‘مشية العار’: عن أي مجتمع نتحدّث؟!
يُقدم بريل المجتمع الأمريكي بوصفه مجتمعاً شكلانياً، يحكم على الشخصيات من منظرها الذي توحي به، من لباسها، ومنظرها، وأي علامات خارجية ولو كانت رائحة الكحول التي يهاجم شرطيان ميغان بسببها وبسبب تواجدها في شارع للدعارة، فيقرّران أنها تعمل في هذا المجال ويرفضان الإصغاء لطلبها المساعدة. الشرطيان، كما كل من يعبر بسيارته ويتوقف لينظر إلى ميغان في ثوبها الأصفر الضيّق، السيدات في حافلة النقل وسائقة الحافلة، المُهاجر سائق التاكسي والرجل صاحب المحل، الصبي المراهق وحتى رجل الدين كلٌّ يبحث عن الأنثوي الذي يشتهيه في المرأة التي يراها أمامه حتى وإن كان صوتها، حيث نرى رجل الدين يطلب منها الغناء لينتشي بمتعة صوتها المُحرّم عليه بحكم التعاليم التي يتبعها.
وحدهم تجار المخدرات ينظرون إلى ميغان بشكلٍ مُختلف، ويحاولون مساعدتها. ميغان التي عوضاً عن أن تطلب تكسي أجرة حين امتلكت هاتفاً تقرّر الاتصال بخطيبها السابق!! ميغان التي تقضي ليلتها ويومها تجوب الشوارع المختلفة لم تفكر أنّه ربما حتى حقيبتها قد سُرِقَت، ولم تفكر حتى بأن تأخذ سيارة أجرة ثانية إلى مكان عملها، والتي ترفض الاتصال بأهلها رغم كل ما تعانيه، علماً أنّ عزلة الشخصية وانفصالها عن أهلها لا يتناسب مع ما قدمه بريل في بداية الفيلم، حين تعلّق والدتها على ملابسها ويكون رد ميغان بالشكر والاهتمام بترتيب ملابسها قبل ظهورها في نشرة الأخبار.
وفق النموذج الذي يعرضه بريل، فإنّ الشاب ساقي الحانة، الغريب تماماً والذي لا نعرف حتى نحن المشاهدين عنه شيئاً سوى أنّه يكتب في الحقل الروائي صباحاً، وهو كما يقول مهتم بـ ‘الدراما الرومانسية المُعاصرة’، ليس خطيراً الذهاب معه، وهو لا يشبه صور التحذيرات التي قدمتها أفلام أمريكية عديدة من الذهاب مع غريب دون علم أحد، وأنه لن يقوم بسرقة ميغان أو سرقة سيارتها وحتى منزلها، بل على العكس نجده مهتماً بمساعدتها، رغم أنّه حين يستيقظ صباحاً يجد صعوبة في تذكر اسمها!!
أزمات كثيرة تقع في فيلم بريل، هي أكثر عمقاً من مجوعة الأسئلة حول منطقيّة الأحداث وبناء الشخصيات وواقعيتها، لعلّ أوّلها اختياره للإطار الكوميدي أثناء محاولته تقديم نقد جاد لقضايا ربما، يعيشها المجتمع الأمريكي، خاصة وأنّ النقد الذي يعرضه بريل من خلال الصورة التي يرسمها لهذا المجتمع، هي صورة جديدة إن صحّ القول. إذ عبر محاولات عديدة فنية وأدبية وحتى دراسات نقدية وبحثيّة تمّ الحديث عن الفردية التي يعشيها الإنسان في المجتمع الأمريكي، وانتقاد ضعف حضور الأسرة في حياة الفرد.
وحتى النظام الفرداني الذي يقوم عليه الكثير من العمل المؤسساتي لا يغيب عن بريل انتقادها في آخر الفيلم حين يُعرض عمل جيد على ميغان ولكن يُطلب إلى مُنتجها الذي عمل معها طويلاً كمذيعة أخبار الابتعاد عن المشروع القادم.
إلاّ أنّ بريل يقول اليوم بشكلانيّة المجتمع الأمريكي، وبضعف حضور حس المساعدة الإنساني تجاه الآخر، لأنّ هذا الآخر- كما تقول احدى السيدات في حافلة النقل- غير محترم في ملبسه وعمله الذي تفترض أنّه الدعارة، فهل هذا هو المجتمع الأمريكي!! أليس الحلم الأمريكي بأنّ كل شخص يستطيع أن يحقق ما يحلم به لا يهم شكله أو أصله العرقي او الديني أو وضعه الاجتماعي أو المالي طالما هو جاد وقادر على العمل ؟!! وهل بتنا نتحدّث اليوم عن معايير أخلاقية مُعينة يُطالب الفرد في المجتمع الأمريكي التقيّد بها؟