فرنسا تقر بإقامة “نظام” استُخدم فيه “التعذيب” خلال حرب الجزائر

حجم الخط
0

باريس- “القدس العربي’’- آدم جـابر:

بعد أشهر من التفكير، قرر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون ، الاعتراف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن جريمة قتل موريس أودان، عالم الرياضيات والمناضل في الحزب الشيوعي الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، الذي تم توقيفه من قبل جنود فرنسيين في الـ 11 يونيو/حزيران عام 1957 خلال حرب الجزائر، حيث تعرض للتعذيب واختفى دون أن يترك أثراً، وفق ما ذكرت صحيفة “لوموند’’ الفرنسية، مؤكدة أن قصر الإليزيه سيكشف، الخميس، عن “نص’’ حول هذا الموضوع.

في هذا النص، يعلن قصر الإليزيه، “اعتراف الرئيس إيمانويل ماكرون، باسم الجمهورية الفرنسية، بتعرض موريس أودان للتعذيب ثم الإعدام أو التعذيب حتى الموت على أيدي جنود فرنسيين اعتقلوه من منزله’’، مؤكداً أن “الوقتَ قد حان لقيام الدولة الفرنسية بعمل مبني على الحقيقة في هذا الموضوع’’.

هذه الخطوة، التي وصفتها “لـومـوند’’ بالتاريخية، كانت منتظرة منذ 61 عاماً من قبل عائلة موريس أودان – المناضل من أجل استقلال الجزائر- الذي أصبح أحد رموز انتهاكات الجيش الفرنسي في الجزائر. ففي الــ 18 من يونيو/حزيران عام 2014 ، اتخذ الرئيس الفرنسي وقتها فرانسوا أولاند الخطوة الأولى باعترافه بأن موريس أودان لم يهرب، خلافاً للرواية الرسمية للدولة الفرنسية، بل توفي أثناء الاحتجاز. لكن الرئيس الاشتراكي (2012-2017) لم يُرد الذهاب أبعد من ذلك. أما الرئيس نيكولا ساركوزي ( 2012- 2007)، فقد رفض حتى الرد على الرسائل التي بعثَتها إليه جوزيت أودان، أرملة المناضل، التي تبلغ من العمر اليوم 87 عاماً.

“لوموند’’ أشارت أيضا إلى أنّ الرئيس إيمانويل ماكرون لا يتوقف فقط عند قضية موريس أودان والاعتراف بأنه مات تحت التعذيب أو بالإعدام، لكنه سيعترف كذلك، وللمرة الأولى، بأن الدولة الفرنسية أخطأت بسماحها بممارسة التعذيب خلال الحرب الجزائرية. فـ“إذا كانت وفاة موريس أودان، هي فعلٌ من بعض عناصر الجيش الفرنسي، إلا أنها أصبحت ممكنة بفضل نظام مُشرّع ، هو نظام التوقيف والاعتقال، الذي وُضع ضمن الصلاحيات الخاصة التي مُنحت قانونياً للقوات المسلحة الفرنسية في تلك الحقبة’’.

في عام 1956، صوت البرلمان الفرنسي على مرسوم يعطي الحكومة تفويضاً مطلقاً لاستعادة النظام في الجزائر. وسمح هذا القانون باعتماد مرسوم، دخل حيز التنفيذ عام 1957 في جميع أنحاء الجزائر، يجيز تفويض سلطات الشرطة للجيش. وقد اعتبر نص قصر الإليزيه أنّ “ هذا النظام الذي تم تقنينُه هو الذي شجع على الاختفاء وسمح بالتعذيب لأسباب سياسية’’.

وباعترافه بمسؤولية الدولة الفرنسية في قضية موريس أودان، يكون الرئيس إيمانويل ماكرون قد استجاب لدعوات العديد من الجمعيات، التي تطالب منذ عقود بالقيام بخطوة مماثلة. كما أن الخطوة ستجد  ترحيباً في أوساط الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي جعل من قضية المناضل أودان ضد الاستعمار الفرنسي، معركة سياسية ضد الدولة الفرنسية.

لكنّ ماكرون يجازف في الوقت نفسه من خلال هذا الاعتراف، الذي قد يؤدي إلى فتح الجراح التي لم تندمل بعد. حيث إن هذا الأخير كان قد أثار جدلاً كبيراً، في فبراير/شباط 2017، خلال حملته الانتخابية، عندما صرح أن “الاستعمار جريمة ضد الإنسانية’’.

وحتى لا يشتعل الجدل من جديد، تجنب الرئيس إيمانويل ماكرون التَعميم في ما يخص ممارسة التعذيب في الجزائر من قبل الجنود الفرنسيين، حيث شدد نص قصر الإليزيه على أن هذه التصرفات قام بها فقط بعض أفراد الجيش الفرنسي. وأيضا، قرر الرئيس الفرنسي، أن يتم بالتوازي مع الاعتراف بتعذيب موريس أودان ووفاته، فتح جميع أرشيف الدولة الفرنسية المتعلق بالمختفين الجزائريين، وفق صحيفة “لومــوند’’، والتي نقلت عن محيط ماكرون تأكيده أن قراراً وزارياً استثنائياً سيصدر بهذا الشأن، ومن شأنه أن يسمح للجميع، بمن فيهم المؤرخون و العائلات والجمعيات، الاطلاع على أرشيف جميع المختفين في الجزائر في حقبة الاستعمار.

كما قرر ماكرون توجيه “نداء’’ إلى جميع شهود المرحلة ( الحقبة الاستعمارية) من أجل المشاركة في هذا “العمل المتعلق بالذاكرة’’، وذلك عبر تقديم شهاداتهم أو الوثائق التي بحوزتهم إلى العاملين على جمع الأرشيف الوطني.

وسيسلم ماكرون أرملة موريس أودان بياناً في هذا الصدد يعلن فيه “فتح الارشيف المتعلق بقضايا اختفاء مدنيين وعسكريين من فرنسيين وجزائريين”، علما بأن حرب الجزائر لا تزال أحد الملفات الأكثر إثارة للجدل في تاريخ فرنسا الحديث.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية