أكثر من أربعة عقود من ظهور الرواية الجزائرية الحديثة المكتوبة بالعربية ‘اللاز’ للطاهر وطار ورواية ‘ريح الجنوب’ لعبد الحميد بن هدوقة وانتشارهما محليا وعربيا وما حققهما من نجاحات. يطرح اليوم السؤال الأكثر تواترا في الصحافة الثقافية من كل المهتمين من أكاديميين وروائيين:
– ما مدى حضور الرواية الجزائرية في المشهد الثقافي العربي والعالمي في الألفية الجديدة؟
إلى جانب هذا السؤال المركزي تتفرع عنه أسئلة أخرى متشنجة وصادمة تتعلق أساسا بالتراجع الذي سجلته هذه المدونة الروائية الجزائرية وغيابها المتكرر عن أهم جائزة عربية وهي البوكر (ما تحمله من قيمة كبيرة معنويا وماليا واحتفاء وترجمة) باستثناء المرة الوحيدة التي وصلت فيها رواية ‘دمية النار’ للروائي بشير مفتي إلى اللائحة القصيرة في الطبعة الرابعة2012
من بين هذه الأسئلة تلك التي طرحها الأستاذ د/إبراهيم صحراوي في مقال نشره في موقع أوان: هل البوكر أكبر منا ومن روائيينا؟(1) والروائي سمير قسيمي في استطلاع لجريدة الجزائر الجديدة كان أكثر قسوة إذ قال: لو كنت أملك سلما تقييميا لأدرجت الرواية الجزائرية في الدرج ما قبل الأخير(2) ونسجل هنا موقف الأكاديمي القاص سعيد بوطاجين من الرواية الجزائرية متهما إياها بالعجز بالنظر إلى ما ‘تعاني من بعض المتاعب اللغوية والأسلوبية (3).
فكل القراءات (بعضها تشبه الحواجز المزيفة) تؤكد أزمة هذه المدونة الروائية والغريب في هذا الحكم، نجده متداولا أيضا في معظم الدول العربية، فنقرأ مثلا مقالات تصدر هنا وهناك عن أزمة الرواية المصرية، أو عن أزمة الرواية السعودية، وعن الرواية السورية، كأن هذا العنوان مشجب نعلق عليه بعض الترهات والترف النقدي وهو ‘ثغرة في جدار النقد العربي (4) على حد تعبير الكاتب محمد برادة، للهروب من أهم الأسئلة التي تتعلق بالمتن والشكل وكيف تروج لروايات حقا أثبتت قوتها وإبداعيتها وانفلاتها من الشكل الكلاسيكي وقدرتها على الاختراق في السنوات الأخيرة.
فالكتاب الجزائريون بعد أكتوبر/تشرين الأول تحديدا، كتبوا عددا كبيرا من الروايات باللغة العربية أكثر من مئتي عنوان، وهو رقم مهول بالمقارنة مع فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، في ظل أزمة النشر التي صاحبت نشر هذه الأعمال، وكان هذا الزخم الإبداعي بفضل دعم جمعيات خاصة حديثة النشأة أو دور نشر خاصة. اكتشف القراء الجزائريون كتابا شبابا نشروا لأول مرة، وبعضهم كانوا إعلاميين جربوا فن الرواية، أو شعراء تحولوا إلى روائيين. صحيح أن الجيل الجديد بدأ المغامرة الروائية دون عقدة، والبعض قتل الأب الرمزي أو على الأقل سحب البساط من تلك الديناصورات بوقوفهم الند للند أمامهم معلنين ميلادهم بنصوص متشظية جريئة وجديدة، وتجريبية، في ظل تصاعد العنف الدموي الذي راح ضحيته الكثير من الأسماء المبدعة في الجزائر.
كتب الروائيون الجزائريون الشباب أعمالهم بداية من نهاية الثمانينيات، كتبوا بكل جرأة، بلا حماية حقيقية من المؤسسات الرسمية، التي هي الأخرى كانت تبحث عن حماية وشرعية جديدتين. فجاءت روايات التسعينيات مليئة بالغبن واليتم والغربة، شكلا ومضمونا، لكنها كشفت عن قدرتها في الاختراق والإعلان عن نفسها. صحيح أنها قوبلت بالاستهجان والاحتقار أحيانا، ومتهمة بالسطحية والاستعجال والفقر المعرفي. فكتابات هؤلاء الشباب لم تكن سحابة صيف كما اعتبرها النقاد ذوي النيات السيئة، فهذا الجيل الجديد لم ينتظر الترحيب أو الاحتضان من الآباء التقليديين المعسكرين ضد الحداثة وضد الرواية الجديدة بلغتها البسيطة والمباشرة التي تسمي الأسماء بأسمائها رغم كل المآخذ الكثيرة.
الرواية الجزائرية التي تصنف في الدرج ما قبل الأخير هي نفسها التي حققت نجاحات عربيا، فرواية ‘وصية المعتوه’ لإسماعيل يبرير تحصلت على جائزة الطيب صالح، ورواية ‘نورس باشا’ للروائية هاجر قويدري تحصلت أيضا على نفس الجائزة، ورواية ‘أصابع لوليتا’ للروائي الكبير واسيني الأعرج المستبعدة من اللائحة القصيرة لمسابقة البوكر لقيت نجاحا واحتفاء نقديا كما تحصلت على جائزة مؤسسة الفكر العربي وقبل هذا حققت رواية ‘ذاكرة الجسد’ لأحلام مستغانمي نجاحا وانتشارا منقطع النظير ففازت بجائزة نجيب محفوظ في مصر. وليس من السهل أن تخترق أي رواية عربية السوق المصري إذا لم تكن مبهرة حقا، وبتجربتها الجريئة تلك في أول رواية لها فتحت شهية الكثير من الروائيين والروائيات للمغامرة في الكتابة عن الجسد بلغة تقترب من لغة الشعر وضيعوا بذلك أهم عنصر في بناء الرواية وهو روائية الرواية.
فالنقاش المطروح اليوم أساسا بمستقبل الرواية لم يكن إبداعيا في حقيقة الأمر، لعل نتائج مسابقة البوكر لهذه السنة، عجلت بطرح هذا الملف/ الرواية، بكل تشعباتها وأطيافها وأجيالها، فالطرح راجع أساسا إلى تلك النتائج المخيبة للآمال عند عموم الروائيين الجزائريين والمشاركين بوجه خاص منذ الطبعة الثانية، إذ استبعدت أعمال الروائي واسيني الأعرج في ثلاث طبعات، واستبعدت أيضا رواية ‘حادي التيوس’ لامين الزاوي كما استبعدت رواية سمير قسيمي ‘يوم رائع للموت’. الرواية الوحيدة التي حفظت ماء الوجه هي ‘دمية النار’ للروائي بشير مفتي سنة2012 كما أسلفنا بصرف النظر عن الغرض من هذا السجال العنيف، بين أقطاب النقاش في الجزائر، على صفحات الجرائد، وبصرف النظر أيضا إن كان تصفية حسابات بين كتاب الجيل الجديد الذين يتشفون ببعضهم بسبب هذا الإخفاق الكلي، ولن يكون النقاش كنتيجة حتمية لفترة طويلة من التباهي والتعالي من بعض الروائيين أو التعتيم التي يقوده كتاب غطوا على الجميع، بحضورهم الإعلامي الكثيف أو بإصداراتهم السنوية. فالنقاش في نهاية الأمر وكما أراه بكل تواضع، هو مجرد غيرة حقيقية على الرواية الجزائرية، التي من المفروض أن تكون في الصدارة لأسباب تاريخية نرجعها الى تقطتين مهمتين:
– أول رواية عرفتها البشرية كتبت في الجزائر بالضبط في ‘مداوروش’ بمدينة سوق أهراس وهي رواية ‘الحمار الذهبي’ لأبي ليوس الأمازيغي.
– بالإضافة إلى أن أول رواية عربية في العصر الحديث كتبت في الجزائر سنة1849 للكاتب محمد بن إبراهيم ‘حكاية العشاق في الحب والاشتياق’ التي حققها الدكتور أبو القاسم سعد الله، وهي أسبق بكثير من رواية زينب لمحمد حسين هيكل.
أكثر من هذا، فالجزائر التي أنجبت كاتب ياسين ومحمد ديب ومالك حداد والطاهر وطار تنجب غيرهم من روائيين كبار.
آخر القول: على النقد العربي والجزائري بشكل خاص أن يضع مقاييس جديدة بعيدة عن موضة الجوائز ووالروايات الأكثر رواجا. فالبوكر ليست مقياسا وإذ فازت رواية: ‘ساق البامبو’ بالجائزة ليس معناه أن الرواية الكويتية بخير وليس معناه أن الرواية السعودية بخير بفوز ‘ترمي بشرر’ بهذه الجائزة التي سممت الساحة النقدية فعلا باختياراتها ومفاجأتها في كل سنة.
*كاتب جزائري
الهوامش
د/ابراهيم صحرواي: مجلة الأوان، ما سر الغياب الجزائري عن البوكر فوزا وتحكيما، فبراير/شباط 2014
في استطلاع لجريدة الجزائر الجديدة 29 مايو/ايار 2012
المرجع السابق
محمد برادة، الرواية العربية ورهان التجديد، كتاب دبي الثقافية ع49 ص 106
جيلالي عمراني