عشوائيات سايكس بيكو وضحاياه الغجر والطفيل مثالا

وقف الرتل العسكري الصهيوني حائرا عام 1967 عند تخوم بلدة الغجر السورية المحتلة اليوم، هل يمضي قدما لاحتلالها، كما تم احتلال عشرات القرى السورية الأخرى في هضبة الجولان، كونها سورية التبعية أم يمضي إلى مهمات أخرى، لان البلدة لبنانية أثناء حرب حزيران/يونيو من ذلك العام. فالبلدة (الغجر) واقعة في سهل الوزاني اللبناني، وتقع قرية المجيدية اللبنانية في شمالها الغربي، أي اقرب منها للجولان ولمرتفعات كفر شوبا اللبنانية. أما قرية العباسية اللبنانية فتقع في شمالها الشرقي، وتبعد عنهما (الغجر) كيلومترات قليلة في جنوبهما، وهي الكيلومترات المحيرة التي تثير استغرابا ودهشة في موقعها المتوغل داخل الأراضي اللبنانية، كما أنها، أي الغجر، تقع على تخوم نبع الوزاني.
جاءت الأوامر لعسكر الاحتلال الإسرائيلي بعد ذلك بأيام، بأن امضوا إلى احتلال الغجر، كونها سورية وليست لبنانية، علما بأن القسم الشمالي منها أصبح لبنانيا، بفعل التوسع العمراني والسكاني في الأراضي اللبنانية المحاذية لأراضيها السورية. مثل هذه المتاهة هل هي حزورة وفزورة، نظرا لغرابتها وفرادتها وتداخل الجغرافيا السورية اللبنانية الفلسطينية ببعضها بعضا؟
نعم توجد غرابة وعشوائية وشطحات أقلام وأذهان ومصالح، وربما استسهال وعدم دقة أو مسؤولية في رسم الخرائط الحدودية وتفاصيلها، خصوصا في ما عمله وزيرا الخارجية البريطاني والفرنسي في اتفاق ‘سايكس بيكو’ أثناء تفاوضهما لتقاسم السيطرة على البلدان العربية المشرقية أثناء الحرب العالمية الاولى عام 1916، بينما كانت الحرب ما زالت قائمة مع الأتراك العثمانيين.
ولا زال سكان بلدة الغجر، نحو خمسة آلاف نسمة، يخوضون نضالات يومية في وضعهم الفريد هذا مع القوات الإسرائيلية، خصوصا أن المقاومة اللبنانية تطالب باستعادة القسم اللبناني من البلدة. وكانت نشبت مواجهات عدة من قبل مع القوات الإسرائيلية على تلك التخوم، في حين إن سكان البلدة كانوا يطالبون بإعادتهم إلى التبعية السورية، قبل قيام المواجهات بين النظام ومعارضيه عام 2011، في حين أن قوات الاحتلال أعلنت تبعية الجولان لها، وبالتالي فإن بلدة الغجر هي جزء من تلك التبعية. وللتدليل على مدى الخبث الإسرائيلي، فإن سكان الغجر ولخيبة الإسرائيليين كانوا وما زالوا في أغلبيتهم من العلويين وليسوا من الدروز، كبقية القرى الأربع التي أبقتها القوات الإسرائيلية بلا تدمير، لأن سكانها من الدروز! بعكس عشرات القرى الأخرى التي تم تدميرها وتسويتها بالأرض؛ نظرا لاعتقاد أوساط في المؤسسة الإسرائيلية بأن الدروز يمكن أن يكونوا مطواعين أكثر من غيرهم! إلا أن دروز الجولان المحتل، أفشلوا ذلك الاعتقاد، وقاوموا وما زالوا الاحتلال قدر ما يستطيعون، ورفعوا شعار ‘المنية ولا الهوية’ عندما حاولت قوات الاحتلال فرض الهوية الإسرائيلية عليهم.

طفيل لبنان

ذلك بعض ما حدث مع بلدة الغجر الواقعة في محاذاة الشريط الفاصل بين لبنان وسورية وفلسطين المحتلة. أما بلدة طفيل الواقعة في منطقة القلمون السورية، فهي لبنانية بحسب عشوائيات سايكس ـ بيكو، واستمرت إداريا وعلى الورق تابعة للأراضي اللبنانية منذ أيام الاستقلال وحتى اليوم، لكن من دون أن تبدي الحكومات اللبنانية المتعاقبة أي اهتمام بسكانها، أو إقامة أي مشاريع تنموية فيها؛ والاهتمام الوحيد يتمثل في محاولة كسب أصوات الناخبين فيها، عند قيام الانتخابات النيابية أو البلدية، من دون أن يكلف أحد نفسه الوصول إليها، حيث يتكفل ‘المفاتيح’ في تدبير الأمور وتسيير المعاملات والتعاملات، لأنه حتى اليوم لا يوجد طريق معبد يصل البلدة بحيزها الإداري اللبناني، حيث تبعد بلدة بريتال اللبنانية نحو 20 كيلومترا عنها. والطريق المتوافر محفر ومليء بالصخور والأشواك، لذلك فإن أراد أحد الوصول إلى لبنان أو بالعكس، فإن عليه المرور بالأراضي السورية، أو يسلك طرق التهريب الوعرة التي كانت رائجة ذهابا وإيابا بين لبنان وسورية. وكان يتم تهريب كل شيء من قبل مهربين محترفين، وكل شيء بثمنه، ليصبح تهريب السلاح والبشر والسيارات الفاخرة من أهم المهربات في الفترة الأخيرة.
عندما وصلت سكين الاقتحام إلى الرقاب، قررت السلطات اللبنانية ‘شرب حليب السباع’ كما يقولون، من أجل إيصال مساعدات إلى سكان طفيل، للمرة الأولى منذ أيام الاستقلال الأولى وحتى اليوم، بعد فوضى الحصار الذي تفرضه قوات النظام، وقوات المعارضة على البلدة، التي كان يسكنها من قبل نحو خمسة آلاف نسمة من اللبنانيين والسوريين، من المسلمين السنة والشيعة والمسيحيين. وتبلغ مساحة أراضيها نحو 52 ألف كيلومتر مربع. من بين زراعاتها الحبوب والخضراوات والكرمة والكرز والتفاح وغيرها من الفواكه. وكانت الحكومة السورية توفر الخدمات الأساسية لسكان البلدة، من تعليم وصحة وكهرباء وماء وغير ذلك، عن طريق مباشر وغير مباشر.
صحيح ان عشوائيات سايكس بيكو جنت على الغجر وطفيل وغيرهما من قرى وبلدات حدودية، لكن ألم يكن في مقدور حكومات الاستقلال المتعاقبة، التي شاخ زمانها، توفير الحلول المناسبة لتلك القرى والبلدات؟

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية