سوق التكية السليمانية: عراقة الحِرَف الدمشقية

زينة‭ ‬شهلا
حجم الخط
0

في‭ ‬موقع‭ ‬مميز‭ ‬وسط‭ ‬العاصمة‭ ‬السورية‭ ‬دمشق‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬المرجة‭ ‬‮«‬الشهداء‮»‬،‭ ‬وبين‭ ‬أشجار‭ ‬وارفة‭ ‬تلقي‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الطريق،‭ ‬تصطف‭ ‬عشرات‭ ‬المحال‭ ‬الأثرية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بعضها‭ ‬البعض،‭ ‬ويعرض‭ ‬أصحابها‭ ‬مئات‭ ‬القطع‭ ‬الفنية‭ ‬الخشبية‭ ‬والقماشية‭ ‬والجلدية‭ ‬والمعدنية‭ ‬والزجاجية‭: ‬إنه‭ ‬سوق‭ ‬المهن‭ ‬اليدوية‭ ‬في‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية‭.‬

منذ‭ ‬افتتاحه‭ ‬في‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ازدهر‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مقصد‭ ‬للسياح‭ ‬وللسكان‭ ‬المحليين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬يضم‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬أمهر‭ ‬حرفيي‭ ‬دمشق،‭ ‬واعتاد‭ ‬كثر‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬الجلوس‭ ‬أمام‭ ‬محالهم‭ ‬أو‭ ‬داخلها‭ ‬وهم‭ ‬ينجزون‭ ‬قطعهم‭ ‬الفنية‭ ‬أمام‭ ‬الزوار‭ ‬مستعرضين‭ ‬مهاراتهم‭ ‬وذوقهم‭ ‬الرفيع‭. ‬

لكن‭ ‬مرور‭ ‬السنوات‭ ‬أبى‭ ‬إلا‭ ‬وأن‭ ‬يترك‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬حجارة‭ ‬هذا‭ ‬المبنى‭ ‬العثماني‭ ‬العريق‭ ‬والذي‭ ‬تحتاج‭ ‬أجزاء‭ ‬منه‭ ‬لعناية‭ ‬وترميم‭ ‬عاجلين،‭ ‬لتأتي‭ ‬الحرب‭ ‬مرخية‭ ‬بظلالها‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الذي‭ ‬يبدو‭ ‬اليوم‭ ‬شبه‭ ‬خالٍ‭ ‬من‭ ‬زوّاره،‭ ‬وعلى‭ ‬حرفييه‭ ‬الذين‭ ‬يُعتبر‭ ‬بعضهم‭ ‬من‭ ‬أواخر‭ ‬ممارسي‭ ‬المهن‭ ‬اليدوية‭ ‬المختلفة‭ ‬والتي‭ ‬يتقنونها‭ ‬أباً‭ ‬عن‭ ‬جد‭.‬

بناء‭ ‬عثماني‭ ‬قديم

يعود‭ ‬تاريخ‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية‭ ‬إلى‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬حيث‭ ‬أمر‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬سليمان‭ ‬القانوني‭ ‬ببنائها‭ ‬لتكون‭ ‬بمثابة‭ ‬مكان‭ ‬يخدم‭ ‬الحجاج‭ ‬في‭ ‬طريقهم‭ ‬من‭ ‬تركيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬إلى‭ ‬الحجاز،‭ ‬وأيضاً‭ ‬عابري‭ ‬السبيل‭ ‬والفقراء‭ ‬حيث‭ ‬يمكنهم‭ ‬الإقامة‭ ‬فيه‭ ‬بشكل‭ ‬مؤقت‭. ‬صمم‭ ‬المعماري‭ ‬التركي‭ ‬الشهير‭ ‬آنذاك‭ ‬معمار‭ ‬سنان‭ ‬مبنى‭ ‬متكاملاً‭ ‬يمتد‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬تتجاوز‭ ‬عشرة‭ ‬آلاف‭ ‬متر‭ ‬مربع،‭ ‬وانتهى‭ ‬بناؤه‭ ‬بإشراف‭ ‬مهندسين‭ ‬مختصين‭ ‬عام‭ ‬1559‭.‬

تتألف‭ ‬التكية‭ ‬من‭ ‬منطقتين‭ ‬غربية‭ ‬وشرقية،‭ ‬وهما‭ ‬تضمان‭ ‬مسجداً‭ ‬بمئذنتين،‭ ‬ومدرسة‭ ‬وحرماً‭ ‬للصلاة‭ ‬وصحناً‭ ‬سماوياً‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬أروقة،‭ ‬وغرفاً‭ ‬مسقوفة‭ ‬بقباب،‭ ‬وبحرة‭ ‬كبيرة‭ ‬مستطيلة‭ ‬الشكل‭. ‬المنطقة‭ ‬بأكملها‭ ‬مبنية‭ ‬بطراز‭ ‬عثماني‭ ‬استانبولي‭ ‬مميز،‭ ‬كالمئذنتين‭ ‬النحيلتين‭ ‬الطويلتين‭ ‬المتناظرتين‭ ‬في‭ ‬الشكل‭ ‬والحجم‭ ‬وهو‭ ‬تصميم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفاً‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬وكذلك‭ ‬الزخارف‭ ‬التي‭ ‬تزين‭ ‬جدرانها‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬مزيجاً‭ ‬من‭ ‬الفن‭ ‬العثماني‭ ‬والدمشقي‭.‬

وفي‭ ‬العهد‭ ‬العثماني،‭ ‬كان‭ ‬للتكية‭ – ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬المأوى‭ ‬أو‭ ‬مكان‭ ‬الاتكاء‭ ‬والراحة‭ – ‬وظائف‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬الشعائر‭ ‬الدينية‭ ‬خاصة‭ ‬للمتصوفين‭ ‬المتفرغين‭ ‬للعبادة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬عالمهم‭ ‬الخارجي،‭ ‬وأيضاً‭ ‬التصدق‭ ‬وإيواء‭ ‬المحتاجين‭. ‬وبذلك‭ ‬تحوّلت‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬للحجاج‭ ‬والمتصوفين‭ ‬وأيضاً‭ ‬الفقراء‭ ‬والمحتاجين‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬العاطلين‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬وزارة‭ ‬الأوقاف‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العهد‭ ‬تتكفل‭ ‬بمصاريف‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬وسكانه،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬للتساؤل‭ ‬أيضاً‭ ‬عن‭ ‬احتمال‭ ‬تسمية‭ ‬المكان‭ ‬بالتكية‭ ‬نتيجة‭ ‬اعتماد‭ – ‬أو‭ ‬اتكاء‭- ‬زواره‭ ‬وسكانه‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬بشكل‭ ‬تام‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬احتياجاتهم‭.‬

بعد‭ ‬نهاية‭ ‬الحكم‭ ‬العثماني،‭ ‬وخلال‭ ‬سنوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬لسوريا،‭ ‬كانت‭ ‬للتكية‭ ‬السليمانية‭ ‬استخدامات‭ ‬متعددة،‭ ‬كالتدريس‭ ‬وطباعة‭ ‬بعض‭ ‬المجلات،‭ ‬وأيضاً‭ ‬كمقر‭ ‬عسكري‭. ‬وبعد‭ ‬استقلال‭ ‬سوريا‭ ‬تحولت‭ ‬لمدرسة‭ ‬إسلامية،‭ ‬ولملجأ‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬هُجروا‭ ‬من‭ ‬بلدهم،‭ ‬ثم‭ ‬أنشئ‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الغربي‭ ‬منها‭ ‬المتحف‭ ‬الحربي‭ ‬أواسط‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الجزء‭ ‬الآخر‭ ‬لسوق‭ ‬للمهن‭ ‬اليدوية،‭ ‬حيث‭ ‬بدأ‭ ‬عشرات‭ ‬الحرفيين‭ ‬بالعمل‭ ‬بمختلف‭ ‬مجالات‭ ‬الأعمال‭ ‬اليدوية‭ ‬التقليدية‭ ‬السورية‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬هوية‭ ‬وتاريخ‭ ‬البلاد‭.‬

مرور‭ ‬السنوات‭ ‬والحرب

السنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬المتعاقبة‭ ‬تركت‭ ‬أثراً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬مباني‭ ‬وأحجار‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية،‭ ‬حيث‭ ‬تصدعت‭ ‬وتشققت‭ ‬بعض‭ ‬الجدران‭ ‬والأسقف‭ ‬والأعمدة،‭ ‬وظهرت‭ ‬تعرجات‭ ‬في‭ ‬باحة‭ ‬المسجد‭ ‬بسبب‭ ‬خسوفات‭ ‬وتجويفات‭ ‬في‭ ‬الأرضية‭ ‬وخروج‭ ‬بعض‭ ‬الأحجار‭ ‬من‭ ‬مكانها‭. ‬

ودفع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬اتفاقيات‭ ‬مع‭ ‬جهات‭ ‬تركية‭ ‬مختصة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬للبدء‭ ‬بإعداد‭ ‬دراسات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬ترميم‭ ‬وإصلاح‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬إصلاحه‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تتعذر‭ ‬إعادة‭ ‬الحياة‭ ‬لأحجار‭ ‬هذا‭ ‬المبنى‭ ‬العثماني‭ ‬العريق‭ ‬ويصل‭ ‬حالها‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬كارثي‭. ‬لكن‭ ‬الحرب‭ ‬وتبعاتها‭ ‬السياسية‭ ‬والميدانية‭ ‬أوقفت‭ ‬أعمال‭ ‬الترميم‭ ‬تلك‭ ‬إلى‭ ‬أجل‭ ‬غير‭ ‬مسمى‭ ‬حيث‭ ‬انقطعت‭ ‬كل‭ ‬خيوط‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬ولم‭ ‬تتكفل‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬محلية‭ ‬بعد‭ ‬بمتابعة‭ ‬العمل‭ ‬وإنجازه‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب،‭ ‬وبقيت‭ ‬الأحجار‭ ‬متهالكة‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬من‭ ‬يكترث‭ ‬لحالها‭.‬

إهمال‭ ‬تبعته‭ ‬سنوات‭ ‬حرب‭ ‬طويلة‭ ‬خسرت‭ ‬فيها‭ ‬سوريا‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭ ‬بين‭ ‬قتيل‭ ‬ومهجّر،‭ ‬وتراجعت‭ ‬مؤشرات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬مما‭ ‬أرخى‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬حرفيي‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية‭ ‬كما‭ ‬معظم‭ ‬حرفيي‭ ‬البلاد،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬أعمالهم‭ ‬تعتمد‭ ‬بمعظمها‭ ‬على‭ ‬السياح‭ ‬الخارجيين‭ ‬القادمين‭ ‬إلى‭ ‬سوريا‭.‬

آخر‭ ‬الحرفيين‭ ‬والفنانين

عند‭ ‬مدخل‭ ‬سوق‭ ‬المهن‭ ‬اليدوية‭ ‬من‭ ‬الجهة‭ ‬الغربية،‭ ‬يجلس‭ ‬بعض‭ ‬أصحاب‭ ‬المحال‭ ‬متحلقين‭ ‬أمام‭ ‬اثنين‭ ‬يلعبان‭ ‬طـاولة‭ ‬الزهر‭. ‬لا‭ ‬يكترثون‭ ‬كثيراً‭ ‬بالزوار‭ ‬القلائل‭ ‬الذين‭ ‬يتجولون‭ ‬بين‭ ‬الواجهات،‭ ‬ومعظمهم‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المدينة‭ ‬على‭ ‬الأغلب،‭ ‬إذ‭ ‬تبدو‭ ‬متابعة‭ ‬اللعبة‭ ‬شيقة‭ ‬أكثر‭. ‬قد‭ ‬يقطعها‭ ‬دخول‭ ‬أحد‭ ‬الزبائن‭ ‬لتفحص‭ ‬غرض‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬سعره،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يعود‭ ‬الكل‭ ‬لمكانه‭. ‬

تضم‭ ‬هذه‭ ‬السوق‭ ‬ما‭ ‬يربو‭ ‬عن‭ ‬عشرين‭ ‬حرفة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الفضيات‭ ‬والحلي‭ ‬اليدوية،‭ ‬والحفر‭ ‬على‭ ‬الخشب‭ ‬والموزاييك‭ ‬والتطعيم‭ ‬بالصدف،‭ ‬والسجاد‭ ‬والمطرزات‭ ‬الشرقية‭ ‬وأهمها‭ ‬البروكار،‭ ‬والزجاج‭ ‬المعشق،‭ ‬والفخار،‭ ‬والجلديات،‭ ‬وصناعة‭ ‬الأعواد‭ ‬الدمشقية‭. ‬لا‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬الزائر‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬كيف‭ ‬طالت‭ ‬نيران‭ ‬الحرب‭ ‬معظم‭ ‬ممارسي‭ ‬هذه‭ ‬الحرف‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬اليوم،‭ ‬فاليد‭ ‬العاملة‭ ‬تقلّصت‭ ‬حتى‭ ‬حدودها‭ ‬الدنيا‭ ‬بسبب‭ ‬سفر‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬أو‭ ‬توجههم‭ ‬نحو‭ ‬أعمال‭ ‬ذات‭ ‬مردود‭ ‬مادي‭ ‬أعلى‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬القطع‭ ‬المنتجة‭ ‬يدوياً،‭ ‬ينصرف‭ ‬السوريون‭ ‬عن‭ ‬شرائها‭ ‬فهي‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬الكماليات،‭ ‬ويغيب‭ ‬السياح‭ ‬والزبائن‭ ‬القادمون‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭.‬

بعض‭ ‬المحال‭ ‬على‭ ‬الجانبين‭ ‬مغلق‭. ‬صاحب‭ ‬أحدها‭ ‬ترك‭ ‬محله‭ ‬واختفى‭ ‬دون‭ ‬أثر‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬مصيره‭ ‬تماماً‭. ‬

محل‭ ‬آخر‭ ‬كُتب‭ ‬على‭ ‬لافتته‭ ‬‮«‬مرسم‭ ‬ناجي‭ ‬عبيد‭ ‬ورغدة‭ ‬قاسم‮»‬‭. ‬عبيد‭ ‬هو‭ ‬فنان‭ ‬ورسام‭ ‬تشكيلي‭ ‬سوري‭ ‬تجاوز‭ ‬اليوم‭ ‬عامه‭ ‬التسعين،‭ ‬واشتهر‭ ‬بارتدائه‭ ‬النظارة‭ ‬السوداء،‭ ‬وتكديسه‭ ‬عشرات‭ ‬اللوحات‭ ‬في‭ ‬مرسمه،‭ ‬حيث‭ ‬أصر‭ ‬على‭ ‬بيعها‭ ‬بسعر‭ ‬رخيص‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬صالات‭ ‬المعارض‭. ‬من‭ ‬أشهر‭ ‬لوحاته‭ ‬وأكثرها‭ ‬جذباً‭ ‬للزوار‭ ‬فيما‭ ‬مضى‭ ‬‮«‬عنترة‭ ‬وعبلة‮»‬‭ ‬و‮»‬الزير‭ ‬سالم‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الشخصيات‭ ‬العربية‭ ‬الأسطورية،‭ ‬والتي‭ ‬اعتاد‭ ‬رسمها‭ ‬بذات‭ ‬الطريقة‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬كما‭ ‬يتفاخر‭ ‬بامتلاكه‭ ‬لوحات‭ ‬لشخصيات‭ ‬تاريخية‭ ‬مثل‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬ويوسف‭ ‬العظمة‭ ‬والشريف‭ ‬حسين‭ ‬والملك‭ ‬حسين،‭ ‬وبأن‭ ‬حجم‭ ‬نتاجه‭ ‬الفـنــي‭ ‬تـجـــاوز‭ ‬الأربعة‭ ‬آلاف‭ ‬لوحة‭. ‬المحل‭ ‬اليوم‭ ‬أيضاً‭ ‬مغلق‭ ‬ولا‭ ‬سـيـاح‭ ‬أو‭ ‬زوار‭ ‬يقفون‭ ‬لتأمل‭ ‬تلك‭ ‬الشخـصــيات‭ ‬التاريخــية‭ ‬على‭ ‬واجـــهــته‭ ‬أو‭ ‬داخـــله،‭ ‬حيث‭ ‬تمـــكـن‭ ‬المرض‭ ‬من‭ ‬عبــيــد‭ ‬وتعمل‭ ‬زوجته‭ ‬بين‭ ‬الفيــنة‭ ‬والأخرى‭ ‬على‭ ‬الاهتمام‭ ‬بحركة‭ ‬البيع،‭ ‬إن‭ ‬وجدت‭.‬

على‭ ‬جوانب‭ ‬الباحة‭ ‬الداخلية‭ ‬أمام‭ ‬المسجد،‭ ‬تتلاصق‭ ‬محال‭ ‬أخرى‭ ‬يبيع‭ ‬أصحابها‭ ‬السجاد‭ ‬اليدوي‭ ‬والخزف‭ ‬والبروكار‭ ‬واللوحات‭. ‬في‭ ‬الزاوية‭ ‬اليمنى‭ ‬يجلس‭ ‬محمد‭ ‬رنكوس‭ ‬داخل‭ ‬محل‭ ‬صغير‭ ‬وأمامه‭ ‬نول‭ ‬خشبي‭ ‬قديم‭ ‬متوقف‭ ‬عن‭ ‬العمل‭. ‬رنكوس‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬الحرفيين‭ ‬الذين‭ ‬يتقنون‭ ‬أسرار‭ ‬صناعة‭ ‬البروكار‭ ‬الدمشقي،‭ ‬وهو‭ ‬قماش‭ ‬اشتهر‭ ‬بجماله‭ ‬وغلاء‭ ‬سعره‭ ‬حيث‭ ‬يصنع‭ ‬من‭ ‬الحرير‭ ‬والقصب‭ ‬ويستخدم‭ ‬للتزيين‭ ‬والملابس‭ ‬والمفروشات‭. ‬إضافة‭ ‬لذلك،‭ ‬فالرجل‭ ‬الثلاثيني‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أصغر‭ ‬صنّاع‭ ‬هذا‭ ‬القماش‭ ‬الدمشقي‭ ‬الشهير‭ ‬اليوم،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬بأن‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬يكترث‭ ‬بتعلّم‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬التقليدية‭ ‬العريقة،‭ ‬فهي‭ ‬صعبة‭ ‬وتحتاج‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬والتأني‭ ‬والإتقان‭. ‬ومع‭ ‬وجود‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬فقط‭ ‬يتقنون‭ ‬حياكة‭ ‬البروكار،‭ ‬يعتبر‭ ‬رنكوس‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬الدمشقية‭ ‬الأصيلة‭ ‬‮«‬تدق‭ ‬ناقوس‭ ‬الخطر‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬الزاوية‭ ‬المقابلة،‭ ‬بالكاد‭ ‬يمكن‭ ‬سماع‭ ‬صوت‭ ‬نول‭ ‬السجاد‭ ‬الخشبي‭ ‬الذي‭ ‬يعمل‭ ‬عليه‭ ‬غسان‭ ‬وردة،‭ ‬وهو‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬صنّاع‭ ‬السجاد‭ ‬اليدوي‭ ‬في‭ ‬دمشق‭. ‬النول‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬سوى‭ ‬ساعات‭ ‬قليلة‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لصناعة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬بيعه‭ ‬من‭ ‬البسط‭ ‬اليدوية،‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬تكديس‭ ‬البضاعة‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬من‭ ‬يشتريها‭. ‬يحتفي‭ ‬وردة‭ ‬بالزبائن‭ ‬القلائل‭ ‬الذين‭ ‬يقصدون‭ ‬محله،‭ ‬ويتحسر‭ ‬على‭ ‬زمان‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬محافظة‭ ‬سورية‭ ‬تضم‭ ‬ما‭ ‬يدعى‭ ‬‮«‬سوق‭ ‬النوالة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬تجمع‭ ‬الأنوال‭ ‬اليدوية‭ ‬التي‭ ‬تنتج‭ ‬مختلف‭ ‬أنوع‭ ‬الأقمشة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المهنة‭ ‬اليوم‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بتطعمي‭ ‬خبز‮»‬‭.‬

لعلّ‭ ‬صناع‭ ‬وبائعي‭ ‬الحلي‭ ‬الفضية‭ ‬المشغولة‭ ‬يدوياً‭ ‬هم‭ ‬الأوفر‭ ‬حظاً‭ ‬اليوم،‭ ‬فلا‭ ‬تزال‭ ‬منتجاتهم‭ ‬مرغوبة‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬الزبائن‭ ‬المحليين،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أنها‭ ‬ذات‭ ‬أحجام‭ ‬صغيرة‭ ‬وتكاليف‭ ‬قليلة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬سعر‭ ‬معقول‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭. ‬يتباهى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الصنّاع‭ ‬بما‭ ‬يعرضونه‭ ‬على‭ ‬واجهات‭ ‬محالهم‭ ‬وداخلها‭ ‬من‭ ‬تصميمات‭ ‬شرقية‭ ‬بديعة،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬أحاديث‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬ركود‭ ‬حركة‭ ‬البيع،‭ ‬وانتظار‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يحركها‭ ‬ويدفع‭ ‬بها‭ ‬نحو‭ ‬الأمام‭.‬

حال‭ ‬الحرفيين‭ ‬في‭ ‬التكية‭ ‬السليمانية‭ ‬اليوم‭ ‬يشبه‭ ‬حال‭ ‬أحجار‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭. ‬يشعر‭ ‬الزائر‭ ‬عند‭ ‬مدخل‭ ‬التكية‭ ‬وكأن‭ ‬مرور‭ ‬الأيام‭ ‬والسنوات‭ ‬قد‭ ‬توقف،‭ ‬ويبدو‭ ‬الجميع‭ ‬وكأنهم‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬عجلة‭ ‬الزمن‭ ‬كي‭ ‬تعاود‭ ‬الدوران‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية