الطير اللي يغني وجناحه يرد عليه

حجم الخط
0

الطير اللي يغني وجناحه يرد عليه

جمعة بوكليبالطير اللي يغني وجناحه يرد عليهكيف تحب جاراً لم تره عيناك، ولم تسمع له صوتاً، مع علمك أنه يعيش جنبك، ويشاركك تنفس نفس الهواء الذي تتنفسه، ويستخدم نفس درجات سلم العمارة الذي تستخدمه يومياً ؟هل كان المسيح (عليه السلام)، حينما تلا وصاياه العشرة علي مريديه، ومن ضمنها وصية (أحب جارك)، علي علم بما سيحدث من تغير في أحوال الناس وأمور دنياهم في مدينة هائلة الكبر مثل لندن بعد مرورقرون طويلة من الزمن؟أحياناً، ينتابني شعور غريب، فأحس بنفسي وكأنني أقيم في قبر في مقبرة محاطاً بالقبور عن يميني وشمالي. لا أحد يعرف أحداً، ولا أحد يكلم أحداً، أو يسأل علي أحد. أحياناً، اشعر بشيء من الخوف حينما أفكر فيما سيحدث لي لو أني مت، فجأة، في سريري أثناء نومي!! من سيفتقدني من جيراني؟ من منهم سيجرؤ علي طرق باب شقتي للاطمئنان عليّ والتأكد من أنني لم أصب بمكروه؟ هل سيحدث لي مثل ما حدث ويحدث لأناس كثيرين مثلي يعيشون لوحدهم، ولم يعلم أحد بموتهم إلا من خلال رائحة تعفن جثثهم؟أحب جارك!!يا سيدي المسيح أين هو هذا الجار أصلاً كي أحبه أو أكرهه؟صمت عن يميني، صمت عن شمالي، صمت فوقي، وتحتي صمت. من حين لآخر يخرق الصمت صوت بعيد، عندها أعرف أن أحد جيراني موجود بشقته، أحياناً اسمع صوت موسيقي، أحياناً أصواتاً مختلطة تعلو وتهبط، فينتابني احساس بأن الدنيا ولّعت في شقة أحد الجيران، ثم يستأسد الصمت: فماذا يفعل رجل مثلي في مدينة لا يجد فيها المرء ما يكفي من الوقت للتعرف علي جاره وممازحته وقضاء بعض من الوقت في صحبته، والسؤال عن أحواله؟كيف يمكن لرجل مثلي تحمل كل هذه الوحدة المرة، في مدينة تضيق شوارعها وارصفتها وبيوتها بالبشر وهو القادم من مدينة تعود فيها أن يعيش في بيت مفتوح، كوكالة بدون بواب، يدخله الجيران ويغادرونه في كل وقت؟ كيف ستقدر علي اجترار كل هذا الصمت من حوله في مدينة لا مبالية، يغلفها الضباب، وتزدحم بالبشر واللعنات والضحكات من كل اللغات؟وطرابلس أبعد من طفولة ضاعت في زحام الوقت، واستحالت شجراً اكتهل بالنسيان، أناديها فلا أسمع سوي صدي صوتي، ألاحقها كطريدة في مروج الذكريات فتراوغني، وتفلت مني، وأظل ألهث في شوارع لندن خلف الباصات والقطارات، أدخن حسرتي وانا أرصد بتوتر خفق الأنوثة تضج من حولي، فأصرخ بملء صوتي: يا بلادي البعيدة، فلا يسمعني سواي، أواصل لهاثي، وانقّب في مشاجب الذكري عما تبقي عالقاً من فرح لعلي أتوسده حين آوي إلي فراشي، وأنام، علي أمل الحلم بوطن يدثرني دفؤه، ويحميني عشقه من غوائل الزمان. وطن يسمح لما تبقي من أحلامي باللعب في ربوعه، للغتي أن تتطاول وتسمق كالشجر العظيم، لأسئلتي أن تخرق مسامات الصمت وتتدفق كالنوافير في الميادين، وتفتت ما أنبت الوقت من حسك في حلقي.أحب جارك!!تساءلت ماذا لو أن المسيح (عليه السلام) يبعث، من جديد، في لندن هذه الايام؟ ماذا تري يفعل لو حدث وأقام في شقة في عمارة سكنية كالتي اقيم بها؟الوحيد الذي أقابله في العمارة التي أسكن بها هو البواب، ولا نتبادل من التحايا إلا اقلها. مرة استوقفني وأنا أهم بمغادرة الباب الخارجي للعمارة ليبلغني أن سمكرياً قادماً لاستبدال مضخة الماء في شقتي. مرة أخري استوقفني وانا داخل من الباب الرئيسي ليبلغني أن مالك الشقة قادم صباح الغد لتفقد الشقة. مرة التقيته في السلم الرئيسي. كنت نازلاً وكان صاعداً. عنّ لي سؤاله عما إذا كان غيري يقيم بالعمارة؟!مرة حكيت لصديق لي عن ضيقي من السكني في عمارة لا أعرف فيها أحداً من جيراني، ضحك صديقي وقال لي يا لك من محظوظ، وماذا تعمل بهم؟ تعال مرة معي إلي بيتي وانظر واسمع كيف يحيل جيراني حياتي إلي جحيم. ثم علّق ساخراً: قال جيران قال وضحك ضحكة مجلجلة أزعجتني، وظلت عالقة في حنية من حنايا الذاكرة، أتذكرها كلما فكرت في الشكوي لصديق ما من تبرمي من جيران لا اعرفهم ولا يعرفونني.كاتب من ليبيا يقيم في لندن0

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية