بيروت ـ «القدس العربي»: غنى الفنان التونسي الأصيل لطفي بو شناق «أجراس العودة» حين قرر الرئيس الأمريكي نقل سفارة بلاده إلى القدس بعد أن «منحها» للصهاينة كعاصمة للدولتهم. أغنية من كلمات الشاعر السوري عماد الدين طه، تصف حاضر العرب المؤسف. تلك القصيدة المعبرة أداها بوشناق في حفله في قلعة الشقيف المطلة على الجليل الفلسطيني. تضاعفت حماسته بفعل رائحة صعتر فلسطين التي لفحته، وبفعل حيوية الحضور في القلعة الجنوبية التاريخية، قال لجمهوره لحظتها «هادِيا تْحب لمْعاوْدة».
لطفي بوشناق يعلن لـ»القدس العربي» أنه لن يتوب عن حب فلسطين «هادِيا قضيتي» وأنه غير مهتم بخسارة مادية نتيجة هذا الحب «أعمل أيه بالمال»؟
مع لطفي بوشناق هذا الحوار عبر الهاتف إلى تونس:
○ كيف تنظر إلى محطتك الغنائية في لبنان هذا الصيف؟
• أكثر من ممتازة. كانت فرصة جميلة تواصلت خلالها مع الجمهور اللبناني مباشرة. فما يعرفه عني الجمهور العربي بشكل عام لا يجاوز 20 في المئة. أقول هذا بكل تواضع.
○ هل ترى في هذا تقصيراً من إدارات المهرجانات أم من الملحقيات الثقافية؟
• إنها مافيا الفن التي ترفع فناناً وتعتم على آخر. تلك المافيا لها شروط واتجاهات فنية. من جهتي أعلن دائماً وأبداً بأنني فنان لا يبحث عن موقع في الساحة، بقدر ما أبحث عن موقف وعمل يذكره لي التاريخ. ينطلق مبدئي من اعتبار دور الفنان على درجة عالية من الأهمية ويفوق دور السياسي. أو لنقل كما السياسي، فكلاهما يصنع التاريخ بصيغة مختلفة. إنها اختيارات وقناعات. وكلما تتاح لي فرصة المشاركة في إحياء مهرجان عربي أو غير عربي، أتلقى رد الفعل مباشرة لأني كنت، وما زلت وسأبقى صادقاً في رسالتي وأتمنى أن أكون دائماً صادقاً فيما أقدمه.
○ أكرمت جمهور قلعة الشقيف بساعتين ونصف من الغناء. هل هو الحب أم شيء آخر؟
• المسرح بالنسبة لي مقدس. تختلف الأماكن والديكور والجمهور، ويبقى المسرح بالنسبة لي مقدسا. قبل حفل قلعة الشقيف كنت على مسرح «ميوزك هول» بدعوة من مؤسسة سمير قصير، وكان الحفل على قدر كبير من النجاح. نجاح ربما يتماثل مع الذي تحقق في قلعة الشقيف. أتعامل مع حفلاتي بالشفافية والصدق نفسه أينما كانت، تماما كما الطبيب الجرّاح الذي لا تختلف عنايته بالمريض سواء كان في مستشفى لكل الناس، أو في آخر من فئة الخمسة نجوم.
○ وهل غنيت «أجراس العودة» في ميوزك هول؟
• لا. حينها لم يكن الأمريكيون قد نقلوا السفارة إلى القدس. نقل السفارة سبق حفل الجنوب فغنيتها.
○ متى ولدت قصيدة «أجراس العودة»؟
• كتبها الشاعر السوري عماد الدين طه إثر نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وصلتني مباشرة من الشاعر الذي أتعاون معه دائماً، فلحنتها وأديتها. في رأيي يجب أن يكون الفنان شاهداً على عصره وعلى المرحلة الزمنية التي يعيشها. منهم من يرغب في نصحي فيقول لي «شو دخلك؟ مشيّ حالك؟» ماذا يعني هذا؟ هل لأقتني رولزرويس والمليارات؟ وفيما بعد هل سأحمل كل هذا معي في الرحلة الأخيرة؟ أختي العزيزة جينا الدنيا «ملط» وحنروح «ملط». سنحمل معنا فقط مواقفنا وإنسانيتنا، والأعمال التي قمنا بها في سبيل خدمة الإنسان، بالعدل والصدق والحب والتسامح. لن يذكرنا التاريخ سوى بمواقفنا.
○ هذا يعني أنك لن تقف في الصف لتوقع توبتك من حب فلسطين؟
• لا لا لا. قضية فلسطين ليست قضية الفلسطينيين، هي قضيتي أنا كعربي. كمسلم أسعى لأولى القبلتين وثاني الحرمين حيث القدس حبيبتي، والمكان الذي صلّى فيه الأنبياء والرسل. لنخرج من الإنتماء الديني، فالحقيقة أن شعباً تمّ اغتصاب أرضه وتهجيره منها، فالله لن يرضى لنا أن نلوذ بالصمت.
○ ترى في فلسطين قصة عدل منتهك من قبل كل العالم؟
• صحيح. ولي أغنية عن العدل: ليه العدل في الدنيا ميزان وفي الحياة مقلوب. وليه الندل فيها الغالب وليه الحر فيها المغلوب. وليه الحق مالو لسان وفي الظلام قنديل. (….)
○ ألا تخشى مقاطعتك عربياً بسبب حبك لفلسطين أو لنقل للعدل؟
• الوطن العربي يزخر بالشرفاء الواعين لقضايا أمتهم. كذلك يزخر بمن يتحلون بالضمير. وهؤلاء عددهم أكبر من تصورنا. ولا تخفى خافية على الشعب العربي، وأنا متأكد من أنهم يكنّون لي كل الإحترام والتقدير. والسبب أنهم يعلمون جيداً أني لست طامعاً في ثروة، ولا في الظهور على حساب مبادئي وتاريخي، أو أمتي وحاضري ومستقبلي. ولن يصيبنا إلاّ ما كتب الله لنا. أكثر ما يهمني فيما تسألين عنه أني عندما أنظر لذاتي في المرآة أن لا أخجل من نفسي. الشعب والشارع العربي لا تخفى عليه خافية.
○ هل تسببت لك «أجراس العودة» في متاعب معينة؟
• أبداً. حصل سوء فهم للنص، وعندما نبهت لواقع الكلمة بعد غنائها في قلعة الشقيف توضحت الصورة. هو «سُليمان» كان تعبيراً مجازياً ومعه كانت صورة ترامب.
○ ترامب سُليمان العصر. فمن يدفع له؟
• لم يعد مخفياً أنه وضع يده على كافة الحسابات الشخصية للعراقيين الأثرياء. وهذا أعلنته وسائل الإعلام على لسان ترامب ولا حاجة كي أقوله. قال هذا بدافع ما ادعاه زوراً لتعويض الجيوش التي ماتت وهي «تحرر العراق». خربوا العراق ومن ثم اعتذر رئيس الوزراء البريطاني عن الخطأ لأنهم لم يجدوا السلاح النووي. نحن من يجب أن نطلب التعويض. أمس قطعوا المساعدات عن الأونروا التي تعين الفلسطينيين اللاجئين على الإستمرار في الحياة حيث لا ماء، لا دواء، لا دراسة ولا حياة. ونحن نتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان الموجودة لدى هؤلاء.
○ في قلعة الشقيف أعدت دون طلب من الجمهور قصيدة أجراس العودة. فكم في رأيك لا تزال الناس تقبل على الغناء الوطني؟
• كل ما ينبع من قلب الإنسان ويكون صادقاً سواء إن كان صحافياً أو فناناً، ويعبر عن الواقع المُعاش فهو سيدخل الاحشاء ويتغلغل في الخلايا.
○ لبنان هو عنوان السي دي الذي صدر لك بالتعاون مع مؤسسة سمير قصير. فماذا تضمن؟
• الراحل سمير قصير كاتب معروف، حاولنا أن تكون الأغنيات التي يتضمنها السي دي بمستوى اسمه وتفكيره. من أشرفوا على المهرجان خاصة جيزيل خوري ورندة الأسمر كان التعاون معهم جيد جداً. حاولنا معاً تقديم ما يليق بالمؤسسة وباسم لبنان. وأهم ما في هذا العمل أغنية لبنان التي تدعو لتوحيد الصفوف بين كل اللبنانيين.
○ قرأت نصاً لزميل كتب فيه أنك على المسرح تجلس وتغني كما العملاق. ألم تغن مرة واقفاً؟
• أشكر من كتب. وأقول أنني حتى يومنا هذا ما أزال تلميذاً مجتهداً ولست بعملاق. جميعنا تتبدل نظرته للأشياء والعمق الذي يبلغه في تفكيره مع الزمن. فالحياة تتيح لنا اكتشاف حقائق وأشياء أخرى لم نكن نعرفها، وأنا مجتهد في سبيل المعرفة. وليس مهماً أن يغني أحدنا واقفاً أو جالساً، المهم ماذا نُبلغ للجمهور الذي يقف أمامنا.
○ هل غنيت من غير ألحانك ولمن؟
ـ أكيد وهم كثر منهم عبد الحكيم بالقايد، وهاني شنودة، وأحمد صدقي، وسيد مكاوي، وصلاح الشرنوبي، والحمادي بن عثمان من تونس، وخالد صديري وآخرين. لا أحمل عقدة الغناء من ألحان الآخرين.
○ ألحان من لا تزال تعيش من الذين تعاونت معهم؟
• جميعهم. فاللحن أو العمل الذي أرضى به هو الذي يضيف لي، ويليق بتاريخي، ويحمل ذات المنهج والاستراتيجية التي وضعتها منذ أكثر من 40 سنة. بغير ذلك لا أغنيه. في الغناء لا مكان للمجاملة. أغني ما يمكنه أن يصدر من أحشائي وإلاّ لماذا الغناء. وكذلك هو موقفي من الكلمات والأشعار التي أختارها.
○ مع أفول هذا الصيف ماذا تقول عنه خاصة وأنه يكون مناسبة للمزيد من المهرجانات والحفلات؟
• هو صيف ساخن جداً جداً والحرارة خلاله كانت عالية. بالنسبة لي لطفي بوشناق، بلغت الحرارة الحد الأقصى على الميزان. والأمر نفسه حاصل في العالم العربي جميعه. وهذا مؤلم. أما فنياً فأتمنى من زملائي الفنانين في العالم العربي أن يحدِثوا ثورة في تفكيرهم. على الفنان دور ومسؤوليته الكبيرة في الوضع العربي الذي نعيشه. لماذا؟ لأننا وللأسف لم نتخطّ في غنائنا حدود كلمات الحب والهجران حتى من الذين كبروا في السن. فلماذا الكذب؟ هذا حاصل في أمتنا على الصعيد الفني بخلاف قليل من الاستثناءات. نعم أمر الله بالحب لكنه ليس الموضوع الأول والأخير في الغناء.
○ ما هي حفلات الزملاء التي تحرص على حضورها؟
• أحضر حفلات الجميع. ضروري متابعة رد فعل الجمهور، وكيفية حضور الزميل على المسرح، وهذا يساعدني في الاستنتاج وأخذ العبر والإتعاظ والمقارنة. أحرص على حضور الزملاء في المسارح وعلى شاشات التلفزيون. وهذا يساعد في تغيير ما يجب تغييره في الذات، أو العكس صحيح وهو البقاء على المبدأ نفسه.
○ هل تحرص على سماع نوع معين من الموسيقى في الصباح؟
• كل موسيقى نابعة من الأعماق ومن الصدق وفيها روحانيات. أسمع للجميع، وكافة موسيقى العالم.
وآخر الكلام ل-»القدس العربي»؟
ـ أدعو الشعب العربي وولاة أمورنا، وأطلب من الله توحيد الصفوف، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه خير هذه الأمة، وإخراجها مما هي فيه حالياً. ورغم كثرة حروبنا ومشاكلنا يجب ان لا ننسى القضية الأم التي كانت ولا تزال وستبقى الأولى وهي فلسطين.