مؤسسات التّعليم في العالم العربي: الرّسيس الكولونيالي، ومعرفة الأنوات المشوّهة

حجم الخط
3

ربما يكون التّساؤل حول جدوى إنتاج المعرفة بمفهومها المطلق (نظرياً) أقرب إلى السّذاجة واللاواقعية، كون المعرفة قيمة بحد ذاتها، بيد أن المعرفة خاضعة لارتهاناتٍ لا مُتناهية، كونها تفضي بطريقة، أو بأخرى إلى ما تضطلع به من دور في خدمة الدّولة بمفهومها النّموذجي، وليس الحكومة، وبناء على ذلك، فقد وُجه نقد للأكاديميين المتخصصين بالدّراسات الشّرق أوسطية في الولايات المتحدة نظراً لعدم قدرتهم على التّنبؤ بأحداث 11 أيلول/سبتمبر، مما دفع إلى بروز مناقشات معمّقة في الكونجرس حول دور هذه المؤسسات التي تستهلك الكثير من أموال دافعي الضّرائب الأميركيين.
هذه المناقشات تمخّضت عن قوانين تكفل تمويلات كبيرة لبعث الحيوية في مجال الدّراسات الشرق الأوسطية ضمن البند السّادس من قانون التّعليم العالي (هشام القروي، مراكز البحوث الأمريكية، ص 97). وهكذا بتنا نلاحظ نشاطاً محموماً بكل ما يتعلق بالدّراسات الشّرق أوسطية، ولاسيّما اللغة. مع الإشارة إلى أن الاهتمام بالشّرق الأوسط والثقافة العربية لدى المؤسسة الأمريكية ليس وليد هذا العصر، إنما هو قديم، حيث تزامن مع نشوء أعرق الجامعات الأمريكية؛ نيويورك، وبيركلي، وتكساس، وشيكاغو، وغيرها.
ما سبق، يعني أن المعرفة في الأكاديميات الغربية ذات دور بِنيوي فيما يتصل بتكريس الهيمنة القائمة على اكتناه الآخر معرفياً، فالمعرفة لأجل المعرفة، يبقى نظرياً أمراً مبرراً ومقبولاً، ولكن حين تُستنزف ميزانيات ضخمة لتحصيل المعرفة، فإنه لا بد من الاحتكام للقيم البراغماتية، فقيمة ما يُدفع من مال من أجل المعرفة، لا بد أن يفضي إلى مُخرجات تتصل بالأمن والهيمنة والتفوق الاقتصادي لمواطني دولة ما.
الموقف السّابق يُفضي إلى تلمّس واقع مؤسسات التّعليم العالي في الوطن العربي، والتي تفتقد دورها الحيوي في رفد الدولة بالمعرفة الملائمة من أجل تحقيق أهداف استراتيجية، تتصل بالأمني والاقتصادي والاجتماعي. وهنا نستحضر قيم البحث العلمي في إسرائيل، والذي يشكّل حجر الأساس في توطيد أركان الدولة، فمن أبرز مهمات صانعي القرار في ‘الدّولة العبرية’ الاطلاع على تقارير يومية تصدر عن مؤسسات البحث العلمي حيث تُوضع صباحاً على المكاتب، وتتضمن ملخصات ونتائج أهم الأبحاث، وعلى ضوء توصياتها يتمكن صانع القرار من اتخاذ الإجراءات والسّياسات الملائمة (عدنان أبو عامر، مراكز البحث في إسرائيل 80-82).
لا يمكن لهذه المقالة أن تدّعي قدرتها على الإحاطة بأزمة المؤسسة التعليمية العربية، ولكن يمكن أن تُحيل إلى مواطن الخلل عبر الإشارة إلى بعض القضايا التي تتصل بإشكاليات المؤسسة التعليمية، ودورها في إنتاج المعرفة، ونجملها بعددٍ من المحاور:
أولاً: فيما يتعلق بوظيفة التعليم، وفلسفته. إذ إن معظم الجامعات العربية أضحت مؤسسات لتفريخ الموظفين والمتعلمين التقنيين، دون أي تعميق للأفق الحضاري والإنساني، وبهذا تحوّلت المؤسسة التعليمية إلى بيئة تكفل نقل المعرفة (الإجرائية) من الموظف الأكاديمي إلى المواطن ليتحصّل على أدوات وكفايات، تكفل له رخصة العمل في مؤسسة ما، أو أن يشرع بمشروع اقتصادي. هذه القيم المعرفية والوظيفية للجامعة، لا تكاد تحيد عنها، كونها تحول دون تكريس قيم التّفكير النّاقد، مع كثرة تداول هذا الشّعار في مؤسسات التعليم العالي، ولكن آليات واستراتيجيات التّطبيق غائبة.
ثانياً: عدم اضطلاع المؤسسة التعليمية بدور حيوي في رفد صانع القرار بما يمكّنه من فهم السّياقات التي تتصل بقدرة الدولة على صون مصالحها من خلال المشاريع البحثية الحيوية، وذلك نظراً لتلاشي مفهوم الباحث على حساب تنامي مفهوم المدرّس الجامعي. وهنا نشير إلى أن (66 %) من وقت الأستاذ الجامعي في إسرائيل يتعلق بالإنتاج البحثي في حين أنّ (34%) فقط للتدريس (أبو عامر، ص 140)، بينما الجامعات العربية فتجعل من البحث معطى هامشياً، ولهذا فإن أغلب بحوث أساتذة الجامعات متواضعة القيمة، والتّأثير، وتأتي من أجل الحصول على التّرقيات، والتّطور في السّلم الوظيفي.
ثالثاً: المؤسسة التعليمية العربية أسيرة التّرهل الذي هو انعكاس حتمي للترهل المركزي، والفساد على مستوى الدولة، فالتّعيين في الجامعة يخضع للمحسوبية، ولاشتراطات سياسية، وقبلية، وطائفية، وعرقية، ودينية، وهذا يعني عدم تقدير الكفاءات التي تتبدد وتتلاشى نتيجة الهجرة، أو التّحول إلى قيم السّوق والاستهلاك الوظيفي على حساب الإنتاج المعرفي، ولذا فلا عجب أن يكون الإنتاج المعرفي في إسرائيل أكثر من الإنتاج المعرفي العربي مجتمعاً بـ (5000) مرة، (أبو عامر، ص 46)، فالكفاءات الحقيقية قد أقصيت لتستبدل بأنصاف متعلمين، غير مثقفين، مما يعني عدم فهم للدور المنوط بالمؤسسة التعليمية التي ينبغي أن تقود الدولة، لا أن تُقاد من قبل الدولة؛ ولهذا تحرص الحكومات على أن تنهض المؤسسات على فئة المتعلمين الذي يؤدون وظائف تقنيّة، أو مهنيّة، بمعزل عن الوعي الإيديولوجي، والذّكاء البحثي الذي يفترض أن يَسِم المثقف كما يذكر رايموند وليمز (الكلمات المفاتيح، ص171). هذا النسق من تكريس وتمكين أشباه الباحثين جعل من البحث العلمي في الجامعات العربية شكلانياً، ومنفصلاً عن الواقع، بل هو مستغرق بالهامشي، وهو كذلك يمارس دوراً إقصائياً للمشاريع البحثية الجادة والحقيقية. ولعل هذا الفعل يتغذّى بالممارسات الحكومية التي شكّلت أنوات مؤسسات التّعليم التي أمست مسكونة، بالنمط، أو النسق الوظيفي للتعليم في العالم الثالث، كما صاغه المشروع الكولونيالي، ومن مهامه أن يكفل قيام الدولة، أو شكل الدّولة ظاهرياً، ولكن مع الحرص بأن تكون بلا أنياب كي لا تخدش القلاع الاستعمارية على حد تعبير فرانز فانون.
رابعاً: الأنوات المشوّهة الفاقدة للثقة. فالمؤسسة التعليمية مسكونة بتفوق الآخر، ونموذجه أن بعض الجامعات تشترط على من يتقدم لوظيفة أستاذ أن يكون خريج جامعة غربية …! وهنا نضع علامة استفهام كبيرة حول هذا الشّرط، بوصفه ينمّ عن عدم ثقة بالأنا التي تقتص من ذاتها، وهي في هذا تُحاكي الصّانع الذي يصنع ثوباً، ويشتري ثوب جاره …. لأنه لا يثق بصنع يديه… وهذا حال بعض الجامعات العربية التي ترفض تعيين خريجيها، أو خريجي الجامعات العربية الأخرى، وكأنّ كل جامعة لا تثق بالأخرى، والحقيقة أنها لا تثق بذاتها. وفي السّياق ذاته نلاحظ أن بعض الجامعات تشترط أن يكون المتقدم للوظيفة خريج جامعة مرموقة، فهل الجامعة التي اقتضت هذا الشرط تعدّ جامعة مرموقة! وما مقاييس أن تكون مرموقة، والتي هي بديل مُخاتل لكلمة غربية … ومما يحضر كذلك من تشوّهات، أن بعض الجامعات العربية تشترط سنوات خبرة للمتقدم لوظيفة محاضر، أو أستاذ مساعد … وهنا يبدو التّساؤل عن دور الجامعة في إعداد واحتضان أساتذة المستقبل، وجلّهم من الخريجين الجدد. ومع أنّ العقليّة العربية مسكونة بالآخر، غير أنها تتجنب أن تحاكيه بالحسن من الأمور، وهنا استحضر ملحوظة تتعلق بإعلانات الجامعات الغربية التي تطلب فيها أساتذة حيث تنصّ على أن من يتقدم للوظيفة أن يكون حاصلاً على شهادته قبل مباشرته بالعمل، وهذا يعني أنها تمهل طالب الوظيفة وقتاً كي ينهي دراسته دون حرمانه من حق التقدم للوظيفة، وتنصرف إلى احتضان الكفاءات الشّابة القادرة على إحداث تحول في القيم البحثية والمعرفية، وأخيراً ملحوظة تذيل في آخر الإعلان، وتنصّ على أن الجامعة في تعيينها للوظيفة، لا تنظر لأية اعتبارات سياسية، أو عرقية أو دينية، أو عمرية، أو جنسية…. !
خامساً: ما يتعلق بالتّمويل المالي للبحث العلمي، وهنا أحيل إلى كثير من الدّراسات التي تكشف عن مقدار ضآلة الأرقام والميزانيات المخصصة للتعليم في العالم العربي (أبو عامر، ص 45-51)، ولكن ما هو أشد ألماً أن يتجاهل ممولو الأبحاث سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات دعم البحث العلمي العربي، والباحثين العرب، بل أن الأنكى من ذلك أنهم ينخرطون بتغذية، وتمويل الجامعات والمؤسسة الغربية، ومشاريعها البحثيّة المختصة بالعالم العربي، والشّرق الأوسط، وبذلك فهي تنخرط بدور كولونيالي مشبوه.
سادساً: الارتهان للمشروع الكولونيالي المضمر. فالأنساق التي تحكم المؤسسات التعليمية العربية جعلتها أنوات قلقة مشوّهة، وممسوخة نتيجة فقدان الثقة التي مَكنت وتسربت عبر منظومات مركزية، غذّت نزعة تفوق الغربي في الذاكرة العربية، وهذا تحقّق عبر أنماط التعليم الغربي المصمم بعناية بحيث يُفضي إلى إفراغ قيم المعرفة من حيث كونها فعل إنتاج إلى كونها فعل استهلاك، يتغذّى بالمستورد والمنجز المعرفي، وهذا ما يبدو دارجاً في معظم المؤسسات التّعليمية العربية.
وهكذا، فلا جرم أن التّعليم العربي لا يتقدم كونه بات مسكوناً بمركزية وتفوّق الآخر، لغة، ومنتجاً تعليمياً، وهذا يعني أن المؤسسة التعليمية العربية، لم تضطلع في تكوين قيم معرفية مؤثرة وفاعلة، فهي لا تتعدى كونها مجموعة من المباني التي تقدم المعرفة بمفهومها المجرّد والتّقني، لا بوصفها أداة للتفوق، والتميز الحضاري للأمة عبر رفد القيم الوطنية التي تفضي إلى قوة تنهض على المعرفة الحقّة لا المعرفة المحايدة، والمدجنة والمقننة، فأساتذة الجامعات باتوا موظفين تقنيين بمعزل عن قيادة وتوجيه القرار السّياسي الذي ينبغي أن يتأسس بناء على نتائج البحث العلمي، وهذا يختزل المؤسسات إلى موقع الكتروني، ومبانٍ، وخريجين، ومحاضرات، ومعارف مُقننة لتكريس مفهوم الدولة كأداة لحكم الشعب، وهذا أفرز مزيداً من التّشوية المعرفي بهدف الإبقاء على أنساق الهيمنة، وتبديد قيم الديمقراطية، والإبقاء على التّابعية المطلقة للمنظومات الاستعمارية، وقيمها المبطّنة التي تتخلل المستعمرات السّابقة بواسطة النّخب الوطنية، وهذا بلا شك نتيجة رسيس التكوينات الإمبريالية الكلاسيكية.
محصلة ما سبق أدى إلى شيوع أنماط من التفكير والممارسات التي نشأت باعتبارها ردة فعل على الإقصاء ومسخ الذّات نحو المزيد من الانكفاء على الأنا الكلي، ونبذ الآخر بالمطلق، ولهذا نشطت الأفكار والجماعات الأصولية التي عانت من تهميش النخب ومؤسساتها، مما أفضى إلى بروز تيارين في الثّقافة العربية، وهما النّخب الوطنية بمرجعيات كولونيالية، في حين أن الاتجاه الثاني تمثله التيارات الإقصائية والظّلامية، ولهذا باتت الثقافة عقيمة لا تثمر، مما حال دون تبلور مفاهيمي وإجرائي لمجتمعات عربية، تؤمن بالحوار والدّيمقراطية، مقابل مجتمعات عربية مُتناحرة، غير أنّ المفارقة تكمن في أن هذه المجتمعات غير السّوية تحضر في أنساق دول بلا جوهر.

درامي أبو شهاب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية