر كما لو أننا في بلاد أخرى، وكما لو أننا انقذفنا داخلها دون سابق ترتيب. وعوض الجمود والصمت، ألفينا ما يشبه صخبا وهديرا مكثفا ومدمجا. وعوض الرجال السمر الذين يمشون بأناة وجلال وقد ارتدوا عباءات بيضاء، اكتشفنا رجالا يعلو الشحوب وما يشبه المسحة الوردية وجوههم وما يسمهم ضفائر شعر طويلة وثياب سوداء طويلة يتلفعون بها وكيبيات سوداء يعتمرونها. ثمة أيضا نساء غير محجبات يتسمن ببياض بشرتهن المفرط وحواجبهن الناحلة. رأينا أيضا كوكبة من تلامذة المدارس العبرانية يتسمون بمخبرهم الطازج ولونهم الوردي ومظهرهم الأنثوي ويرشحون بمشاعر الارتياب والمكر. ساكنة شديدة الكثافة تختنق في هذا الحي الغاص بالتجار والباعة والذي تعمر أرضه القاذورات والأزبال والفضلات. وبسبب التكدس والازدحام، ثمة أوساخ تشعرك بالدهشة حتى بعد مرورك بالأزقة العربية وروائح نتنة عصية على التحديد تتسم بحدتها وعطانتها وتمسك بخناقك.
هو ذا صديق الأمس الذي جاء للقائنا واستقبالنا، دون شك بتأثير الانتقال السريع للخبر بين الساكنة التي هبت لاستقبالنا وتحيتنا. وما يفتأ محتفظا بذات الود الجميل والرقيق، لكنه لعمري يتسم بمخبر سيئ وغير لائق مقارنة مع وضعه باعتباره فاحش الثراء.. كان يرتدي ثوبا باليا ورثا ذي شكل واحد وقد نصل لونه. يتعلق الأمر ربما بالوسيلة التي يعتمدها اليهود الأثرياء والتي تتمثل في الظهور بين الناس بمظهر بسيط.
تميز باب المنزل ببساطتها وتواضعها أيضا. فهي مفرطة في الصغر والانحناء والانخفاض، و تقع على ضفة جدول عامر بالقاذورات والفضلات.
غير أننا ما نلبث أن نباغت غب تجاوزنا لعتبة المنزل ببذخ عجيب. ألفينا ذواتنا قبالة جماعة من النساء مغمورات بالذهب والأحجار الكريمة، وكن يستقبلننا مبتسمات وفي غمرة ديكور ذكرنا بأجواء ألف ليلة وليلة.
كنا وقوفا وسط ساحة داخلية تحت سماء مكشوفة للعيان. وتحيط بها أعمدة وأقواس منقوشة. فسيفساء لامعة تغطي الأرضية والحيطان إلى حدود قامة الانسان. وفي الأعلى تبدأ نقوش الأرابيسك التي تتنوع وتتعدد إلى ما لا نهاية، والنقوش الحجرية المدهشة المزخرفة بالأزرق والأخضر والأحمر والذهب. وما من شك في أن الصناع التقليديين ذوي الجلد والصبر والذين سهروا على زخرفة هذا المنزل هم أحفاد أولائك الذين أبدعوا منحوتات قصور غرناطة، ولم يدخلوا منذ قرون أي تغيير يذكر على التقاليد الفنية التي أورثها إياهم آباؤهم. التطريزات السحرية ذاتها التي نستمتع ونعجب بها في قصر الحمراء والمغمورة بطبقة من الغبار تتجلى هنا في أبهى حللها الجديدة.
النساء الموجودات في هذه الساحة متألقات تحت أشعة الشمس، وكن يرتدين تنانير من المخمل المطرز بالذهب وقمصان من الحرير المشغول بالذهب وفتحات فساتين مفتوحة وبراقة. وكن يحطن معاصمهن وأعناقهن وكواحلهن بأقراص ثقيلة مزينة بالأحجار الكريمة. ويعتمرن قبعات ذات شكل مخروطي حاد، وتتسم هاته القبعات الصغيرة بأنها منسوجة من الحرير ذي ألوان صارخة ومشغولة بالذهب. لعل ما أثار انتباهنا هو شحوب هاته النساء وبياض بشرتهن الشمعي وعيونهن السوداء المحاطة بهالات كثيفة والعصابات المشدودة حول رؤوسهن على الطريقة اليهودية والتي تتميز أيضا بلونها الأسود وخيوطها التي تشبه ريش الغربان والتي تتدلى في انبساط على خدودهن.
سيدة المنزل هي المرأة الوحيدة التي لا تتسم مطلقا بصغر السن أي الشباب. أما الأخريات اللاتي قدمن لنا باعتبارهن نساء سوف يعقد قرانهن قريبا بالنظر إلى ما نراه من ثيابهن الفاخرة ، فلم يكن سوى أطفال لا يتجاوز عمرهن عشر سنوات أو ينيف. وتقضي العادة عند يهود فاس ومكناس بتزويج الفتيات في سن العاشرة والصبيان في سن الرابعة عشرة.
تبسط هاته الحوريات أياديهن لتحيتنا ووجوههن تشرق بابتسامات لطيفة. كان استقبال سيدة المنزل رائعا ومتميزا أيضا، وكانت أكثر الحضور سموا ورقيا. كانت تنورتها المصنوعة من المخمل القرمزي ومن المخمل الأزرق السماوي متوارية خلف أثقال من الحلي وداخل قرطي أذنيها ثبتت جواهر دقيقة ويواقيت ضخمة تشبه حبات الفستق.
لم يسبق لنا من قبل أن دلفنا إلى منزل يهودي كبير، ويبدو لنا كل هذا الثراء غير المتوقع والمجهولة مثل حلم، بعد البؤس المدقع والفاقع والرائحة العطنة التي ميزت الزقاق.
رفضنا تناول طعام الغداء على الرغم من دعوة مستقبلينا. غير أننا كنا من السعادة بمكان بفعل استقبالهم لنا بحيث قبلنا بتناول الشاي كي لا نسبب لهم شعورا بالألم.
سوف يتم تقديم الشاي في الطابق الأول من المنزل. صعدنا عبر سلم ضيق من الموزاييك يتميز بأدراجه الحادة والوعرة متبوعين بكل هاته النسوة الصغيرات المرتديات لفساتين السلف القدوة، وعبرنا رواقا علويا ذا بهاء ورونق واحتفاء قبل أن ندلف إلى صالون مزخرف على طريقة قصر الحمراء. ثم اتخذنا مجالسنا على الأرض فوق طنافس من المخمل وبساط رائع.
على الأرض أيضا قدم الشاي المعطر في أباريق وساموفار من الفضة ذي قيمة لا تقدر بثمن.
تعتبر نوافذ هذا الصالون أشبه ما تكون بنبات النفلة أو ورود صغيرة مقطعة بطريقة تشف عن ولع مبالغ فيه بالأشكال الدقيقة. وعلى الحيطان الفسيفساء ذاتها وهاته النقوش الحجرية المنحوتة التي يحتفظ العرب وحدهم بأسرار صنعتها العصية على التقليد. أما السقف فكان عبارة عن سلسلة من الصحون التي تعلوها قباب مرصعة بالنجوم. وبدا جليا أن هاته الصحون قد استنفذت كل جهود الصناع فيما يتعلق بالتوافقات الهندسية الأشد ندرة وصعوبة علاوة على المزيج الأشد إبهارا وإمتاعا من الألوان.
ومن خلال التقطيعات الدقيقة للنوافذ المزينة بزجاج ملون تنسل أشعة زرقاء وحمراء وخضراء وتتساقط كما اتفق على الحرير والذهب والثياب ذات الألوان البراقة والصارخة للنساء. وفي غمرة هذا كله يحترق داخل كانون من الفضة خشب الهند النادر الذي يشيع في الفضاء سحبا من الدخان العطر.
بعد الفناجين الثلاث الإجبارية من الشاي، وبعد حلوى كعب الغزال ومربى البطيخ وأشكال متعددة من الحلويات الصغيرة، رغبنا في استئذان مضيفينا والانصراف. غير أن سيدة المنزل جددت دعوتها لنا لتناول طعام الغداء وبإلحاح شديد لم نجد حياله إلا القبول. وكان أن لاح على وجهها تعبير حقيقي عن البهجة والانتشاء، وسرعان ما عبرت النساء الصغيرات الثلاث عن فرحتهن بالقفز ابتهاجا. وكان لزاما علينا قبل أن نتخذ مجلسنا خلف طاولة الطعام أن نقوم بزيارة في أرجاء المنزل الذي بدا واضحا أن مضيفنا كان فخورا به.
بدأنا أولا بالسطوح وبمعنى أصح السقف الذي يشكل المتنزه الحقيقي للأسرة. كنا نجرؤ بالكاد على المشي فوقه بتأثير طبقة الجير الأبيض الثلجي التي تغمره.. وتتوزع السطوح على أجزاء مختلفة تكتشف من خلالها مختلف مظاهر البؤس المزري التي تحيط به. ثمة عشوائية فظيعة في هذه المدينة التي تراكمت داخلها البنايات والدور منذ قرون وأقيمت فوق الأطلال؛ بحيث تغرق مجموعة من هاته السطوح المفرطة في البياض تحت الأقواس الرائعة والرمادية لقلعة متهاوية ومنهارة شيدها قبل تاريخ بعيد إسماعيل السلطان الرهيب. ومن أعلى هاته المتنزهات تحيط أنظارنا أولا بالمدينة اليهودية بمنازلها المفتقرة إلى الرونق والمتلاصقة والمتراكمة بعضها فوق بعض كما لو أن للأمر تعلقا بعملية ضغط والتي تنبعث منها روائح عطنة ومقرفة.
وفي البعيد تلوح لنا أطلال وآثار مكناس والتناسل غير المفهوم لأسوار القلاع والحصون والقصور التي أتيح لها فيما يشبه المفارقة فضاء لا حدود لشساعته. وفي قلب ذلك كله وفي وسط أكثر الأسوار علوا وفوضوية يوجد الباب الرائع والمثير الذي غادرنا من خلاله قبل قليل قصر السلطان. الأقواس الكبيرة المنقوشة بالموزاييك التي تشكل الممر الشرفي للسلطان المهيب. ثم نعثر بعد ذلك وفيما يشبه فضاءات منفلتة وبعيدا عن كل هاته الأسوار والخرائب وأماكن هاته البادية المتوحشة التي يفرض فيها قطاع الطريق سلطتهم. قال مضيفنا: حدث مرارا في مراحل زمنية معينة كان فيها السلطان في حملة في الجنوب القاصي أن وجدنا أنفسنا مرغمين على أن نغلق أبواب مكناس في عز النهار. ذلك أن قطاع الطرق المنتمين إلى قبيلة زمور يضاعفون من قسوتهم وشراستهم وخطورتهم.
صعد كل أفراد الأسرة الإسرائيلية صحبتنا في تتابع عبر الأدراج الصغيرة الحادة كي يقدموا لنا طقوس الضيافة والتبجيل في هذا الفضاء الموجود في الهواء الطلق. كانت الفساتين المنسوجة من الحرير والذهب تتقاطع مع البياض الصارخ للسطح. كانت النسوة الصغيرات المتزوجات موجودات جميعا. وكانت ثمة على وجه التخصيص الكنتان اللتان لم يكن يتجاوز عمرهما عشر سنوات واللتان كانتا متعانقتين في حميمية. وقد راعني حسنهما وغرابة مخبرهما، وما يسمهما تلكم العينان الكبيرتان والمكحولتان والتي لم تعودا بعيون أطفال. ثمة أيضا تلكم الأساور الرائعة التي تحيط بمعصميهما وكاحليهما والتي كانت هدايا زفافهما والتي سوف يستعملانها لاحقا عندما يصبحن نساء ناضجات. ولأن الأساور كانت أوسع من أن تحيط بمعاصمهن وكواحلهن الدقيقة والرقيقة، فإنها شدت بخيوط. وعند هؤلاء النسوة سواء كن صغيرات أو كبيرات، فإنه لم يكن يلوح شيء من شعورهن تحت الخوذة المغطاة بغلالة إلا وكان تقليدا أساسه الحرير. عصابتان من الحرير الأسود ممشوطتان بعناية ومتصلبتان تحيطان بخدودهن ذات البياض الشمعي، علاوة على خصلات أخرى تتوزع في شكل جدائل مشعثة حول آذانهن الرقيقة. أما فيما يخص شعورهن الحقيقية، فتبقى متوارية في مكان مجهول وخفي.
حين سرحت بناظري فوق هاته السطوح وعلى هذا المدى المثير للشجن حيث تقضي هؤلاء النسوة حياتهن من الميلاد إلى الموت، أدركت في لحظة وأحطت علما بشعور يخالطه الرعب بحقيقة الحياة التي يبلوها هؤلاء الإسرائيليون المنذورون بقوة الإكراه إلى الخضوع لقوانين موسى والمرغمين على العيش داخل هذا الحي الضيق وسط هاته المدينة المحنطة والمعزولة عن العالم الخارجي.
تعتبر الحديقة إحدى مفاخر هذه الدار؛ وهي حديقة حملتنا على الابتسام. تمتد مساحتها حقا على خمسة أو ستة أمتار مربعة بين أسوار عالية رسمت فوقها أشجار، وبين جنباتها تتوزع بندرة شجيرات برتقال. لكن وبحكم الضيق المفرط للمكان، فإنه ينبغي لك أن تكون مفرطا في الثراء كي يكون في مقدورك التوفر على حديقة في هذا الحي. قال لنا مضيفنا إن السلطان الحالي رقيق جدا حيال اليهود. وقد وعد في إقامته القادمة في مكناس بأن يبني لهم مدينة جديدة. وهم يأملون والحالة هاته بأن يتوسعوا أكثر ويكون في مستطاعهم أن يتنفسوا بطريقة أفضل.
تبقى الدار في النهاية مزينة ومرتبة وفق الذوق العربي الأكثر حذقا. ويمكننا أن نخال ذواتنا في ضيافة وزير رفيع المقام لو لم تكن المساحة والمقاييس مفرطة في الصغر، وإن لم نكن نرى في كل جزء من الدار ألواح التلمود خلف غطاء من الزجاج أو تدوينات باللغة العبرية أو الوجه الباهت للنبي موسى أو قرينة أخرى دالة على هذه العتمة الخاصة التي لا تحتفظ بأي وجه للشبه بالعتمة الإسلامية.
كان طعام الغذاء جاهزا وسوف تتناوله في الطابق السفلي داخل قاعة تؤدي إلى ساحة رائعة مغمورة بالنقوش والزخارف الصخرية التي يعلوها الذهب. الحيطان الداخلية مزينة بالفسيفساء ذات الدقة النادرة التي تمثل لسلسلة من الأقواس المغربية التي تتعرج ويتقاطع داخلها بشكل غريب تنويع من الورود في شكل رسوم مشكال. أما فيما يخص السقف، فكان مشكلا من تنويع لا يحصى من التعاليق متراكبة بعضها فوق بعض والتي لم يسعني مقارنتها إلا بمنحوتات من الكريستال معلقة إلى أغصان الشجر في فصل الشتاء.
كانت الطاولة مرتبة بدافع من الأناقة والرفعة عل الطريقة الأوربية، وكانت تعلوها غطاء أبيض وفوقها صحون وأواني من الخزف الصيني القادم من مدينة ليموج الفرنسية ووفق النمط الإمبراطوري، وما يسمها تزيينات على شكل خطوط ذهبية. وقد وجدتني أتساءل: أية مسارات أوديسية سلكتها هاته الصحون كي تصل إلى مكناس؟
جيء بأربع موسيقيين ومغنيين علاوة على كمان وطنبور. جلسوا فوق الأرض لصق سيقاننا كي يعزفوا لنا وبدون توقف وصلات سريعة ذات إيقاع صارخ وحاد. حرصت مضيفتنا على الرغم من جواهرها ويواقيتها على مراقبة تفاصيل الطبخ بنفسها وعلى أن تقدم لنا بنفسها الأطباق. وهو ما أنجزته بملاحة مثيرة ولا غبار علليها وبأصالة استثنائية.
تعاقبت على المائدة عشرون وجبة مختلفة، وكان يصاحبها صنفان أو ثلاثة أصناف جيدة من الأنبذة البيضاء التي كان الإسرائيليون يصنعونها من حقول العنب التي تحف بمدينة مكناس وضدا على شعور الفضيحة الذي يحس به المسلمون. وفي غمرة الصخب العظيم الذي كانت تحدثه الموسيقى ومن خلال الدخان الذي يحدثه احتراق خشب الصندل والعود الهندي والذي كان يحجب رؤيتنا كنا نرى في وسط الساحة الرائعة المغمورة بالنور الأسرة بمجملها وقد ارتدت ثيابا مغمورة بالذهب ودائما الكنتان الصغيرتان اللتان كانتا تروحان وتجيئان باستمرار وهما متعانقتان. وكانت ألاعيبهما وأشكال لهوهما الصبياني تتناقض بشكل صارخ مع الثياب والحلي الثقيلة التي لا تليق إلا بالنساء الناضجات.
أزفت ساعة الرحيل وقد شعرنا حينها بأن الكلمات أعجز من أن تسعفنا في شكر هؤلاء الأناس الودودين الذين لن نراهم مطلقا في أي مكان والذين يسعدنا حتما أن نمنحهم بعضا من ضيافتنا إذا حدث وحلوا فيما يشبه الاستحالة في بلادنا.
حين خرجنا من المنزل كي نركب بغالنا في هذا الزقاق القذر والفظيع، فوجئنا بتجمع لا بأس به من السكان تشكلوا قرب الدار يحدوهم الانتظار المشبع بالفضول لرؤيتنا.كانت ساكنة الحي في الخارج وقد شققنا سبيلنا وسط كتلة كثيفة من البشر إلى أن غادرنا باب اليهود لنلفي ذواتنا في غمرة سكون وصمت المدينة العربية..