شوقي بزيع: لا مفر من النرجسية المجروحة بالقلق الدائم على اللغة ونصوص شعرية من العصر العباسي والجاهلي لا تزال في قلب الحداثة

حجم الخط
0

بيروت ـ من زهرة مرعي: قصيدة شوقي بزيع منسوجة بنبض الحياة. هذا ما تشي به قراءة لقصائده المنجزة في ديوانه الأخير ‘فراشات لابتسامة بوذا’. في تلك القصائد بدا بزيع منشغلاً بالإنسان في تشكله الثقافي والحضاري معاً، ويطرح الكثير من الأسئلة عن الوجود وعن الذات.
الغنائية طاغية على النسق الشعري لشوقي بزيع، وهو ينهل من معين تلك الغنائية بتلقائية وانسياب تامين. كتبه السابقة تضمنت بوحاً عاطفياً، وتشريحاً لعالم الحب والمرأة. هذا الجانب الشعري الأكثر حميمة في حياة كل شاعر تراجع منسوبه عند بزيع. فتش عن السبب فكان ‘الزواج’، ولهذا راح نحو الطبيعة وكتب قصيدة ‘صراخ الأشجار’، وغاص أكثر في عالم بوذا. ومعه كان الحوار التالي:
*لماذا ‘فراشات لابتسامة بوذا’ هل هي الولادة التي يستحيل تأجيلها؟ أم هو الشعر الذي لا يتألق دون جمهور؟
* لأبدأ من الشطر الثاني من السؤال، فلا علاقة لعنوان الكتاب بالجمهور. شخصية بوذا ليست جماهيرية بالنسبة للقارئ العربي. هي شخصية غير معروفة أصلاً. لهذا مسألة الجمهور غائبة تماماً عن عنوان الكتاب، أو عن القصيدة أو عن مضمون القصائد. أما فيما يخص الولادة التي يستحيل تأجيلها، أعتقد بأن الشاعر يشهد عشرات الولادات. هو يولد مع كل قصيدة، ويولد مع كل مجموعة جديدة. ومن المعروف أن الموت الابداعي بالنسبة للكاتب أو الشاعر أصعب من الموت الجسدي والبيولوجي. ولهذا نحن في حالة فوبيا دائمة من الصمت، ومن أن تخذلنا اللغة، ومن أن نقف أمام الورقة البيضاء حائرين، عاجزين عن فعل أي شيء. ساعتئذن تتحول الورقة إلى ضريح، ونتحول نحن إلى موتى. الكتابة تحيينا بشكل دائم. عنوان الكتاب ليس هو موضوعه، بل هو عنوان واحدة من قصائده. وربما تكون القصيدة المركزية في المجموعة الأخيرة. في الحقيقة استوقفتني شخصية بوذا بعد أن قرأت الكثير عنها. هذه الشخصية التي لم تركن إلى شيء سوى الخبرة الحياتية المباشرة. كان باستطاعة بوذا وهو الأمير الثري أن يعيش حياة سعيدة ومليئة بالملذات، ولكنه طرح على نفسه اسئلة كبرى، تتعلق بمعنى الحياة والوجود، والمصالحة مع النفس والعالم، ولذلك هو ذهب مع البراهمة في عملية محو كامل للجسد، في عملية تنسك مؤلمة جداً، لكنه لم يصل إلى الحقيقة، واعتبر أن هذه الحياة لم تخلق كي نتجنبها، وكي لا نعيشها. وشعر أيضاً بأن التغلب على الشهوات يحتم أن لا نجلس قبالتها، لأننا في هذه الحالة سنقع أسرى لها. بمعنى أن الجسد الذي لا يتحرر من تطلباته يصبح جسداً مغلولاً، ومرهقاً بغرائزه الملجومة، ولا يسمح بالتالي للعقل أن ينشط كما يشتهي. لذلك دخل بوذا إلى عالم اللذائذ الحسية، وأقام علاقات مع نساء كثيرات، ومع غانيات، وأنجب طفله الوحيد من غانية. لكنه شعر بأن المتع الحسية لا توصل إلى شيء، وبأنه أيضاً قد اختنق بهذا الشعور الجسدي الذي وقف عائقاً أمام خفة الروح.
*أفهم أن بوذا أعاد تركيب أفكارك، معتقداتك ومفاهيمك في الحياة؟
* بدون شك. كنت أسمع كثيراً عن البوذية. فهناك توجه لدى الغربيين، من المفكرين والسينمائيين، باتجاه البوذية التي كانت معلوماتي قليلة عنها. الآن أدركت السبب دون أن أماشيهم فيما ذهبوا إليه. عندما كتبت عن بوذا فهذا لا يعني أني أصبحت بوذياً. وعندما كتبت عن ديك الجن الحمصي الذي قتل حبيبته غيرة منه عليها وافتتاناً بها، ثم أخذ يبكيها فهذا لا يعني أني أصبحت ديك الجن بشكل مطلق. لكن ربما حين أكتب عن شخصية تاريخية أتقمصها في تلك اللحظة كما يفعل الممثل مع شخصياته. مثلاً عندما كتبت عن يوسف في ديوان ‘قمصان يوسف’ لا شك كان لدي سؤال حول علاقة الجمال بالألم، واعتبرت أن الجمال ليس منحة مجانية، ولكن شرط الجمال هو السقوط إلى البئر لكي نستحق ما اعطيناه من جمال. واعتبرت أن في كل انسان شيئاً من جمال يوسف. ولكن هذا الجمال يجب أن لا يكون شيكاً بلا رصيد، يجب أن يكون تضحية وبذلاً من أجل أن نستحق ما نحن عليه. إذاً انتهى بوذا إلى المصالحة مع العالم وأخذ من كل شيء بمقدار. وتوحد بالنهر الذي كان يجلس قبالته، وشعر بأنه ذرّة في هذا الوجود الكوني، ووصل إلى ما يسمى النيرفانا، أو نشوة الاتحاد بالخلق.
*في هذا الديوان وجدنا بعضاً من ذات شوقي بزيع فهل تقصدت شعرنة السيرة الذاتية؟
* أعتقد أننا في كل ما نفعله نحن نركن إلى سيرتنا، ونحاول تجديد وجودنا على الأرض، وتأبيده في الوقت ذاته. بمعنى أن هذه الذات التي تشعر بمحدوديتها أمام ضخامة الوجود تريد أن تنتصر على هذا الصغر، على طريقة أبي العلاء المعري ‘أتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر’ وعن طريق اللغة في الفن. كل روائي عندما يكتب رواية يضع فيها شيئاً من سيرته، قد تكون أحياناً سيرة مموهة، وقد تكون سيرة مضادة. أي أنه يخفي ما يعيشه، ويحاول الصاقه بحيوات أخرى. الشيء ذاته يحصل في الشعر. لذلك ترين في مجموعاتي نتفا من سيرتي الذاتية. لم أكتب عن شيء لم أتقمصه. حتى عندما كتبت ‘صراخ الأشجار’، الأشجار التي تربيت في كنفها في الجنوب اللبناني، كنت استعيد سيرتي من خلال الشجر، لأنني لم أكتب عن شجرة لا أعرفها. كتبت عن السنديان والخروب والزيتون والزنزلخت واللوز والرمان، وعن الطيون والبابونج، أي حتى عن الأعشاب التي تربيت في كنفها في الجنوب اللبناني. تقمصت الشجرة وفي أحيان كنت أتحدث باسمها. حين كتبت عن مريم على سبيل المثال، أيضاً تحدثت بصيغة المتكلم. بمعنى من المعاني أنني اختبرت ودخلت في الشطر الأنثوي من شخصيتي الذكورية. وهذا يجعلني متأكداً تمام التأكد من أن هناك شيئاً من سيرتنا الذاتية لا بد أن يوجد في كل عمل فني، وربما هذا ما يجعل العمل الابداعي ناجحاً. بتقديري عندما ننفصل عن موضوعنا تصبح الكتابة وصفية، باردة، فكرية وذهنية.
*يتجدد الشاعر على كافة الأصعدة في كل عمل جديد. لغوياً كم تجددت في ديوان ‘فراشات لابتسامة بوذا’؟
* من الصعب أن يتحدث الشاعر عن تجربته دون أن يقع في النرجسية الشائعة لدى الكتاب والشعراء. ولكني أعترف بأن القدر من النرجسية الذي يوجد في داخلي وكما كل إنسان هو قدر مجروح. هي ليست نرجسية صافية أو كاملة، بل هي نرجسية مجروحة بالقلق الدائم على لغتي، وعلى تجربتي، وبالبحث الدائم عن المختلف. أنا لا أركن إلى أسلوب، وإلى لغة، ودائماً أشعر عندما أكتب قصيدة بنشوة الخلق وهذه مسألة طبيعية باعتبار أن الشعر شكل من أشكال الولادة. ولكن ما أن ابتعد قليلاً عن القصيدة حتى أبدأ بقلق جديد، وأشعر بأن ما أنجزته ليس هو الذي كنت أرغب في إنجازه، ثم ابدأ بالبحث عن أفق مغاير للكتابة. ولذلك ترين أن هناك اختلافاً بيناً في أسلوبي ومقارباتي بين مجموعة وأخرى. وهذا ما أشار إليه العديد من النقاد. شوقي بزيع في ‘مرسية الغبار’ ليس هو نفسه في ‘ورد الندم’ أو ‘قمصان يوسف’، أو في ‘سراب المثني’، أو في ‘صراخ الأشجار’ أو في ‘فراشات لإبتسامة بوذا’. هناك طبعاً قصائد تشكل منعطفات معينة لدى كل شاعر، وهناك أيضاً مجموعات تشكل منعطفات، وتأتي مجموعات بعدها لتهضم هذا المنعطف، ولكن لا بد من أن نجدد أنفسنا بين حين وآخر. وإن لم يكن هذا الشيء حاصلاً في كل مجموعة شعرية، فينبغي أن يحدث في كل مجموعتين أو ثلاث، لكن لا بد من التغيير. أشعر دائماً أنني أعيش صراعاً بين الغنائية التي تتملكني دون إرادة باعتباري شاعراً إيقاعياً قادماً من الوزن ومن التفعيلة، وبين ترويض هذه الغنائية وكبح جماحها عبر ما امتلكته من مخزون معرفي وافر خلال اربعة عقود من الكتابة. دائماً أشعر أن الشاعر الحقيقي هو الذي يقيم تلك الخلطة الناجحة بين العناصر المتباينة للقصيدة. بين الصوت والمعنى، بين المضمون وبين الشكل، بين الماهية والكيفية، والشاعر الناجح هو الذي يعرف فيما هو يمتلك معرفة عالية بالأشياء، كيف يمحو هذه المعرفة ويذيبها داخل النسق اللغوي. في المجموعة الأخيرة حاولت أن أوفق بين هذين العنصرين للكتابة، أي بين الغنائية التي لم أمحوها بالكامل، وبين المعرفة والأسئلة الوجودية، وأسئلة الكينونة التي كانت حاضرة في القصيدة، وهذا ما يظهر من خلال قصائد المجموعة، بالإضافة لقصيدة بوذا هناك قصيدة ألزهايمر على سبيل المثال، التي رأيت فيها شكلاً من أشكال الشعر أيضاً. بمعنى أن المصاب بالزهايمر ترتفع لديه الكلفة بين الوعي واللاوعي، بين العقل والهذيان. ولذلك هو يدخل في حالة من الهستيريا اللغوية يعبر عنها، في أنه ليس هناك من صلة بين جملة وأخرى، أو بين هذه الذكرى أو تلك، بين الحاضر والماضي. أقمت حواراً افتراضياً بيني وبين شخص مصاب بالزهايمر. وهناك قصائد أخرى حول ثياب الموتى. تصوري أن هذا الموضوع كان يستوقفني دائماً. فنحن نحتفظ بثياب الموتى، ونخاف أن نلبسها لأننا نشعر أن الروح التي في داخلها يمكن أن تنتقل إلينا، أو عدوى الموت يمكن أن تنتقل إلينا. هذه مسألة ملتبسة جداً.
*أنت مفتون بزمنين شعريين تقارب الحداثة بمذاقات جميلة من السرد وتصغي من جهة أخرى للوزن والتراث. هل هي رغبة بالبقاء على ضفاف الحداثة وضفاف التراث؟
* سؤال يفترض أن هنالك تعارضاً بين الحداثة والتراث، وكأن هناك توأمة بين الحديث والجديد، وهذا ليس صحيحاً. هناك الكثير من الأعمال الجديدة لا تمت للحداثة بصلة، ولا تمت للأصالة بصلة. بمعنى أنها مجرد وجود في الزمن الحاضر فقط. ولكن على مستوى الغوص والتأمل والتجديد لا نلمس شيئاً من هذه الاشياء. هناك نصوص عربية قديمة من العصر العباسي أو الجاهلي ما زالت في قلب الحداثة، ولديها قدرة على تجديد نفسها إلى ما لا نهاية، لأنها تقدم اقتراحات للمستقبل عالية ومهمة. وأقصد بالنصوص قصائد. عندما نقرأ بعض الأبيات أو المقاطع لإمرء القيس أو لطرفة بن العبد، أو لأبي تمام، أو المتنبي وغيرهم نشعر أنها قصائد غير قابلة للفناء على الإطلاق، وبأنها تحدث فينا القشعريرة التي يحدثها فينا أي نص جديد ومغاير. إذاً الحداثة لا زمنية، تحلق فوق الزمن وتستطيع أن تواكب الإنسان في بحثه الدائم عن المختلف. بهذا المعنى أنا لا أتقصد شيئاً. أرغب في أن أكون نفسي. أشعر بأن هذا الوعاء الكلاسيكي ضاق بي ولم يعد قادراً على أن يحمل تلك التمزقات والتشظيات التي تصيبني، فأذهب إلى ما يواكب هذه اللغة وهذه التشظيات عبر اللغة وعبر الشكل. ولذلك ذهبت إلى شعر التفعيلة. وحاولت أيضاً أن لا ألتزم بالقوافي المتماثلة، وأن أجزء السطور الشعرية، وأن أغير في القوافي، وأحياناً ألغيها بالكامل. لأنه عندما أقدم قوافي وشطور متماثلة في الإيقاع فأنا عملياً ما زلت رهن القصيدة الخليلية، ومن الأفضل أن أكتب قصيدة خليلية، والتي لست ضدها. هناك مقاطع عمودية أكتبها بين حين وآخر وهي قليلة قياساً إلى شعر التفعيلة.
*لماذا لا تكتب قصيدة النثر باعتبارها فضاء أكثر حرية؟
* لا أكتب قصيدة النثر لأنني بكل بساطة لا أجيدها. في دورة دمي هناك تكوين إيقاعي. ويأتي الإيقاع متلازماً مع هذا الجموح للتجسد اللغوي الذي لا أستطيع أن أقاربه خارج الايقاع. اعتبر قصيدة النثر خياراً مهماً من خيارات القصيدة العربية. وأعتبر ليس من الصحة في شيء أن يركن الشعر العربي إلى نمطية بعينها، ولذلك لتتسع هذه الحديقة الشعرية أمام كافة أنواع الورود.
*ولد ديوانك في خضم حراك عربي تضاربت حوله المواقف. كشاعر هل تعتبر نفسك في حلٍ من هذا الحراك أم أنك في صلبه؟
* أنا من الذين أيدوا الربيع العربي وانتصروا له منذ انطلاقته في تونس. وهذا كان أمراً طبيعياً بالنسبة لشاعر وكاتب يشعر بالمهانة ازاء حالة التبلد والتخثر التي أصيبت بها المجتمعات العربية. ليس من العدل في شيء ولا من الكرامة في شيء، أن تداس هذه الأمة بأحذية حكامها الطغاة والمستبدين. ما زلت مع هذا الربيع رغم شوائبه الكثيرة، ورغم تمظهراته غير الباعثة على التفاؤل. والأهم في هذا الموضوع هو الحراك. الخروج من حالة الجثة إلى حالة الحياة. وكل ما نراه الآن من استحواذ لبعض الأصوليات التكفيرية، وحالة الإرهاب، هذا بتقديري رد فعل على وحشية الأنظمة. فهذا الوحش ولد من رحم الوحش الآخر، الذي تسلط على الأمة في غفلة من الزمن. والمهم أن النهر قد استأنف جريانه، ولن يتوقف. باعتقادي أن ما جرى في مصر وتونس يبشر بالخير بهذا المعنى، أي عودة المجتمع المدني لالتقاط أنفاسه، والإمساك بالحراك. ونأمل أن ينسحب هذا الشيء على كافة الساحات العربية. أما انعكاس هذا الحراك على الثقافة فأعتقد أنه لم يتبلور بعد، لأن زمن الإبداع غير الزمن السياسي. قد يتغير الزمن السياسي بين يوم وآخر، إنما الابداع فهو نتيجة تراكمات بطيئة جداً تعتمل في داخل اللاوعي والوعي، ويحتاج تغيرها إلى سنوات إن لم يكن عقود. أجد التعبيرات الفنية والإبداعية التي واكبت الربيع العربي لم تتبلور بعد في نصوص وأعمال متميزة. وهذا يعتمد إلى تحول هذه الانتفاضات العربية إلى انتفاضات في الوعي والفكر والعقل المعطل منذ زمن بعيد.
*انطلاقاً مما نشهده في عدد من الدول العربية أين ترى موقع النخب العربية من شعوبها؟
* الغريب فعلاً أن الانتفاضات العربية حدثت من دون أي مقدمة فكرية وثقافية، عكس ما جرى في الغرب. لم تكن صدى لتراكم فكري ومعرفي وفلسفي، بل جاءت نتيجة الضغط القاتل الذي عانت منه هذه الشعوب في الإفقار، والتجهيل والإهانة، وشعورها بأنها لم تعد تستطيع أن تحتمل ما يحدث. وقد اصيب المثقفون بالذهول. المثقفون كانوا منقسمين بين مثقفي السلطة والبلاط من جهة، ومثقفين يائسين من كل شيء يلتزمون بيوتهم. لم تكن الأصوات الاعتراضية قادرة على بلورة مناخ تفاؤلي فاعل في الحياة العربية السياسية. وحينما أراد المثقفون الكتابة عما حدث وجدوا أنفسهم عاجزين لأنهم كانوا خارج ذلك الحراك. ومن الطريف في هذه الحالة أن الذين ركبوا موجة الربيع العربي هم بمعظمهم شعراء وكتاب رديئون كما هو حال هشام الجخ في مصر الذي ادعى أنه شاعر ميدان التحرير. وأصبح يقيم حفلات في الفنادق تشبه حفلات الراقصات والمطربين. وكذلك عبد الرحمن القرضاوي، وهذين نموذجين على رداءة النصوص التي ادعت بأنها نصوص الربيع العربي، وهي نصوص خريفية بامتياز.
*سؤال يتكرر هل للشاعر أن يفيض شعراً من دون المرأة؟
* لكل شاعر أن يعبر عن نفسه كما يرغب. من وجهة نظري الشخصية اعتقد أن هذا العالم من دون الأنوثة ـ كحالة وليس كجسد للمرأة طبعاً ـ هو عالم بلا روح، بلا ماء، عالم ناقص الأهلية، الهواء والضوء، وإذا كانت هذه العناصر لا بد أن تتوفر في الشعر لأن الشعر مساحة من الضوء والهواء والشفافية والشغف، المرأة تقع في قلب النص الإبداعي. ومن المعروف أني كدت أكون عميد العازبين بين الشعراء العرب لأني تزوجت في الثانية والخمسين، وهذا يعني أني كنت منحازاً لخيار العزوبية. كنت أشعر بأني كنت منحازاً لامرأة الشغف والتخيل وليس للمؤسسة الزوجية. ولذلك احتلت قصائد الحب أكثر من ثلث شعري، وإن كانت قد تراجعت بعد الزواج مما أكد لي صدق حدسي بأن الشعراء هم عشّاق ناجحون، وأزواج فاشلون. طبعاً هذا لا يعني بأن الشعر يتوقف بعد الزواج، لكنه يأخذ أشكالاً وموضوعات أخرى، وإلاّ لما كتبت عن الأشجار وعن بوذا وما سوى ذلك، بينما تراجعت قصيدة الحب إلى الخلف.
*كيف قرأت وصولك إلى اللائحة القصيرة في جائزة الشيخ زايد وعدم نيلها؟
* لسبب بسيط أفضل عدم الاجابة عن هذا السؤال. لو لم أكن مرشحاً لربما تحدثت عن الجوائز وعن الاعتبارات التي تحكمها بحرية أكبر. القراء من الذكاء بحيث يستخلصون العبر من أي جواب بأنه متأثر بعدم نيل الجائزة. لكني أقول التالي: ديواني كان أحد أربعة كتب وصلت إلى اللائحة القصيرة من بينها مجموعة شعرية لصديقي الشاعر التونسي فنصف الوهايبي، وروايتين واحدة مصرية وأخرى أردنية. وأعطيت الجائزة لروائي مصري. بهذا المعنى لا أشعر بأنني خسرت رغم كوني لم اربح الجائزة مالياً، باعتبار أن مجموعتي هي التي وصلت إلى نهاية المطاف في السباق على الجائزة. ولكن السؤال الوحيد الذي أطرحه على القيمين على الجائزة: كيف يمكن لجائزة تحمل اسم زايد بن سلطان وهي للآداب، وأن ينالها عبر ثماني دورات ثمانية روائيين ولم ينلها شاعر واحد؟ ألهذا الحد كفّ الشعر عن أن يكون ديوان العرب؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية