‘لا أستطيع الحضور’، بهذه اللغة الكاشفة يفتتح الشاعر السوري/ الفلسطيني غياث المدهون، عالم المسافة المفتوحة على سفر الذات إلى الغرب من الأرض، حقيقة لا مجازاً، وواقعاً يكتب ملامحه شاعرٌ يبدأ كتابته المسافرة غرباً حتى آخر الأرض.
هذه الخطورة الأنطولوجيّة الجسيمة التي يتمتّع بها العنوان والمشقّة التي ترمي بثقلها على المسمّي أو المعنون، لكونه، أي العنوان، الحدّ الفاصل بين العدم والوجود، الفناء والامتلاء. مشكّلاً بذلك مركّباً إسنادياً في شكل ‘جملة بسيطة’ من حيث أداؤها لفكرة مستقلّة، مكتفيةً بذاتها.
لكن ثمة وحدة متينة معقّدة، معلنة ومُحْكمة وغير سرّية، بين القصائد التي تنتظم في أقسام مستقلة داخل المجموعة. تسمح باستيلاد شبكة مفتوحة من السياقات دلالية وخطوط المعنى، تتوصّل دون كبير عناء إلى إيضاح تلك الوحدة الداخلية المتينة. خذوا، على سبيل المثال: (لقد بعتُ أيّامي البيضاءَ في السوقِ السوداءِ، واشتريتُ منزلاً يطلُّ على الحربِ، لقد كانت الإِطلالة رائعةً لدرجةِ أنّني لم أقاوم إِغراءَها، فانحرفَتْ قصيدتي عن تعاليم الشيخ، واتّهمني أصدقائي بالعُزلةِ. وضَعتُ كحلاً على عيني فازدادَت عروبتي، وشربتُ حليبَ الناقةِ في الحُلُم فصحوتُ شاعراً).
وثمة، بعد ذلك، هندسة ضمير المتكلّم في المجموعة. وليس الأمر أنّ الأنا الناطقة المفردة تندمج على هواها في ضمير الجماعة لتحقيق علاقات تبادلية بين المفرد والجمع، بحيث يحلّ ضمير محلّ ضمير، وعن طريق تبديل الضمير من المتكلم إلى المخاطب الذي لا يعدو كونه صيغة الظلّ من المتكلم إياه؛ (لستُ أنا فقط،/جميعنا غرباءُ،/ وإلا كيفَ تفسَّرون المدينة).
والذي يبّرر لنا بحزن اتساعَ المسافات واشتراطاتها و يتركنا في فضاء ضيق يصلنا به الشاعر و لا يتصل به فتكتمل حقيقة غياب المدن جلية حين يتدفق معنى غيابها الذي تأخذنا إليه النصوص فيظن القارئ للوهلة الأولى بأن الشاعر يشرب الفضاء لكن الحقيقة التي تقولها تلك النصوص إنه يخبئ الفضاء بين الكلمات كي نتمكن من أن نتنفس الشعر حتى في سراديب المعنى حين يموضعنا في جغرافيا محددة لا ينفلت منها إلا الشعر، وبذلك تصنع تنويعاً إيقاعياً جديداً، التي تمنح الشاعر موقعاً جمْعياً نبوئياً، ناطقاً باسم الذات والأهل في آن. فالخصوصية المدهشة التي ينجزها غياث في هذه الإستراتيجية المعروفة تتمثّل في أنه يعبث بالمعادلة المعتادة، على نحو يجعل وجود الـ ‘نحن’ باطلاً ومفرغاً من شحنته الجمعية التبادلية، ما لم يتشرذم في أكثر من وجود كياني لموضوعاته، في هيكلية سردية تتخلى عن التصريح دون أن تتخفف من إسباغ المعنى المشبع على برهة كثيفة لا تترك المشاركين على الحال التي كانوا عليها قبل اللقاء. في قصيدة ‘4978 ليلة وليلة’ يقول المدهون: إلى فرج بيرقدار الذي أنفقَ 14 عاماً في السجن
(4979 ليس رقماً لحسابٍ سريّ/ ولا ناتجَ مُعادلةٍ من الدرجةِ الثالثة/ أوكَّدُ لكم أنَّه ليس رقماً اعتباطياً مُجردَّاً من الحكمةِ/ أو نتيجةَ مصادفةٍ صَنعتها دواليبُ اليانصيب/ إنَّهُ رقمٌ لزج/ لايُشبهُ أرقام الموبايل أو لوحاتِ السيارات/4979 يعني التكثيف المنظم للألم/ خلاصة الذئب).
ولكنه’في الآن ذاته يستخدم حصته من عملية التواطؤ في ‘خربطة’ قوانين اللعبة، لجهة ‘تضييع’ دم المشروع بين القبائل، المعلّقات، والنثر العربي الكلاسيكي والفكر الماركسي الكلاسيكي والمعاصر، والشعر الأوروبي الحداثي، والشعر العربي الحديث العمودي وشبه العمودي والحرّ، في وسط معتاد على الإجماع التعميمي السهل و تحمل حمل أعباء هذه الحقبة ‘العالقة’، إنه يسأل: لا أريدُ لفلسطين أنْ تتحرَّرَ حالياً…/ ماذا سَأُورثُ أبنائي/ من تركةِ جَدَّهم.
وهنا أيضاً تقترح مقاربة معيارية أشبه بأقصى القياس في تدوين قواعد التنقيب عن جماليات النثر… في القصيدة. فغياث يدير لعبة إيقاعية خفيّة تعتمد على إطلاق عناصر التكرار والترادف والتواتر، وعلى تمويه وظائفها في الآن ذاته.
وفي بحثه الدوؤب من أجل الوصول إلى ترصين نصوصه بمواصفات محكمة تجترح كل الأسباب الفنية و توفر في نفس الوقت الشروط المعرفية الصارمة’للنص وتضعه في زوايا عدة نستطيع عندها اقتراح قراءات متنوعة لنصه في سياق معرفي متجدد ندخل مسالكه وأنفاقه في لعبة سرية لا تخلو من المغامرة حين يصل بها الشاعر إلى هدف التوحد مع النص بغض النظر عن الأخاديد والحفريات الموضوعة أمام حالة التأويل.
مع الاستبعاد للبلاغة في مفهومها التقليديّ كنوع من ‘تعطيل’ اللّغة لتمارس أثرها بلا زوائد ولا عكّازات، يحتاج الأمر إلى ‘معلّم’ متمرس إذاً، ويحتاج إلى لعب حَذِر بقدر ما هو طارئ، مَرِن وميسّر وخفيّ، غير متفق على الروابط التشكيلية بين عناصره، وغير سطحي لأنه يخترق الأعماق الراكدة. وفي جميع (وأكرّر: جميع) قصائد ‘لاأستطيع الحضور’ ثمة وفرة في صناعة هذا المجاز العائم، حتى في القصيدة التي تتألف من سطر واحد (‘أصابعُ فلسطين تشبهُ أصابعَ أمي’)، وحتى في قصيدة ‘زر قميصكِ’، الوحيدة التي تشذّ عن سويّة المجموعة، وكان خيراً لغياث لو أنه حذفها.
لكن غياث آثرَ فافيّة القول و’افتضاحه’، وأبدى أكبر حرص ممكن على جلاء العبارة ونصاعتها. ولم يكن هذا صنيعاً سهلاً ولا ثمرة نزوة شخصيّة أو سليقة غير مفكَّر بها.
يقع الديوان في 144 صفحة من القطع المتوسط .