أحسبُ أن أهم مصدرين من مصادر التراث في بلادنا العربية هما: الكتب المقدسة وكتب التاريخ، والتاريخ الأدبي على الخصوص، لأنه من النصوص الثابتة، لا النصوص التي تعتمد على الرواية والرواة. فمن الكتب المقدسة لدينا التوراة والإنجيل وهما مرجع أصحاب الديانتين المسيحية واليهودية، وكلاهما ديانتان نشأتا في بلادنا العربية، لكن كثيراً من التحوير والتأويل قد طرأ عليهما في العالم الغربي، ومن المؤسف أن تلك التحويرات قد وجدت طريقها إلى بلادنا فصارت لدينا كنائس مسيحية مختلفة على غرار ما في أوروبا وأمريكا. أما القرآن الكريم فهو المرجع الوحيد للمسلمين العرب وغيرهم، وهو مصدر رئيس في تاريخ منطقتنا وتراثها.
أما كتب التاريخ وكتب التاريخ الأدبي، فهي مرجع كبير آخر لتراثنا، ولو أنه قد وقع تحت تأثيرات سياسية أو مزاجية، شخصية في بعض الأحيان. فمن أمثلة المصادر الدينية في التراث العبري الذي يتعلق به أصحاب الديانة اليهودية، والذي اتخذ صفة سياسية في العصر الحديث، وغدا غير مقبول لدى غير اليهود، هو ما نقرأ 10،12- 28 في التوراة، في سِفر يشوع/ 10،12-28 من أن «يشوع كلّم الرب» واستطاع أن يأمر الشمس والقمر بالوقوف عن الحركة حتى «انتقم الشعب من أعدائه» فدمّر يشوع، ممثّل الشعب اليهودي، أعداءه أهل أريحا الفلسطينيين. وهذا ما يفعله ورثة يشوع في فلسطين اليوم، وهو تراث في المنطقة، ممقوت، لكنه ماثل للعيان. وثمة مثال آخر من التوراة، سِفر التكوين 32/23 حيث نقرأ أن يعقوب صارع طوال الليل رجلاً وغلبه، وتبين أن المغلوب هو الله، وأن الغالب هو يعقوب الذي صار اسمه إسرائيل. وتوحي إسرائيل اليوم أنها تستطيع أن تغلب حتى الله!
يا ترى كيف يجب النظر إلى هذا التراث: بالحماسة الدينية أم بالمنطق والعقل؟ وكيف تواجه من يؤمن أن ثمة من يؤمن بإنسان يستطيع أن يوقف الشمس والقمر عن الحركة، وآخر يصارع الله ويغلبه؟
ومن تراثنا من مصادر التاريخ والتاريخ الأدبي، الموقف من الدين الإسلامي عبر العصور، الذي تشظّى إلى سنّة وشيعة، وخوارج ومعتزلة، ومُرجئة وغير ذلك من مذاهب تقوم على التأويل والنظر العقلي دون القبول بحماسة الإيمان. ومن المعروف أن ذلك كله قد طبع الثقافة العربية الإسلامية عبر العصور، مما لم يكن في صالح تلك الثقافة ولا في تاريخ المنطقة بوجه عام.
وفي التاريخ الأدبي ثمة أمثلة من الحيرة حول التعارض بين الإيمان والمنطق. هذا مثال من أبي العلاء المعري (363 ـ 449هـ /973 ـ 1057 م) يعبّر عن حيرته تجاه الدين: أيقبَله بالحماسة أم يشكّك به بالمنطق؟
عَجِبتُ لِكسرى وأشياعه وغسِل الوجوه ببول البقر
وقول النصارى إله يُضَام ويُصلب حيّاً ولا ينتصر
وقولِ اليهود إله محِبٌ رشاشَ الدماء وريحَ القتَر
وقومٍ أتوا من أقاصي البلاد لرمي الجِمار ولَثم الحَجر
فوا عجباً من مقالاتهم أيعمى عن الحق كلَ البشر؟
المعري لم يرفض الدين ولم يشكّك به، ولو أن بعض معاصريه وبعض اللاحقين اتّهمه بالكفر والمروق. لكنه كان يتساءل: أنتّبع الإيمان العاطفي أم نحكّم العقل والمنطق في ما نعمل؟ تُرى هل كان المعرّي سيَعجب لو عرف أن بعض عرب اليوم يغتسل ببول الإبل، كما نشرت بعض الصحف العربية مؤخّراً؟ أم سيعجب من صورة أمير سعودي يرمي الجمار، لا واقفاً على الأرض حاسِرَ الرأس، مثل «قومٍ أتوا من أقاصي البلاد» بل من نافذة سيارة كاديلاك يجلس مستريحاً في مقعدها الخلفي الوثير، ويرمي الجمار على العمود الصخري الهائل، تمثال الشيطان؛ ولكن هل كان يرمي جمرات حجر صغيرة، أم حبات ملبّس؟
يريد المعرّي، قبل أكثر من ألف سنة، أن يسودَ العقل في كل تصرّفات البشر، ومنها موقفهم من الدين نفسه:
يَرتجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ ناطقٌ في الكتيبة الخرساءِ
كذبَ الظنُّ، لا إمام سوى العقلِ مُشيراً في صُبحه والمساءِ
فإذا ما أطعتَه جلبَ الرحمة عند المسير والإرساءِ
إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ لجذبِ الدنيا إلى الرؤساء
بالأمس كانت المذاهب «دينية» واليوم غدت «سياسية» فما أشبه الليلة بالبارحة، لكن «الكتيبة» ما تزال «خرساء».
وفي القرآن الكريم، كما في سِفر التكوين من التوراة، وصف مفصّل لخلق الكون والأرض والسماء، وخلق آدم وحواء، وصفٌ متقارب لا يستدعي من القارئ المعاصر كثيراً من الجدل، على اختلاف الأديان. وتكرّر كتب التاريخ تلك الأوصاف والتفصيلات بشكل يكاد أن يكون حرفياً، ومن تلك الكتب «كتاب التيجان في ملوك حِميَر» نقلاً عن مخطوطة عمرها حوالي 500 سنة وجدت في «المكتبة الآصفية» من خزانة المعارف العثمانية في حيدر آباد بالهند. حرّر هذا الكتاب المخطوط وحققه الدكتور عبد العزيز المقالح عن نسخة في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، ونشره معهد الأبحاث والدراسات اليمنية بصنعاء عام 1979.
والمخطوطة/الكتاب وصف لبدء الخليقة والبشر بما لا يختلف كثيراً عن قصص التوراة أو القرآن الكريم. لكن القسم الثاني من الكتاب تفصيل عن ملوك حِميَر في اليمن، بالأسماء والغزوات وأعداد الجيوش وتواريخها. ولا تقصّر هذه الأوصاف والتواريخ عن إثارة العجب والتساؤلات عن صحة الأرقام والتواريخ، مما يستدعي النظر العقلي والمحاكمة المنطقية لما نقرأ.
ولكن الكتاب مرجع مهم عن تاريخ اليمن وملوكها، ولو أننا نقرأ في «صُبح الأعشى» أن «أخبار التبابعة غير مضبوطة، وأمورهم غير محققة». ولكن ليس لدينا أفضل من هذا الكتاب في وصف سد مأرب، ووصف أحوال بلقيس والملك سليمان، وحروب طسم وجديس، وعَقر ناقة صالح النبي، وبعض هذا مذكور في قصص القرآن الكريم، لكنه في «كتاب التيجان» يرد بتفصيلات أكثر، على الجانب الدنيوي. نقرأ في سفر التكوين عن سام بن نوح، ونقرأ في هذا الكتاب أن العرب الذين ملكوا في اليمن هم من نسل سام بن نوح، فكانوا أول الساميين، وأن حام بن نوح قد نزح إلى أرض مصر، وأن النبي موسى قاد بني إسرائيل من مصر إلى سيناء حيث أمضوا أربعين عاماً قبل أن يرد لهم ذكر في أرض كنعان، أي فلسطين. فهل يكون أبناء حام في مصر هم أبناء سام كذلك، كما يدعي أصحاب الديانة اليهودية في صيغتها السياسية اللاحقة؟ يدعي هؤلاء دعاواهم بالاستناد إلى التوراة التي يقولون إنها منزلة من الله على موسى. ولكن المؤرخين يقرّرون أن التوراة كتبها أحبار اليهود (المعلمون) في فترة السبي البابلي، في القرن السادس ق.م. ولم تكن منزلة من الله على موسى في صحراء سيناء. والسؤال الأول، لماذا طرد الفراعنة بني إسرائيل اليهود من مصر؟ في «كتاب التيجان» إشارات كثيرة إلى ضيق أهل اليمن وملوكها باليهود على مرّ العصور. نقرأ على الصفحة 311 أن تُبّع بن حسان سار إلى الشام فلقيه قوم من بني عامر، وشكوا له خديعة اليهود. فسار إلى يثرب ونزل في سفح جبل أحُد وقتل 300 يهودي. كما نقرأ أن الأوس والخزرج طردوا اليهود من المدينة إلى خيبر. وهنا ينهض سؤال غرير، أو مُتسرِّع خطير إن شئت: لماذا كان البشر، من أيام الملك الآشوري نبوخذ نُصّر الثاني، ملك بابل في القرن السادس قبل الميلاد، لهم هذا الموقف «غير الودود» من اليهود، واستمر هذا الموقف على امتداد العصور إلى هتلر، الذي نجد بقايا من شظاياه، تتقافز تحت رماد لم تخمد، حتى في المانيا المعاصرة، بل في صفوف حزب سياسي أوروبي كبير معاصر؟ في الإمبراطورية الرومية عام 305م، وفي طليطلة الإسبانية عام 612م، وفي ألمانيا عام 1096 م، وفي بريطانيا عام 1190م و1290م كانت القوانين تُسنّ والمذابح تقام ضد اليهود في شتى البلاد الأوروبية. هل هذا سؤال غرير؟