الدوحة- ‘القدس العربي’- من محمد منصور: جاء افتتاح (معارض الربيع 2014) التي نظمتها هيئة إدارة متاحف قطر، وهي الهيئة الفنية الأكثر نشاطاً وحضوراً في الدوحة، ليقدم جزءاً من مشهد فني لوّن العاصمة القطرية بألوان شديدة التنوع والزهو… فقد تحولت هذه المعارض إلى حالة موسمية تستقطب الأضواء والزائرين، وتحاول أن تنقل فكرة المعرض التشكيلي من حالته الاستئنائية المنفردة، إلى جعله جزءاً من تظاهرة تقدم تجارب متعددة حول الحالة التشكيلية المعاصرة التي تسعى إدارة المتاحف إلى تأصيلها بصعوبة بالغة.. في ظل ضعف وندرة النشاطات التشكيلية المحلية تاريخياً.
فنانات مغتربات!
في متحف الفن الحديث في الدوحة، كان فريق الصحافيين المدعوين لمواكبة افتتاح معارض الربيع، على موعد مع ثلاثة معارض استضافتها قاعات هذا المتحف الذي افتتح عام 2010 في مبنى سابق لمدرسة في (مدينة الدوحة التعليمية) التي ينظر لها كواحد من المعالم الهامة في صناعة مستقبل قطر.
المعارض الثلاثة كانت لثلاث فنانات عربيات، يجمع بينهن عيشهن في الغرب: (منى حاطوم) الفلسطينية التي تعيش في بريطانيا منذ منتصف السبعينيات، (ايتيل عدنان) اللبنانية التي تحمل الجنسية الأمريكية وتعيش في أمريكا منذ الستينيات، و(غادة الكندري) الكويتية التي ولدت في دلهي، وعاشت حياتها متنقلة مع والدها الديبلوماسي في بلدان عدة، انفتحت فيها على الثقافة الغربية.
إذن من الواضح أن هذه الاختيارات كانت تحمل تواقيع منظمين أحبوا أن يقدموا صورة عن فن تشكيلي نسائي يحمل نكهة الشرق والتأثر بثقافة الغرب، وربما أراد ان يقدم صورة عن القيم الفنية التي تحاول أن تحدث قطيعة مع الذوق الشرقي السائد في منطقة الخليج… التي فُهم فيها التحديث ـ على الصعيد الاجتماعي- بطريقة استهلاكية.
الكويتية غادة الكندري وتجاربها العلمية!
لهذا السبب أحببت أن أخوض نقاشاً مع الفنانة الكويتية غادة الكندري التي حمل معرضها عنواناً غريباً: (أقرب ما وصلت إليه من تجربة علمية).
تقول غادة الكندري في تفسير هذا العنوان ـ غير الفني- أي الذي يحيلك إلى عوالم الاختراعات والمختبرات:
‘ هذا هو أقصى ما توصلت إليه من تجربة علمية، حيث أنا المختبر، والمختبر في نفس الوقت كمجّربة أريد أن اصنع لحظات دقيقة تعكس رسوماتي، وتشكل فيها هذه الرسمومات عالماً بلا مستحيل، يعود فيه عادياً كل ما هو غير عادي.. حيث يبدو سيناريو هذا العالم مألوفاً للوهلة الأولى، بينما يتحول بخفة إلى رواية مركّبة ‘.
يمكن اختصار هذا التقديم الأدبي الذي لا يخلو من أفكار فلسفية في رؤية الفن العالم، بكلمة أبسط هي (اللعب) تقول غادة الكندري في حديثها لـ ‘القدس العربي’:
‘الكلمة الأكثر تعبيراً عن عالمي هي الأمان. أحس بالأمان والطمأنينة حين أرسم. أرتد إلى طفولتي وألعب. الفن في لحظة ممارسته هو نشاط لُعبي بالنسبة لي، فيه كل قيم اللعب الحرة من عفوية وبراءة وانسياق نحو البحث عن المتعة بعيداً عن التقيد بالمرجعيات الاجتماعية أو سواها. ألعب وأجرب وتجاربي قد تصل إلى المطبخ ‘.
تحدثنا غادة الكندري عن نشأتها [مواليد دلهي 1969] تقول: ‘ولدتُ في الهند، تنقلتُ بين الجزائر وإسبانيا ومصر وسوريا بحكم عمل والدي كديبلوماسي. تأثرتُ جداً بمصر. قابلت هناك عرباً يفكرون ويتأثرون بقيم الحياة الغربية.. لكنني أحببت هذا المزج بين الحياة الشرقية المصرية ومؤثرات الثقافة الغربية’.
توجه غادة الكندري انتقادات حادة لطريقة تعليم الرسم في الخليج: ‘طريقة تعليم الرسم في المدارس خاطئة، والمعوقات التي يضعها المجتمع تقتل موهبة الفنان… إما تجعله يمتثل للمحاذير والمحظورات، او تجعله يرسم ما يرضي ذوق المجتمع، الذي لا يريد أن يتفاعل مع تجارب تريد إقامة حوار مختلف مع ذائقته’ .
أسألها عن العلاقة بين الهوية المحلية والمؤثرات الغربية التي دخلت في العمق الاجتماعي والاقتصادي واليومي في حياة الناس في الخليج… فتحاول ان تنتقي مفرداتها كي ‘لا أبدو قاسية’ كما تقول… لكنها بعد نقاش تنتهي إلى القول إن هذه العلاقة ‘غير متوازنة’ وأن الهوية البصرية في عمل الكثير من الفنانين في الخليج ‘غير موجودة’ وتضيف: ‘هناك عدم ثقة بالهوية المحلية، ورغبة بالتقليد، او هناك معاناة حقيقية في مقاومة هذا التأثير الذي يفقد الهوية’.
ودعتنا غادة الكندري سريعاً، لتلحق بموعد طائرتها العائدة بها إلى الكويت، لكنها تركت شخصيتها معنا في رسوماتها المعلقة على جدران إحدى قاعات متحف الفن الحديث. فقد رسمت نفسها في كثير من اللوحات، بل جعلت ذاتها محوراً لها. ففي العوالم التي تصنعها غادة الكندري تعيش شخصية واحدة، توائمها وتتهادى في فضاء واسع، يبدأ من شكل المذكرات الشخصية حيث ترسم على الدفاتر الصغيرة، وتترك الدفاتر مفتوحة أمام الزائرين، ولا تنتهي بالفضاء الحقيقي للغرفة ومكوناتها المختلفة.. لتتبادل أطراف الحديث مع كل الأشياء والمخلوقات
(اضطراب) منى حاطوم: تركيبة تثير المشاعر!
قصة الفنانة الفلسطينية منى حاطوم تبدو مختلفة وإن تقاطعت في الهاجس المشترك ذاته مع مفهوم (التجربة). ولدت منى حاطوم في بيروت عام 1952 .في عام 1975 ذهبت إلى لندن في زيارة، لكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية منعها من العودة….. وبعد ان اتمت دراستها في مدرسة سليد للفنون في لندن، اتجهت إلى سلسلة من أعمال الأداء والفيديو التي ركزت فيها على موضوع الجسد، كان أبرزها شريط فيديو تركيبي يعرض رحلة بالمنظار عبر الأجزاء الداخلية لجسدها أسمته (الجسم الأجنبي) وهو ما جعلها معروفة على نطاق واسع منذ منتصف ثمانينات القرن العشرين. لكنها في أواخر التسعينيات حققت تحولا آخر في مسيرتها، حين انتقلت نحو الأعمال التركيبية كبيرة الحجم، التي تهدف إلى: ‘إشراك المشاهد في العواطف المتضاربة من الرغبة والاشمئزاز والخوف والانبهار’ كما يقول منظمو معرضها.
معرضها الذي حمل عنوان (اضطراب) يتوزع على أكثر من خمس قاعات في متحف الفن الحديث في الدوحة ويستمر حتى الثامن عشر من أيار (مايو) 2014… وفيه طورت منى حاطوم لغة تتحول فيها الأشياء اليومية المألوفة مثل أدوات المطبخ والكراسي والأسرة وبقايا الزجاج إلى أشياء قد تكون خطرة ومثيرة لمشاعر الاضطراب. إن فكرة تكبير طاحونة البث لتغدو طاحونة للبشر، أو الآلة التي تبرش الخضار في المطبخ (المِبرَشة) وصناعتها بالحجم الذي تستطيع فيه أن تَبرُش او تقشّر جسداً بشرياً، قد تحيلنا إلى صورة آلات التعذيب في أقبية المخابرات… لكنها تتخذ هنا بعداً آخر لا علاقة له بإيذاء الجسد بل بتصوراتنا حول قدرتها على ذلك فقط… وفكرة الساعة التي تحمل عقارب حديثة لكنها تعمل على جرف الرمال… ربما تعطي مؤشراً عن زمن الصحراء، الذي لم تجعله وسائل الحياة العصرية مختلفاً بالضرورة… وعن إيقاع الحياة الحديثة المسكونة بالروتين وتراجيديا العطالة والسكون!
أما تلك الغرفة التي ينتصب فيها السرير القديم وقد تحول جسده المعدني إلى مساحة من الأسلاك الشائكة، وارتسمت على وسادته الوحيدة خريطة فلسطين وقد علتها بضعة شعيرات نسائية ممزقة… واتخذ فيها حامل الملابس المعدني شكل خارطة فلسطين، فتضعنا مباشرة في قلب التراجيديا الفلسطينية مجسدة بتفاصيل مذهلة في تعبيريتها، ومهارتها في استحضار اضطراب التاريخ والشعور في وطن صار حبيس غرفة!
أثار معرض منى حاطوم اهتمام الزائرين، الذين دهشوا لتركيبته الغريبة، ومجسماته وتشكيلاته التي تعيد تشكيل إحساسنا في علاقتنا مع أشياء الحياة اليومية، وقد نشط الصحافيون في تصوير مقاطع الفيديو، فدخلت الكاميرات وسط عيدان الأسلاك الشائكة المتدلية افقياً، ووسط عشرات الأراجيح الفارغة التي تم تركيبها في قاعة واسعة تحكي عن غياب الطفولة أو تستحضر الطفولة داخلنا!
إيتيل عدنان بكل أبعادها!
المعرض الثالث كان للفنانة اللبنانية للأمريكية (إيتيل عدنان) وهو من تقييم هانس أولريخ أوبريست… ويستمر حتى السادس من شهر (تموز) يوليو 2014.
أطلقت إيتيل عدنان على معرضها اسم (ايتيل عدنان بكل أبعادها) وأعمالها فيه تجمع بين الشعر والتشكيل…. كتبت ايتيل أشعارها على جدران القاعة التي استضافت معرضها وفي ممراتها. مزجت الشعر بالنثر، والحكمة بالتأمل اليومي… كما قدمت رؤية تشكيلية لأشعار بدر شاكر السياب، في كتيب قامت فيه بكتابة قصائد السياب بخط يدها، فوق لوحات تشكيلية لها، بالألوان المائية. ويقول منظمو معرضها إن ‘ اعمال ايتيل الفنية والأدبية تحتوي على جوانب متنوعة، يمكن استكشافها من خلال هذا المعرض الذي يسلط الضوء على هذا التنوع بحيث يتضمن لمحات واسعة النطاق، تشمل اللوحة والرسوم والكتب المطوية على شكل أكورديون (اللوبيريلو) وكتابات ايتيل الأخرى.
فن خارج اللوحة والهوية!
لا يبدو المشترك الوحيد بين معارض الربيع في متحف الفن الحديث في قطر، كونها تجمع بين تجارب نسائية عربية متأثرة بالثقافة الغربية وأنماطها المفتوحة وحسب… فغياب مفهوم اللوحة التقليدية المؤطرة يجمع بين كل هذه التجارب، وتحول الفن إلى نشاط تطبيقي أو لُعبي، يحاكي ويعابث الأشياء من حولنا، ويحول الجمادات إلى تشكيلات ناطقة، ويدعو إلى التفكير بإعادة صياغة علاقتنا بكثير من مفردات حياتنا اليومية… ويبسط مفهوم الفن إلى التدخل في كافة أشكال الحياة اليومية، كل هذا يبدو أيضاً رابطاً مشتركاً ايضاً، تلتقي فيه هذه التجارب… فتحضر الدهشة وكسر المألوف، وتغيب الحالة الفنية التقليدية، لتغدو الحالة التشكيلية هنا، عملا معقداً لا يقتصر على الرسم أو النحت، بل يستفيد من كل منجزات حياتنا الحديثة، ويسخر منها، ويحاول فك أطرها!