‘معركة في سياتل’… درس في الاحتجاج

حجم الخط
0

في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1999، احتشد آلاف المتظاهرين في مدينة سياتل، أكبر مدن شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية. جاء هذا التحرك عشية بدء قمة منظمة التجارة العالمية (WTO)، احتجاجاً على التأثيرات السلبية للتجارة العالمية على مصالح الشعوب، وكذلك البيئة. وحينها توجه المتظاهرون، القادمين من مختلف أنحاء الولايات المتحدة والعالم، إلى مركز مؤتمرات المنظمة، ليواجهوا الشرطة التي رسمت طوقاً محكماً حول المكان المقرر لانعقاد القمة. حينذاك، شهدت سياتل، التابعة لولاية واشنطن، خمسة أيام من التظاهرات، التي بدأت سلمية وتحولت إلى أحداث عنيفة، أطلق عليها لاحقاً وصف ‘معركة سياتل’. ما حدث لم يكن مجرد مظاهرات عفوية، قائمة على ردات فعل آنية، بل كانت حملة تمردية خُطط لها بذكاء، ربما فاق توقعات مستضيفي القمة، ومن ثم حمل لواءها مجموعات من النشطاء ومؤسسات نقابية، وأخرى مدافعة عن حقوق المستهلك وعن مصالح الدول النامية.
حينها، تلخصت دعوات المتظاهرين في انشاء بيئة سياسية واقتصادية دولية تخدم التنمية البشرية. وكان لافتاً خروج قوى مدنية متمترسة، وذات نشاطات سابقة، إلى شوارع المدينة الأمريكية، وأيضاً تواجد الكثير ممن خرج في هذه المناسبة كتجربة أولى في حدث شغل الحكومات الغربية طيلة خمسة أيام بلياليها. واللافت أنه قبل بدء المظاهرات، اختتم تلفزيون (BBC) البريطاني أحد تقاريره، بـأنه سيتحتم على المتظاهرين في سياتل ‘أن يرفعوا أصواتهم عالياً ويدافعوا عن آرائهم بقوة من أجل أن يحدثوا تأثيرا ملموسا’. فلقد بدأت المعركة بالفعل، ومعها جالت الكثير من العدسات، لتوثق الأحداث، التي انتهت لصالح ‘معارضي العولمة والرأسمالية’، ولعلّ أبرز عمل تصدى لهذه الأحداث هو فيلم ‘معركة في سياتل’، من انتاج عام 2007. ويبدو أن هذا العمل، الذي أخرجه ستيوارت توساند، ولم يحظ بنصيب كاف من المتابعة والنقد عربياً، يحاول التركيز على أساليب الاحتجاج وظروف المتظاهرين وتحركاتهم، يتوقف عند العلاقات الإنسانية التي يعيشها النشطاء ورجال الشرطة، وكذلك الجيش؛ في لحظات المواجهة. وحين رصده لتلك المواجهات، يفضح عجز السلطة وفقدانها زمام الأمور تحت تأثير أصرار الشارع على المضي حتى تحقيق مطلبه.
ولا شك في أن هذا الحدث قد سبب حرجاً كبيرا لواشنطن، التي كانت تأمل في أن يعطي اللقاء انطلاقة جولة مفاوضات جديدة لنزع الحواجز أمام التجارة الدولية. وفي الصدد، انتقد روبرت مكنمارا، وهو رئيس سابق للبنك الدولي، وشغل منصب وزير الدفاع الأمريكي خلال حرب فيتنام، انتقد المحتجين في سياتل. وفي حديث صحافي سابق، وصف مكنمارا المتظاهرين بأنهم ‘فوضويون وهدفهم الوحيد هو التدمير’، مشيراً إلى أن المشكلة تفاقمت حين صرح الرئيس الامريكي الأسبق، بيل كلينتون، للمتظاهرين في سياتل بأنهم ‘على حق’. وعند الحديث عن الفوضى، يفيد القول إن مؤسسات المجتمع المدني، في العادة، تتبنى نشر ثقافة التظاهر السلمي، بغية إيصال رسالة معينة بطرق حضارية، بعيدة عن العنف. لكن هذا لا ينفي حقيقة حدوث انتهاكات أحياناً؛ مع تدخل أطراف غير منضبطة، مثل حركة ‘الكتلة السوداء’ في سياتل، حيث أتلف أفرادها ممتلكات محلات البيع بالتجزئة متعددة الجنسيات في وسط المدينة، وتالياً تحول الاحتجاج السلمي إلى أحداث عنف وفوضى. وبالعودة إلى العمل السينمائي، نجده مصوراً مواقف المواجهة بين قادة الاحتجاج السلمي ضد مثيري الفوضى من ‘الكتلة السوداء’، دون أن يتجاهل المرور بمواقف إنسانية، وسط تشابك العلاقات مع اشارات خاطفة إلى خلفيات الأحداث وتطورها.
بطلة العمل، الشقراء تشارليز ثيرون، اعتبرت الممثل، ومخرج الفيلم، ستيوارت تونسيند ‘مخرجا متميزا لأنه استطاع أن ينجز فيلما قوياً’، تناول أوضاعا اقتصادية وسياسية مهمة، وبشَّر ‘بثورة عالمية ضد المنظمات التي تحاول التحكم في البشر حول العالم’. والحقيقة، رغم ارتداء تلك الاحتجاجات ثوباً عنيفاً، فانها جذبت اهتمام الرأي العام العالمي وتعاطفه، في اعتباره تحرك جريء و’استثنائي’، ويحمل ‘نوايا طيبة’، ضد قوى تحاول الصعود على حساب مصالح الشعوب. وكما يشير الفيلم، كانت تلك بداية معركة الانترنت، حيث شارك النشطاء في حدث بدأ يأخذ شكل التصعيد لمنع عقد القمة، التي كان مقرر أن يلتقي فيها مسؤولون من مئة وخمس وثلاثين دولة لاتخاذ إجراءات التخفيف من قيود التجارة العالمية.
وبالرغم من إضفاء البعض صفة الوثائقية على ‘معركة في سياتل’، نجد أن هناك أعمالا أخرى تناولت الحدث عبر رصد المواقف وتوثيقها، حيث اشتغل الأمريكيان جيل فريدبرغ وريك رؤالي على عمل وثائقي؛ حمل اسم ‘هكذا تبدو ديمقراطيتكم’، ويبدو أن الفيلم حاز على اهتمام جماهيري وإعلامي. وسبق أن علق رؤالي على العمل، بالقول: ‘نيتنا هي نقل ونشر الحقيقة (…)، لإبراز مطالب المتظاهرين وتغيير وضع لا إنساني يعيشه هؤلاء الناس لان الإعلام اليوم، تحتكره فئة تخترع الأكاذيب للتغطية على جرائمها’، فيما علق فريدبرغ على العمل إن مهمتهم كمخرجين ‘كانت إظهار وتحليل الوقائع وتقديم عمل يعكس مواقف المتظاهرين في مدينة سياتل’.
يوسف شيخو

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية