منذ كتب رفاعة رافع الطهطاوي كتابه الرائد ‘تخليص الإبريز في تلخيص باريز’ في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وباريس تحتل حجر الزاوية في كتابات الرحالة والموفدين والمهجَّرين العرب من الأدباء والشعراء والدارسين والمفكرين، فبعد رفاعة الطهطاوي ( 1801- 1873 ) ظهرتْ كتابات علي مبارك (1823- 1893) في عَلَم الدين وهو كتاب مقامي، يدور حول مهندس انتقل إلى باريس لمتابعة دراسته العليا بين عامي 1844 و 1850 وفي انطباعات هذا المهندس عن باريس ما يتلخص في أنها ‘أحسن مدن الدنيا وأعظمها لحسن نظامها، وكثرة ما فيها من المباني اللطيفة، والأشياء الظريفة’. وأحمد فارس الشدياق (1805- 1887) في الساق على الساق، وفي كنز المخبا الذي يقول فيه واصفًا باريسَ:
أذي جنةٌ في الأرْضِ أم هيَ باريسُ ملائكةٌ سُكانُها، أمْ فرنْسيسُ وبعد الشدياق ظهر كتابٌ لفرنسيس مراش (1835- 1874) الذي فتن بباريس أيما افتتان، ولا سيما بما فيها من حياة حضارية قوامها العلم والعقل، والنظام القائم على الحرية والمساواة. تلاه المصري محمد المويلحي (1858- 1930) الذي تحدث على لسان عيسى بن هشام مؤكدا أن باريس مدينة كثيرة المحاسن، جمة المساوئ، وعلى الشرقي أن يأخذ منها ما حسن، ويترك ما لم يحسن. ويعقوب صنوع الملقب بـأبي نظارة الذي نشر في العام 1899 كتابا بعنوان ‘ البدائع المعرضية، في باريس البهية’ ويبدو لمن يقرؤه كتابًا يروي فيه مشاهداته لمعارض باريسية استمرت ستة أيام طاف خلالها بقلمه في المسارح، مؤكدًا أنها (تياترات يشخصون فيها كيفيات مَنْ سلف من القرون الخالية، وما كانوا عليه من مساوئ ومنْ مناقب، وكيف كانت معاملاتهم ومخاطباتهم ، حتى يُعتبر الرأي، ويُنقض المليح من القبيح، والشريفُ من الوضيع).
ومن الأدباء الذين أقاموا بباريس ردحًا من أعمارهم فكتبوا عنها كتابة شيقة أحمد شوقي (1968- 1932) وتوفيق البكري (1870- 1932) صاحب صهاريج اللؤلؤ، وأحمد زكي باشا (1867- 1934) ومصطفى عبد الرازق (1885- 1947) ومحمد كرْد علي (1876- 1953) ومحمد تيمور (1892- 1921) ومالك بن النبي (1905- 1973) وتوفيق الحكيم (1898- 1987) ود. زكي مبارك مؤلف كتاب النثر الفني في القرن الرابع ، وأحد الذين اعتركوا أدبيًا مع الأديب طه حسين، ومع العقاد، ومع مصطفى صادق الرافعي. ففي كتابه ‘ذكريات باريس’ يسلط الضوء بصفة خاصة على المرأة الباريسية، وعلى غانيات الحي اللاتيني، وعلى ما ينشر عن الباريسيات من أخبار مروعة في الصحف، حامدًا الله على أن المرأة الشرقية تختلف عن الباريسية في اعتصامها الشديد بالحياء، واحتجابها داخل البيت. مما يدع الرجل الشرقي مطمئنًا على أهل بيته، لا كالفرنسي الذي لا يعلم متى تخونه زوجته، ومتى لا تخون. وممن كتب عن باريس يحيى حقي في قنديل أم هاشم، وسهيل إدريس في روايته الحي اللاتيني، وطه حسين في مذكرات طه حسين، ومحمد حسين هيكل الذي كتب فيها روايته ‘زينب’ وآخرون كثيرون منهم الشاعر، ومنهم الناثر، ومنهم المفكر الباحث، والفيلسوف المتأمل، والدبلوماسي المتعفّف. ويطول بنا الأمر، ويتشعَّب المقام، لو أننا عددناهم، وذكرنا عنوانات كتبهم، ومصنفاتهم، وليس آخرهم الدبلوماسي المغربي عبد الهادي التازي، الذي ترك لنا كتابًا وصف فيه رحلته الأولى إلى باريس عام 1952. ففي هذا الكتاب يصف باريس بأم العواصم، وذلك شيء يعبر عن افتتانه بها، وبما فيها من المغاني، والمجالس، والمسارح، والمتاحف، والأماكن التي تعجُّ بتماثيل النوابغ من شعراء فرنسا وفلاسفتها وكتابها، من أمثال: جان جاك روسو، وديكارت، وغيرهما الكثير الكثير.
ولا كان أخرهم الموريتاني محمد الباهي أحد الصحفيين المقيمين باريس، فقد نُشر له بعيد وفاته التي كانت عام 1997 كتابٌ في الدار البيضاء بعنوان لا يخلو من دلالات وهو (اكتشاف باريس) (2008) يذكرنا هذا الكتاب، والعهدة في ذلك على ذمة أحمد المديني مؤلف نصيبي من باريس( 2014) باصحاب الحوليات، مع منهجية تتصف بالموسوعية في البحث، والتحقيق، لا تعوزها العقلية التركيبية التي تؤمن بتعدّد العوامل الصانعة للمُدن، ولا يعوزها التفاعل ، ولا الإيمان العميق بأنّ التاريخ سلسلة من المسارات المتواشجة، تستمر بالدم، والثورات، ومَكْر السياسة ، إلى جانب عبقرية الأفراد، وهو المنهج ذاته الذي غلبَ على أعمال المؤرخ الفرنسي عمانويل لوروا ألدوري (1929) الذي كان الباهي مولعًا به جدًا، ومعجبًا بمؤلفاته إعجابًا شديدًا.
وأياً ما يكن الأمر فإن الشيء المشترك الذي تتصف به الكتب المذكورة، وتتصف به تلك التي لم تذكر، استبعادًا للإسهاب، وتجنبا للإطناب، أنها جميعا تقدم لنا رؤى متغايرة لأصحابها لباريس، لكنها بتغايرها هذا، واختلافها، تفصحُ عن صورة متكاملة الخطوط والأضواء والظلال اكتمالا يَعْلقُ به القلب. ولهذا فإنَّ صديقنا أحمد المديني الكاتب القصصي والروائي والأكاديمي المغربي، يحاولُ، بعد أنْ سلخ من عمره المديد- إنْ شاء الله- نحو ثلاثين عامًا أو تزيد في مدينة النور، والفكر، والفنّ، بحذر وتهيّب أن يدلي بدلوه في هذا السياق، وأن يضيف جديداً لذلك المقام، تهيبًا وحذرًا مصدره طريقة الكتابة عن باريس، وضرورة أن تكون طريقته مغايرة لطرائق من تقدَّموه، مختلفة عن طرق من سبقوه، طريقة تليق بهذه المدينة التي هي حقاً مدينة النور، والفكر، والفن.
فلا تكفي الرغبة في تذكّر المكان، أو إعادة اكتشافه صيانة لمخزون الذاكرة، ولا تكفي أيضًا الرغبة في استعادة الزمن بما يمثله من مراحل الصبا، وعنفوان الشباب، ولا يكفي أيضا الحنين لريّق الماضي تعلة للقيام بهذه المهمة، التي هي من أصعب المهام، إذا أردنا الدقة الصريحة التي لا تحتملُ الموارَبة. ولا تكفي الرغبة في كتابة تاريخ شخصي ذاتي يروي فيه المؤلف، ويذكر المصنّف، ما كان له من شأن في جامعة باريس الثامنة، أو الثالثة، أو الكوليج دو فرانس، أو السوربون، وما أعده من أطاريح..ولكن هذه الدوافع، وهذه الرغبات تجتمع طرًا لدى المديني، وتدفع به دفعًا كمنْ أصابته (صعقةٌ) فهبَّ مذعورًا ليكتب هذا السِفر الأنيق (280ص) بأسلوب لا يُعْوزه التشويق، ولا يغيب عنه التعبير السلس الرقيق. فهو سيرة ذاتية عبر المكان، وتاريخ شخصي عبر الآخر، واعترافاتٌ لا ينقصها البوحُ، وإن كبح جماحَها التحفظ. وهو في نهاية النهاية رواية يرويها السارد للأجيال طلبًا للموعظة والعبرة، وتوثيقًا للذاكرة والمذاكَرَة.
فالدوافع الذاتية التي دفعت به لاختيار باريس منتجعا ينتجعه، ومحجّا يقتصدُه، بعد أن ظفر بالشهادة الجامعية الأولى في فاس، وبعد أن عمل سنوات في التدريس ببلاده تارة، وفي العاصمة الجزائرية تارة، شد الرحال كسلفه عبد الهادي التازي إلى عاصمة الثقافة والفن باريس، وهاجسه الثابت الذي لا يريم الاختلاف إلى معاهد العلم، وجامعات باريس، ومكتباتها التي لا تحصى. يروي في الصفحات الأولى حكايته مع البوغاز (مضيق جبل طارق) فالجزيرة الخضراء في إسبانيا، فالأندلس، التي اجتازها في ليلتين نحو تخوم (البرنس) ملقيا عصا الترحال في الدائرة الخامسة بباريس، ليقيم في أحد أزقة هذه الدائرة، ثم يروي لنا في فصل يمسك بأنفاس القراء قصة زيارته الأولى للحي اللاتيني ، ذلك الحي الذي اتخذ منه سهيل إدريس- مؤسس دار الآداب – فضاءً لحوادث روايته (الحي اللاتيني) فهو يتجوّل بين مطاعم الحي، ومقاهيه، ومكتباته، وفي خياله تتداعي حوادث تلك الرواية.
يحاول المديني الاندماج في الحياة الجديدة. لكن الحنين إلى الأهل، وإلى أمّه بالذات، وإلى قفتها التي تحتوي ما لذ وطاب من الأطعمة والمشهيات، يعكر عليه صفو تلك اللحظات. فالشعور بالاغتراب، كما قال الشاعر عبد الصبور (خَرَاجٌ) ولا بد للمبدع والمثقف أن يؤديه، وضريبة للتميّز لا بد أن تسدَّد في الموعد، والأوان.
وهكذا نجد الكتاب، والمكتبات، والأصدقاء من أمثال: محمد باهي، وعلياء، في جانب ، والحنين إلى الأسرة في جانب آخر.
يجد المديني عزاءه في تلك المكتبة التي تحمل اسم فرانسوا متران، ففي قاعاتها الوقور التقى، وجالس العديد من الجهابذة: ميشيل فوكو، وبودريار ، والمستشرق أندريه مايكل، والمستشرق مكسيم رودنسون، وبورديو، وعبد الرحمن بدوي، وبنسالم حميش.. يجلسون الساعات الطوال.. وحين يأتي موعد الغداء يكتفون بالساندويش، وبعض المياه المعدنية، على طريقة فوكو. في باريس، وعلى إيقاع السلال التي بدأت تصل إليه مع القادمين من المغرب حاملة بعض ما يؤجج الحنين، تعرف على طالبة من سوريا (علياء) كانت قد سبقته بعامين، ونشأت بينهما علاقة تحفَّظ في الكثير مما رواه عنها، وإن كان في الذي ذكره عنهُما ما يوحي بالكثير من التفاصيل المضمَرَة. لكنه كغيره ممّن كتبوا عن باريس، كلما روى لنا حادثة، أو وصف لنا مشهدا، مما رآه، سارع للمقارنة بين باريس والحياة فيها من ناحية، وما اختبره من ألوان العيش والنظام الحياتي في بلادنا نحن العرب من ناحية أخرى. فعلى سبيل المثال، يدهشه اصطفاف الباريسيين أمام بائع الفواكه لا يزاحم أحدُهم أحدًا. ويدهشه أن يرى بين المصطفين علما من أعلام الفلسفة هو ميشيل فوكو. فيروي لنا ما رآه موازنا بين موقف هذه الفيلسوف الشهير، ومواقف صغار المثقفين لدينا ‘بزنقة روشيليو، البروفسور، الفيلسوف، ميشيل فوكو، بصلعته اللامعة، ونظراته الحادة، ينتظر كأيِّ واحدٍ من الناس ، دوْره، لابتياع التفاح، أو البرتقال، لا غير، فالفيلسوف هنا لا يبحث عن المال، ولا عن الجاه، ولا عن مقعد في البرلمان، ولا عنْ كرسيّ وزارة..’.
ومما يُدهشُ له القارئ أن المديني في الفصل الذي يحدثنا فيه عن غواية الفصول، يؤكد لنا أن الخريف، وهو الفصل الذي يوصف عادة بأسوأ فصول السنة، هو الذي فُتنَ به المؤلف، فخريف باريس كالربيع في غيرها من مدن.. فاتن.. ورائع. ليس كخريف فاس، أو الدار البيضاء، ولا كخريف برشيد، أو غيرها من مدن. ولأنه أحبَّ خريف باريس كان عنوان مجموعته القصصية التي صدرت في العام 2009 تحمل عنوان ‘خريف’. ففي باريس يواصل اكتشافَ الغابة، واكتشاف الشمس، واكتشاف الغيم ‘قبعة السماء’ واكتشاف الشارع، والدائرة ، واكتشاف الألفة بعيدًا عن الشعور النوستاليجي بالاغتراب، فهو ‘لا يجد وقتا للإحساس بأيّ حنين رغم السلال التي تأتيه من المغرب مع القادمين، فلا غربة لمن يربط أفقَ يومه، وغدهِ، وأحلامه، بأقربِ عودةٍ إلى الوطن، ليرتمي في أحضان الوالدة، مقبلا ذا الجدارَ وذا الجدارا. منتشيا بين ‘أولاد الدرب’ كأنه عاد من القمر توا’.’
وفي باريس أيضا يكتشف عادة التواصل، والتحول في اللهجة الفرنسية من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطَب. وفي السوربون يلتقي كلا من جاك لينهارت أحد تلامذة لوسيان غولدمان صاحب المذهب البنيوي التكويني .. والإلهِ الخفيّ. وعالم راسين. والبورت رويال. ويلتقي البروفسور جيرار جنيت أحد كبار دارسي السيميائيات السردية، والمنظرين للسرد ولخطاب الحكاية. مواصلا تنقله بين جامعة باريس الثامنة، والثالثة، والكوليج دو فرانس، والسوربون، وفي فقرة مكتنزة دلاليًا يروي لنا شيئا عن مقابلته للكاتب آلان روب غرييه مؤلف كتاب ‘الرواية الجديدة’.
تلك المقابلة التي جرت بالصدفة عندما ألفى نفسه يزاحم الآخرين في حشد من الطلبة في زنقة (أولم) الشهيرة في يوم من أيام شهر نوفمبر (تشرين2) من العام 1982 وهو يتحدثُ ببالٍ رخيٍّ عن صنعته الروائية. فتقدم المديني منه طالبًا رقم هاتفه، ليقول له هذا بكلمة موجزة: (أوه تستطيع أن تجده في دليل التلفون) وبعد أيام زاره في بيته بضاحية نويي ليقول لنا واصفاً ‘زرته بعيد وقت وجيز، في بيته، في ضاحية نويي ، وإذا هو منزلٌ مختنق بالكتب، والأوراق، والملفَّات، وهو يتحرك بينها بصعوبةٍ، ويتحدث عن أشياءَ مختلفة، وخلالها يقول لي: ليس لديَّ ما أعطيك. اعتمد على نفسك. عليك بالعمل. العملَ. العملَ. وفهمت أن آلان روب غرييه مهندسٌ فلاحي ، فالكتابة عنده هي حقل يحرثه، ويقلّبه، ويغرسُ، ويتعهَّد، وينسِّق بدأبٍ شديد، ويجني أخيرًا’. ص170
وفي الكتاب فصولٌ شائقه، وشهادات رائقة، عن أصدقاء نابهين عرفهم المديني، وعاشرهم في باريس، لسنين طويلة، وآماد غير قصيرة. منهم من هو أستاذ تتلمذ له في سنوات الطَّلب: كجمال الدين بن الشيخ، مؤلف كتاب ‘الشعرية العربية’ فكان له في سني الإشراف نعم الأخ، والصديق الحميم، والمعلم. ومنهم من هو شاعر كأحمد عبد المعطي حجازي الذي غادر القاهرة مضطرا بعد زيارة الرئيس المصري للقدس، وعقده اتفاقية الإذعان. ومنهم من هو روائي كبير كعبد الرحمن منيف، مؤلف رواية شرق المتوسط، والنهايات، وعالم بلا خرائط، وسباق المسافات الطويلة، وحين تركنا الجسر، ومدن الملح، وأرض السواد،الذي توفي إثر عملية جراحية ببيروت 2004 . ومنهم من هو صحفي كالموريتاني محمد باهي، الذي توفي هو الآخر في الدار البيضاء سنة 1997 تاركا وراءًهُ مادة الكتاب الذي نشر لاحقًا بعنوان اكتشاف باريس (2008) وعنه ألف عبد الرحمن منيف كتابه الشيّق، الممْتع (عُرْوةُ الزمان الباهي) ومنهم محمد آيت قدور أحد السياسيين المنشقين على الحسن الثاني سنة 1971 والمفكر الفيلسوف محمد عابد الجابري، مؤلف الخطاب العربي المعاصر، وبنية العقل العربي, وشاكر نوري، وعبد الواحد عوزري، وعبد الرحيم الجلدي وآخرون لا يتسع هذا المقال لذكرهم، وذكر ما شهد به وفيه المديني. فهو جزء من الكتاب يحتوي على شهاداتٍ واقعيّة، مؤثرة، عن هؤلاء المفكرين الباريسيين إذا جاز التعبير وساغ، كُتبتْ بأسلوب سلس لا تعوزه الشفافية، ولا الرحيق الوجداني الذي يشعرنا بما في الأسلوب من نشوة تشبه بمذاقها مَذاق النبيذ الباريسيّ الشهير.
صفوة القول، وزبدة الحديث، أن أحمد المديني بهذا الكتاب (نصيبي من باريس) يكتب لنا سيرة ذاتية من خلال المكان، الذي هو باريس، مؤكدًا في كل فصل منها، بل وفي كل صفحة، وفي كل فقرة، أن الحياة هي الكتابة، والكتابة هي الحياة.
‘ناقد وأكاديمي من الأردن