‮«‬لا‭ ‬تشح‭ ‬بنظرك‭ ‬قط‮»‬‭ ‬للألماني‭ ‬فلوريان‭ ‬فون‭ ‬دونرسمارك‭:  ‬ملحمة‭ ‬سينمائية‭ ‬عن‭ ‬التاريخ‭ ‬والحب‭ ‬والفن‭ ‬والمأساة

نسرين‭ ‬سيد‭ ‬أحمد
حجم الخط
0

فينيسيا‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭: ‬قليلة‭ ‬هي‭ ‬الأفلام‭ ‬التي‭ ‬تستلبك‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬عالمك‭ ‬وتستحوذ‭ ‬عليك‭ ‬كلية‭ ‬لتبقيك‭ ‬في‭ ‬عالمها‭ ‬لا‭ ‬تود‭ ‬أن‭ ‬تبرحه‭. ‬‮«‬لا‭ ‬تشح‭ ‬بنظرك‭ ‬قط‮»‬‭ ‬للألماني‭ ‬فلوريان‭ ‬هنكل‭ ‬فون‭ ‬دونرسمارك،‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬المسابقة‭ ‬الرسمية‭ ‬لمهرجان‭ ‬فينيسيا‭ ‬السينمائي‭ ‬2018‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬هذه‭ ‬الجواهر‭ ‬السينمائية‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬معنا‭ ‬طويلا‭ ‬والتي‭ ‬نتأملها‭ ‬مليا‭ ‬بعد‭ ‬مشاهدتها‭.‬

تعود‭ ‬بنا‭ ‬بداية‭ ‬الفيلم،‭ ‬وعنوانه‭ ‬الألماني‭ ‬الأصلي‭ ‬قبل‭ ‬الترجمة‭ ‬الإنكليزية‭ ‬‮«‬عمل‭ ‬بلا‭ ‬مؤلف‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬عام‭ ‬1933‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬بزوغ‭ ‬الحزب‭ ‬النازي،‭ ‬حيث‭ ‬نرى‭ ‬الطفل‭ ‬الصغير‭ ‬كورت‭ ‬بصحبة‭ ‬عمته‭ ‬الشابة‭ ‬الجميلة‭ ‬إليزابيت‭ (‬ساسكيا‭ ‬روزندال‭) ‬في‭ ‬معرض‭ ‬للفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬درسدن‭ ‬لما‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ‬الحزب‭ ‬النازي‭ ‬‮«‬الفن‭ ‬المنحل‮»‬‭. ‬

يصاحب‭ ‬المعرض‭ ‬شرح‭ ‬يوضح‭ ‬تنافي‭ ‬هذه‭ ‬اللوحات‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬الحزب‭ ‬النازي،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬النزعة‭ ‬الفردانية‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬حرية‭ ‬الفكر‭ ‬أو‭ ‬الروح‭ ‬المنطلقة‭ ‬أو‭ ‬الخيال‭ ‬الجامح‭ ‬لا‭ ‬محل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬ملتزم‭ ‬مؤدلج‭ ‬كالمجتمع‭ ‬النازي‭. ‬وهكذا‭ ‬منذ‭ ‬الدقيقة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الفيلم،‭ ‬الممتد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثلاث‭ ‬ساعات‭ ‬وتسع‭ ‬دقائق،‭ ‬يأخذنا‭ ‬فون‭ ‬دونرسمارك‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬الفيلم‭ ‬ولب‭ ‬قضيته‭: ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬الفردية‭ ‬والحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬والروح‭ ‬المنطلقة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬استبدادي‭ ‬قامع،‭ ‬والقضاء‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬والخيال‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يخدم‭ ‬القضية‭ ‬أو‭ ‬يفسد‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يضعها‭ ‬النظام‭ ‬الاستبدادي‭ ‬للمجتمع‭. ‬الفيلم‭ ‬عن‭ ‬إمعان‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مؤلم‭ ‬وموجع‭ ‬وعدم‭ ‬إشاحة‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬جراح‭ ‬الماضي‭ ‬ومأساته،‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لفهم‭ ‬الذات‭ ‬ولخلق‭ ‬فن‭ ‬أصيل‭ ‬يعبر‭ ‬حقا‭ ‬عن‭ ‬الذات‭.‬

يخرج‭ ‬كورت‭ ‬الصغير‭ ‬من‭ ‬المعرض‭ ‬مع‭ ‬عمته‭ ‬إليزابيث‭ ‬التي‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬سائقي‭ ‬الحافلات‭ ‬في‭ ‬مرآبهم‭ ‬أن‭ ‬يطلقوا‭ ‬زمور‭ ‬حافلاتهم‭ ‬مجتمعين‭ ‬حتى‭ ‬تتوحد‭ ‬مع‭ ‬صوت‭ ‬الحافلات‭ ‬وتتأمل‭ ‬الكون،‭ ‬والتي‭ ‬حين‭ ‬تعود‭ ‬للمنزل‭ ‬تتجرد‭ ‬من‭ ‬ثيابها‭ ‬لتطلق‭ ‬لجسدها‭ ‬وروحها‭ ‬العنان،‭ ‬وهي‭ ‬تعزف‭ ‬الموسيقى‭. ‬إليزابيث‭ ‬هي‭ ‬الروح‭ ‬المنطلقة‭ ‬وهي‭ ‬الجمال‭ ‬وهي‭ ‬حب‭ ‬الفن‭ ‬والموسيقى،‭ ‬وهي‭ ‬أول‭ ‬إلهام‭ ‬لكورت‭ ‬الصغير‭. ‬ولكن‭ ‬روح‭ ‬إليزابيث‭ ‬الحرة‭ ‬هي‭ ‬مأساتها‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬حرية‭ ‬سلوكية‭ ‬خللا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يجتث‭. ‬تصنف‭ ‬إليزابيث‭ ‬وفقا‭ ‬لأطباء‭ ‬النازي‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مختلة‭ ‬عقليا،‭ ‬يجب‭ ‬تعقيمها‭ ‬قسريا‭ ‬لمنعها‭ ‬من‭ ‬إنجاب‭ ‬نسل‭ ‬يحمل‭ ‬صفاتها،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬تصفيتها‭ ‬تماما‭ ‬في‭ ‬المحرقة‭. ‬المفزع‭ ‬حقا‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬المرأة‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬وعاء‭ ‬للإنجاب‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬قمعي‭ ‬كالنازية،‭ ‬فالمرأة‭ ‬لا‭ ‬يجدر‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تفكر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تشعر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬شيئا‭ ‬يخالف‭ ‬رؤية‭ ‬النظام‭. ‬وإن‭ ‬أعربت‭ ‬عن‭ ‬رأي‭ ‬صريح‭ ‬ينم‭ ‬عن‭ ‬روح‭ ‬حرة،‭ ‬اتهمت‭ ‬بالخلل‭ ‬العقلي‭ ‬وحرمت‭ ‬عنوة‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أما‭.‬

تمر‭ ‬أعوام‭ ‬الحرب،‭ ‬ويشب‭ ‬كورت‭ (‬توم‭ ‬شيلينغ‭) ‬ليدرس‭ ‬الفن‭ ‬والرسم‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬درسدن،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬النازي‭. ‬يسلط‭ ‬الفيلم‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ثمة‭ ‬من‭ ‬ينتفع‭ ‬دوما‭ ‬مهما‭ ‬تغيرت‭ ‬الأنظمة،‭ ‬وثمة‭ ‬من‭ ‬يتلون‭ ‬دوما‭ ‬ليكتسي‭ ‬لون‭ ‬النظام‭ ‬الجديد،‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطبيب‭ ‬الشهير‭ ‬دكتور‭ ‬سيباند‭ (‬سابستيان‭ ‬كوخ‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬الطبيين‭ ‬للنازي،‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يصدرون‭ ‬قراراتهم‭ ‬بالقضاء‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرونه‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬ضعيفة‭ ‬أو‭ ‬مريضة‭ ‬تضر‭ ‬بسلامة‭ ‬الجنس‭ ‬الآري،‭ ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬بعد‭ ‬تحول‭ ‬البلاد‭ ‬للشيوعية‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬أطبائها‭ ‬ومسؤوليها،‭ ‬واستبدل‭ ‬قناعة‭ ‬مصطنعة‭ ‬بقناعة‭ ‬مصطنعة‭ ‬أخرى‭.‬

في‭ ‬دراسته‭ ‬للفن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬درسدن‭ ‬يواجه‭ ‬كورت‭ ‬التضييق‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬رآه‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬‮«‬الفن‭ ‬المنحل‮»‬‭ ‬في‭ ‬حقبة‭ ‬النازي‭. ‬تغير‭ ‬النظام‭ ‬وحلت‭ ‬مبادئ‭ ‬سياسية‭ ‬محل‭ ‬أخرى،‭ ‬ولكن‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬الفن‭ ‬باسم‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬الحاكمة‭ ‬بقيت‭ ‬ولم‭ ‬تتغير‭. ‬تبدلت‭ ‬المسميات،‭ ‬وبقي‭ ‬الفن‭ ‬والخيال‭ ‬مكبلا،‭ ‬بل‭ ‬صريعا‭ ‬باسم‭ ‬الأيديولوجيا‭. ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬الشيوعية‭ ‬وجد‭ ‬كورت‭ ‬نفسه‭ ‬مجبرا‭ ‬على‭ ‬ألا‭ ‬يمعن‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬أو‭ ‬خياله،‭ ‬وعلى‭ ‬ألا‭ ‬يخلق‭ ‬فنا‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬حقا،‭ ‬بل‭ ‬وجد‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يمجد‭ ‬العامل‭ ‬والبروليتاريا،‭ ‬وأن‭ ‬يمجد‭ ‬قادة‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬في‭ ‬جداريات‭ ‬ضخمة‭ ‬لا‭ ‬تحمل‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬روحه‭ ‬بل‭ ‬تحمل‭ ‬أيديولوجيا‭ ‬الحاكم‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬القمع‭ ‬والصراع‭ ‬الداخلي‭ ‬والإجبار‭ ‬القسري‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بمعتقدات‭ ‬الحاكم‭ ‬على‭ ‬الفنان‭ ‬ككورت‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كورت‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬أكبر‭ ‬تواجه‭ ‬مجتمعا‭ ‬بأسره‭. ‬والد‭ ‬كورت‭ ‬أُكره‭ ‬إكراها‭ ‬على‭ ‬الانضمام‭ ‬للحزب‭ ‬النازي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬حياته‭ ‬ووظيفته،‭ ‬ثم‭ ‬لاحقا‭ ‬يُحمل‭ ‬حملا‭ ‬على‭ ‬التكفير‭ ‬عن‭ ‬ذنوب‭ ‬لم‭ ‬يقترفها،‭ ‬فلا‭ ‬يجد‭ ‬لنفسه‭ ‬ملاذا‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭ ‬والألم‭ ‬سوى‭ ‬الانتحار‭. ‬كورت‭ ‬يعاني‭ ‬فنيا‭ ‬ونفسيا‭ ‬ولا‭ ‬يقوى‭ ‬والده‭ ‬على‭ ‬الانقسامات‭ ‬والتحولات‭ ‬والقمع‭ ‬في‭ ‬بلاده‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يفهمها،‭ ‬وما‭ ‬هما‭ ‬إلا‭ ‬فردان‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬سقيم‭ ‬ويعاني‭ ‬في‭ ‬مجمله‭.‬

لا‭ ‬عجب‭ ‬إذن‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬كورت‭ ‬بالاختناق‭ ‬كفنان‭ ‬وأن‭ ‬يضل‭ ‬طريقه‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬كمبدع‭ ‬وسط‭ ‬عالم‭ ‬تتحكم‭ ‬فيه‭ ‬الرؤية‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬الفن‭. ‬حين‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬مع‭ ‬إيلي‭ (‬باولا‭ ‬بيز‭) ‬زميلته‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬ويتزوجا،‭ ‬وحين‭ ‬يجد‭ ‬ألا‭ ‬سبيل‭ ‬له‭ ‬للتحقق‭ ‬فنيا‭ ‬في‭ ‬بلاده،‭ ‬يقرر‭ ‬الفرار‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬الغربية‭. ‬لكن‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تشح‭ ‬بنظرك‭ ‬قط‮»‬‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬كورت‭ ‬كفرد‭ ‬بعينه‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬ألمانيا،‭ ‬عبر‭ ‬حقبة‭ ‬مليئة‭ ‬بالتغيرات‭ ‬الفكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬محنة‭ ‬الفن‭ ‬والفنان‭ ‬حين‭ ‬يصبحان‭ ‬سجينين‭ ‬لنسق‭ ‬فكري‭ ‬وسياسي‭ ‬قامع‭. ‬يوضح‭ ‬فون‭ ‬دونرسمارك‭ ‬أن‭ ‬التغير‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭ ‬قامعة‭ ‬لحركة‭ ‬سياسية‭ ‬قامعة‭ ‬أخرى،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬مبادئها‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬اختناق‭ ‬الفنان‭ ‬وتشتيت‭ ‬موهبته‭ ‬وفقدانه‭ ‬لكيانه‭ ‬الإبداعي‭.‬

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬بزوغ‭ ‬نجم‭ ‬كورت‭ ‬كرسام‭ ‬للحقبة‭ ‬الاشتراكية‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية،‭ ‬ورغم‭ ‬ما‭ ‬يحققه‭ ‬من‭ ‬نجاح،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فراره‭ ‬للغرب‭ ‬مع‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬الستينيات‭ ‬قبيل‭ ‬إقامة‭ ‬حائط‭ ‬برلين‭ ‬جاء‭ ‬كمحاولة‭ ‬منه‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬ذاته‭ ‬الحقة‭ ‬كفنان‭ ‬وإنسان‭. ‬حين‭ ‬يقبل‭ ‬في‭ ‬أكاديمية‭ ‬الفنون‭ ‬في‭ ‬دوسلدورف،‭ ‬تتقاذفه‭ ‬أمواج‭ ‬الفن‭ ‬الحديث‭ ‬بأفكاره‭ ‬وجموحه،‭ ‬ويجد‭ ‬نفسه‭ ‬بلا‭ ‬هوية‭ ‬فنية‭ ‬حقيقية،‭ ‬بل‭ ‬تتقاذفه‭ ‬أمواج‭ ‬التيارات‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الفن‭ ‬الحديث،‭ ‬ولكن‭ ‬حديثا‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬مع‭ ‬أستاذه‭ ‬أنطونيوس‭ ‬فان‭ ‬فيرتن‭ (‬أوليفر‭ ‬ماسوتشي‭)‬،‭ ‬الأكاديمي‭ ‬والفنان‭ ‬غريب‭ ‬الأطوار‭ ‬المعتمر‭ ‬لقبعته‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬كورت‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬ذاته‭ ‬الحقة‭ ‬كفنان‭.‬

علّ‭ ‬قلب‭ ‬الفيلم‭ ‬وجوهره‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬المحادثة‭ ‬بين‭ ‬كورت‭ ‬وأستاذه،‭ ‬الذي‭ ‬صوره‭ ‬فون‭ ‬دونرسمارك‭ ‬ليشبه‭ ‬جوهر‭ ‬شخصية‭ ‬الفنان‭ ‬التشكيلي‭ ‬والنحات‭ ‬والمثال‭ ‬الألماني‭ ‬يوزف‭ ‬بويز‭. ‬يقول‭ ‬فان‭ ‬فيرتن‭ ‬لكورت‭ ‬أن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬جوهره‭ ‬وعما‭ ‬هو‭ ‬أصيل‭ ‬بداخله‭ ‬وعما‭ ‬يعرفه‭ ‬حقا‭. ‬يروي‭ ‬له‭ ‬قصته‭ ‬التي‭ ‬حولته‭ ‬إلى‭ ‬الفنان‭ ‬الذي‭ ‬أصبحه‭ ‬والتي‭ ‬دعته‭ ‬للإبداع‭ ‬الفني‭ ‬بالمواد‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬وليس‭ ‬غيرها‭. ‬إثر‭ ‬هذا‭ ‬يختلي‭ ‬كورت‭ ‬بذاته‭ ‬وبلوحته‭ ‬الخالية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬جوهره‭ ‬الفني‭ ‬الإبداعي‭ ‬الذي‭ ‬فقده‭ ‬بفعل‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬السياسية‭. ‬كان‭ ‬الألم‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬معاناته‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الدافع‭ ‬وراء‭ ‬عثور‭ ‬فان‭ ‬فرتن‭ ‬على‭ ‬جوهره‭ ‬الإبداعي،‭ ‬وكان‭ ‬غوص‭ ‬كورت‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬إلى‭ ‬ذكرى‭ ‬عمته‭ ‬التي‭ ‬رآها‭ ‬تقتاد‭ ‬إلى‭ ‬المصحة‭ ‬العقلية‭ ‬بإيعاز‭ ‬من‭ ‬أطباء‭ ‬النازي،‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬جوهره‭ ‬كمبدع‭ ‬وفنان‭. ‬رحلة‭ ‬كورت‭ ‬الداخلية‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬ذاته‭ ‬الحقة‭ ‬كشخص‭ ‬وفنان‭ ‬تقوده‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬وإلى‭ ‬ذكرى‭ ‬من‭ ‬رحلوا‭ ‬وإلى‭ ‬تذكر‭ ‬من‭ ‬عذب‭ ‬وكان‭ ‬جلادا‭ ‬ومن‭ ‬تعذب‭ ‬وقضى‭ ‬ضحية‭ ‬للقهر‭ ‬والبطش‭. ‬حين‭ ‬يشرع‭ ‬في‭ ‬مشروعه‭ ‬الفني‭ ‬الخاص،‭ ‬يصبح‭ ‬عمله‭ ‬شهادته‭ ‬على‭ ‬تاريخه‭ ‬الشخصي‭ ‬وتاريخ‭ ‬بلاده‭. ‬تعلم‭ ‬كورت‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬كفنان‭ ‬وإنسان‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬جوهره‭ ‬عليه‭ ‬ألا‭ ‬يشيح‭ ‬بصره‭ ‬قط،‭ ‬تلك‭ ‬النصيحة‭ ‬التي‭ ‬أسدتها‭ ‬له‭ ‬عمته‭ ‬وهم‭ ‬يقتادونها‭ ‬إلى‭ ‬المصحة،‭ ‬فإن‭ ‬يشخص‭ ‬بصره‭ ‬في‭ ‬ماضيه‭ ‬وماضي‭ ‬بلاده‭ ‬هو‭ ‬سبيله‭ ‬لفهم‭ ‬نفسه‭.‬

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية