وبعزٍ قالت:
(حافظ على حرزي؛
فيه قوة خفية!
هو الذي وَهبكَ الحبَ.
حرزي يا عزيزي
لن ينقذ رأسَكَ من علّة،
من قبر، من عاصفة،
من زوبعة مريعة.
ولن يهبك ثرواتَ الشرقِ،
ولن يذعن لكَ أتباع النّبيِّ؛
ولن يسري بك،الآن،
من أشجان بلاد الغربة في الجنوب
إلى حضنِ خليل
بموطنك في الشمالِ،
ولكن حين تفتنكَ
العيونُ الماكرةُ
وتلثمك، من غير حب،
في ثغر الليالي الدامسةِ
حافظ، أيها الصديق العزيز!
على حرزي من الجريمةِ
من جرحٍ جديد في القلبِ
من الخيانةِ، من النسيان!).
وما هو طريف أن صحائف الأدب الروسي المبكرة تكشف عن معلومة رائعة تقول؛ بأن الشاعر ألكسندر بوشكين، المنفتح على آداب وثقافة الشعوب،اقتبس موالاً عربياً من (مجموعة أشعار شرقية وفرنسية)جمعها، باللغة الفرنسية الكاتب المصري يوسف العجوب***(1795-1832)، مُعاصر بوشكين، وطُبعتْ في باريس عام (1835)، وضمّنه قصيدته (تقليد أغنية عربية) التي نُظمت كاملة من مبنى ومعنى هذا الموال العربي القُح:
قامت فقلت أُقعدي قالت مشيبك بان
قلت كافور بدا من بعد مسك كان
قالت صدقت، ولكن فاتك العرفان
المسك للعرس والكافور للأكفان.
يقول الشاعر بوشكين في قصيدته (تقليد أغنية عربية)، الجانحة إلى الإيجاز والتكثيف، والمُتكئة في مغزاها على نص الموال. وفيها نلاحظ تمازجاً بين ذكاء بطلة حكاية الموال وليلى التي تعيد في أبيات بوشكين تأكيد ذاك الذكاء الحاد وتلك السخرية اللاذعة مما آل إليه حال المولع بها؛
ذات مساء همت ليلى،
غير مكترثة للانصراف عني،
قلت لها: ‘ تمهلي، إلى أين؟ ‘
فاعترضت قائلة:
‘رأسك أشيبٌ ‘
أجبتُ الهازئة مختالاً:
‘لكل شيءٍ نهاية –
ما كان مسكاً قاتماً
صار اليوم كافوراً’.
هَزِأتْ ليلى من كلامي الخائب
وقالت: ‘أنت تعرف:
انَّ المسك العذب للعرس،
والكافور للِّحد’.
الخان والحسناء الغيورة
والدارج في كتب تاريخ الأدب الروسي أن شاعر روسيا الأكبر الكسندر بوشكين، هو الآخر، تعاطف مع أسطورة رومانسية روت مصير مأساوي للأسيرة البولندية، الأميرة الشابة ماريا بوتوتسكي، التي وقع في حبها خان القرم المسلم (غيري). وتقول الأسطورة ان زوجة الخان الجورجية الحسناء زاريما قتلت ماريا لغيرتا منها، الأمر الذي دفع الخان (غيري) أن يأمر بإغراق زوجته زاريما. وبتأثير من هذه الأسطورة الرومانسية- المأساوية غاص الشاعر عميقا، بكل ما يحمله من ومشاعر ووشائج إنسانية جياشة، تعبر عن عاطفة شفافة كبرى تفيض بالأحزان واللواعج والأشواق، في نفس ماريا الضحية التي بقت روحها تتدفق مع تدفق نافورة الرخام التي شيدها زوجها خان القرم تخليداً لها في ركن منعزل بالقصر؛
بعد أن أخمد نار الحرب
في القفقاس والبلاد المجاورة
وأرياف روسيا المسالمة،
عاد الخان إلى (تفريد).
ولذِكر ماريا الآسية
شيد نافورة رخام
في ركن منعزل بالقصر
يعلوها صليبٌ يُظللّهُ
هلالٌ مُحمدي.
وفي قصيدة، (نافورة قصر باختشي سراي)- (نافورة الدموع)، العميقة النفاذ إلى وجدان المتلقي، خاطب الشاعر بوشكين، بوداعة تشوبها الدهشة والذهول من جلل المصاب المأساوي الذي مس وآلم روح الكسندر وتسرب عميقاً إلى وجدانه. وما كان من الشاعر إلا أن حمل إلى نافورة الدموع (وردتين هدية) تعبران عن تعلقه وشغفه بها وبأسطورتها الرومانسية التي أثارت قريحته الشعرية، وتعدتها إلى زوار قصر خانات القرم، وربما أوحيت إليه بغرام- عُذري ما انفك يُراود روح الكسندر البهية الغارقة في هيام الشعر والغرام، التي قطعهما على غرة الموت المُبكر!؛
نافورة الحب أنت، نافورة حيّة
جئت إليك بوردتين هدية
أحب صوتك الدافق
ودموعك الشاعريّة.
برودةُ ندى غُبارك ِالفضي تنعشني
آه يا ينبوع المتعة،
تدفقي، تدفقي !
أهدري.. أهدري لي أُسطورتَكِ الحقيقيّة…
نافورةُ الحُبِ، نافورةُ الحزنِِ
سألت ُرُخامَكِ: أصغيتُ إلى مَديحكِ
للبلاد البَعيدةِ،
لكنك ما تفوهت بكلمة عن مارياô
أَحقاً أنّّكِ يا نور بيت الحريم الشاحب
منسية هُنا؟
أم أن ماريا وزاريما وحدهُن
مجرد أمان سعيدة؟
أو ليسَ سوى حلم في المخيلة
رسم رؤاهُ اللامحة برهة
كمالُ الروح ِالغامض
في عتمة الفراغ.
وأيضاً لا تخلو قصيدة (من حافظ ‘معسكرٌ قُربَ الفُرات’) من ومضات صوفية موحية إلى إيمان فيه الرّحمةُ حاجبُ الجمالِ عن سيوف الموت، وإلى النّجاة تمضي به و(بهجة الهناء) المتوجة بالرضاء النفسي والاطمئنان الروحي؛
أُيها الشاب الوسيم،
لا تقع أسير الحرب المجيدة؛
لا ترم نفسك
مع حشد القره باغيين
في أتون القتال الدامي!
أعرف، أَنَّ الموت لن يواجهك
وأَنَّ عزرائيل سيلمح جمالك،
من بين السيوف،
ويشمله بالرَّحمة!
أَخشى عليكَ أَنّ تفقد
في القتال، وإلى الأبد
حشمة التحرك الهيَّاب،
وبهجة الهناء والحياء!.
‘ باحث وأٌستاذ جامعي/ روسيا
** جميع القصائد المنشورة أعلاه ترجمة ناظم مجيد حمود.
*** قَدِمَ إلى باريس بصحبة والده الضابط المصري الذي خدم في جيش نابليون بونابرت إبان حملته على مصر وبلاد الشام (1798-1801).
د. ناظم مجيد حمود