أداء‭ ‬العربية‭ ‬أداء‭ ‬لهجيا‭ ‬

أتصفح‭ ‬بعض‭ ‬الأخبار‭ ‬والفيديوهات‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الأزرق‭ ‬فتستوقفني‭ ‬سيدة‭ ‬إندونيسية‭ ‬تعلم‭ ‬جمهورا‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬فن‭ ‬التجويد‭ ‬وتطبقه‭ ‬على‭ ‬‮«‬سورة‭ ‬الأعلى‮»‬‭. ‬لم‭ ‬أتوقف‭ ‬لتقييم‭ ‬أدائها‭ ‬فأنا‭ ‬أعلم‭ ‬مسبقا‭ ‬أنها‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أمة‭ ‬تنصح‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬ولا‭ ‬تغش‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬ولا‭ ‬تعتلي‭ ‬منصته،‭ ‬إلا‭ ‬لأنها‭ ‬تستحق‭ ‬ذلك‭ ‬المقام‭. ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬وقوفي‭ ‬لأعلم‭ ‬كيف‭ ‬تنطق‭ ‬الكلمُ‭ ‬العربية‭ ‬باللهجة‭ ‬الإندونيسية‭ ‬وكيف‭ ‬تهذب‭ ‬السيدة‭ ‬المجودة‭ ‬ما‭ ‬زاغ‭ ‬من‭ ‬نطق‭ ‬ومخارج‭. ‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬نيتي‭ ‬مُقَرْفصَة‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬عندنا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬لمن‭ ‬أضمر‭ ‬خبثا،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬متوثبا‭ ‬لتسقّط‭ ‬الأخطاء،‭ ‬فأنا‭ ‬أرغب‭ ‬في‭ ‬التعلم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬العثرات‭. ‬توقفت‭ ‬لأنني‭ ‬تكهنت‭ ‬بأنني‭ ‬سأستمع‭ ‬إلى‭ ‬أداء‭ ‬لهجي‭ ‬للعربية‭ ‬في‭ ‬بقعة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬هي‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كثرة‭ ‬اللهجات‭. ‬فهي‭ ‬ثاني‭ ‬أكبر‭ ‬‮«‬خزان‮»‬‭ ‬للهجات‭ ‬في‭ ‬العالم؛‭ ‬وذكرت‭ ‬كلود‭ ‬حجاج‭ ‬أن‭ ‬عددها‭ ‬يربو‭ ‬على‭ ‬670‭ ‬لهجة‭ ‬وتقدرها‭ ‬الجمعية‭ ‬العالمية‭ ‬للسانيات‭ ‬بـ719‭ ‬لهجة؛‭ ‬ومنذ‭ ‬استقلالها‭ ‬تستعمل‭ ‬إندونيسيا‭ ‬لغة‭ ‬موحدة‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬والتعليم‭ ‬هي‭ ‬اللغة‭ ‬الإندونيسية‭.‬

‭ ‬يبدأ‭ ‬مقطع‭ ‬الفيديو‭ ‬من‭ ‬الآية‭ ‬الثالثة‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬الأعلى‭ ‬ونصها‭ (‬والذي‭ ‬خَلَقَ‭ ‬فَسَوى‭) ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬الصوتي‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬من‭ ‬يتعلم‭ ‬التجويد‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬عبارة‭ (‬خَلَقَ‭) ‬؛‭ ‬إذ‭ ‬يُفهم‭ ‬من‭ ‬تقليد‭ ‬السيدة‭ ‬للإنجاز‭ ‬الخاطئ،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬أدائين‭ ‬لهجييْن‭ ‬أحدهما‭ ‬يُجري‭ ‬الخَاء‭ ‬واللام‭ ‬والقاف‭ ‬بالجهر‭ ‬اللازم‭ ‬في‭ ‬الأول،‭ ‬وغير‭ ‬اللازم‭ ‬في‭ ‬الباقي‭ ‬ويجريها‭ ‬بالتفخيم،‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يحرك‭ ‬الحروف‭ ‬بالفتح،‭ ‬بل‭ ‬بضم‭ ‬الخاء‭ ‬ضما‭ ‬يسري‭ ‬إلى‭ ‬فتحتي‭ ‬اللام‭ ‬والقاف‭ ‬فيُشْرَب‭ ‬بهما‭ ‬إشرابا‭. ‬أما‭ ‬الأداء‭ ‬الثاني‭ ‬فإنه‭ ‬ينطق‭ (‬خَلَقَ‭) ‬نطقا‭ ‬يغلب‭ ‬عليه‭ ‬التهميس‭ ‬الملين‭ ‬المنغم‭ ‬بنبرة‭ ‬خيشومية‭ ‬لا‭ ‬فموية؛‭ ‬وللتبسيط‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬ذهنك‭ ‬انطباع‭ ‬وأنت‭ ‬تسمع‭ (‬خلق‭) ‬بهذا‭ ‬الأداء‭ ‬أنك‭ ‬تسمع‭ ‬نُطْق‭ ‬صبي‭ ‬لعبارة‭ ‬يرققها‭ ‬ويلينها‭ ‬حين‭ ‬يشكو‭ ‬لك‭ ‬أمرا‭ ‬أو‭ ‬يطلبه‭ ‬منك‭ ‬ليثير‭ ‬عطفك‭. ‬وفي‭ ‬آية‭ (‬والذي‭ ‬أخرج‭ ‬المرعى‭) ‬تتوقف‭ ‬السيدة‭ ‬عند‭ ‬المقطع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ (‬أخرج‭) ‬ففيه‭ ‬يغلب‭ ‬الضم‭ ‬والتشديد‭ ‬في‭ ‬الخاء‭ ‬الساكنة‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬تشديدنا‭ ‬لها‭ ‬حين‭ ‬نريد‭ ‬إخراج‭ ‬شيء‭ ‬أكلناها‭ ‬وما‭ ‬هضمناه‭. ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬لأول‭ ‬وهلة‭ ‬وكأن‭ ‬اللهجة‭ ‬يطغى‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الفتحة‭ ‬فيها‭ ‬ميل‭ ‬إلى‭ ‬الضم،‭ ‬وصار‭ ‬ذلك‭ ‬أظهر‭ ‬في‭ ‬تاء‭ ‬الفعل‭ ‬من‭ (‬فلا‭ ‬تَنسى‭ ) ‬التي‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ (‬سَنُقْرِؤَكَ‭ ‬فَلا‭ ‬تنْسَى‭)‬؛‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬استدركت‭ ‬حين‭ ‬سمعت‭ ‬الإنجاز‭ ‬اللهجي‭ ‬لهاء‭ (‬جعله‭) ‬في‭ (‬فجعله‭ ‬غثاء‭ ‬أحوى‭) ‬فالهاء‭ ‬المضمومة‭ ‬في‭ ‬اللهجة‭ ‬الأصلية‭ ‬أميلت‭ ‬بتمطيط‭ ‬الشفتين‭ ‬أفقيا‭ ‬لا‭ ‬بتدويرهما‭ ‬كما‭ ‬يقتضيه‭ ‬نطق‭ ‬الضم؛‭ ‬وهذا‭ ‬بالطبع‭ ‬يكسر‭ ‬ما‭ ‬اعتقدته‭ ‬أنه‭ ‬قاعدة‭ ‬مسترسلة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إجْنَاحٍ‭ ‬الفتح‭ ‬إلى‭ ‬الضم‭. ‬وأخير‭ ‬ينقطع‭ ‬المد‭ ‬المطول‭ ‬في‭ ‬شاء‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ (‬إلا‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭) ‬في‭ ‬الآية‭ ‬7‭ ‬في‭ ‬صوت‭ ‬من‭ ‬يحاكي‭ ‬فلا‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الأوقات‭ ‬الأربعة‭ ‬التي‭ ‬أشارت‭ ‬إليها‭ ‬السيدة‭ ‬بأصابع‭ ‬يدها‭. ‬فهناك‭ ‬ميل‭ ‬إلى‭ ‬المجهود‭ ‬الأدنى‭ ‬وقصور‭ ‬عن‭ ‬مطاولة‭ ‬المدى‭ ‬المطلوب‭ ‬في‭ ‬المد‭.‬

هذه‭ ‬صورة‭ ‬حية‭ ‬مما‭ ‬أسميه‭ ‬ههنا‭ ‬إنجازا‭ ‬لهجيا‭ ‬للعربية‭ ‬الفصحى‭. ‬موقف‭ ‬النحاة‭ ‬والبلاغيين‭ ‬العرب‭ ‬القدامى‭ ‬منه‭ ‬موقف‭ ‬صفوي‭ ‬مبالغ‭ ‬فيه،‭ ‬إذ‭ ‬اعتبروا‭ ‬أن‭ ‬اللغات‭ ‬الأخرى‭ – ‬وكان‭ ‬كلامهم‭ ‬على‭ ‬الفارسية‭ ‬أغلب‭ – ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أفسدت‭ ‬العربية،‭ ‬وأن‭ ‬نطق‭ ‬الأعاجم‭ ‬بطرائقهم‭ ‬أي‭ ‬بعاداتهم‭ ‬اللغوية‭ ‬الأصلية‭ ‬أضر‭ ‬بالعربية،‭ ‬ولذلك‭ ‬سموهم‭ ‬أعاجم‭ ‬وسموا‭ ‬لغاتهم‭ ‬بالأعجمية‭ ‬أي‭ ‬غير‭ ‬المفصحة،‭ ‬مقابل‭ ‬العربية‭ ‬المبينة‭. ‬مازال‭ ‬الأجنبي‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬ينجز‭ ‬العربية‭ ‬بلكنته‭ ‬الخاصة‭ ‬وينطق‭ ‬حروفها‭ ‬على‭ ‬طريقته،‭ ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نحمل‭ ‬عليهم‭ ‬كما‭ ‬حمل‭ ‬أجدادنا‭ ‬النحاة‭ ‬على‭ ‬لُغَى‭ ‬الأعاجم‭. ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لدى‭ ‬عامة‭ ‬الأمس‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لعلمائهم‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬غيرهم،‭ ‬ولِمَ‭ ‬سيكون‭ ‬لهم‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬وغيرهم‭ ‬يسعى‭ ‬جهده‭ ‬أن‭ ‬يحدثهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ترجمان،‭ ‬فيفهموا‭ ‬بلسانهم‭ ‬عنه‭ ‬وهو‭ ‬يحاكي‭ ‬لسانهم؟‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لنا‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬لهجاتنا‭ ‬سلبا‭ ‬أو‭ ‬إيجابا‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬موقف‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬اللهجة‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬التي‭ ‬تنطق‭ ‬بتلك‭ ‬اللهجة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬ينتمون‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬جغرافية‭ ‬معينة‭. ‬

القرآن‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يحمي‭ ‬أداء‭ ‬للعربية‭ ‬طِرَازيا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬التجويد‭ ‬المقعد،‭ ‬خلقت‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬مثالية،‭ ‬تحتكم‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬صوتية‭ ‬صارمة‭. ‬والغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السنن‭ ‬الصوتية‭ ‬استطاعت‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬أن‭ ‬تقفز‭ ‬بالدراسة‭ ‬الصوتية‭ ‬العربية‭ ‬وتوفر‭ ‬لها‭ ‬مصطلحات‭ ‬وجهازا‭ ‬نظريا‭ ‬متطورا،‭ ‬أكدت‭ ‬قسما‭ ‬مهما‭ ‬منه‭ ‬الدراسات‭ ‬الصوتية‭ ‬الحديثة‭. ‬هذا‭ ‬النطق‭ ‬الطرازي‭ ‬للعربية‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬مازلنا‭ ‬نحتكم‭ ‬إليه‭ ‬كثيرا‭ ‬أو‭ ‬قليلا‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى،‭ ‬وللفصحاء‭ ‬والحريصين‭ ‬على‭ ‬العربية‭ ‬بأن‭ ‬أداءها‭ ‬بلكنة‭ ‬لهجاتنا‭ ‬اليومية‭ ‬مما‭ ‬يعطلها‭.‬

استطاع  القرآن أن يحمي أداء للعربية طِرَازيا، من خلال الحرص على التجويد المقعد، خلقت طريقة في القراءة مثالية، تحتكم إلى قواعد صوتية صارمة

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬معقد‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬بالقرآن؛‭ ‬فما‭ ‬نعتبره‭ ‬إنجازا‭ ‬طرازيا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬إنجاز‭ ‬للهجة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬لهجات‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬الكثيرة‭. ‬فتأويل‭ ‬نزول‭ ‬القرآن‭ ‬بحروف‭ ‬سبعة‭ ‬في‭ ‬‮«‬علم‭ ‬القراءات‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬نزل‭ ‬بلهجات‭ ‬مختلفة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬العدد‭ ‬سبعة‭ ‬عددا‭ ‬حقيقيا‭ ‬أو‭ ‬رمزيا‭. ‬أصحاب‭ ‬العد‭ ‬الحقيقي‭ ‬يختلفون‭ ‬في‭ ‬بعضها،‭ ‬لكن‭ ‬قد‭ ‬يتفقون‭ ‬في‭ ‬أغلبها‭ ‬وهذه‭ ‬اللهجات‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬الروايات‭ ‬تواترا‭: ‬لهجة‭ ‬قريش‭ ‬وثقيف‭ ‬وهذيل‭ ‬وهوازن‭ ‬وكنانة‭ ‬وتميم‭ ‬واليمن‭. ‬ومعلوم‭ ‬أن‭ ‬اللهجة‭ ‬بهذه‭ ‬القسمة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬الموسعة‭ ‬المنتسبة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ (‬اليمن‭) ‬والإنجاز‭ ‬الجماعي‭ ‬الضيق‭ ‬أو‭ ‬المتسع‭ ‬المرتبط‭ ‬بقبيلة‭. ‬

تأويل‭ ‬مفهوم‭ ‬اللهجة‭ ‬في‭ ‬السياق‭ ‬القرآني‭ ‬ظل‭ ‬تأويلا‭ ‬غير‭ ‬دقيق‭ ‬علميا،‭ ‬فاللهجة‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الجانب‭ ‬المعجمي‭ ‬أو‭ ‬الصوتي‭ ‬أو‭ ‬الإعرابي،‭ ‬لكن‭ ‬نطق‭ ‬لهجة‭ ‬لعبارة‭ ‬بالتنغيم‭ ‬المعين‭ ‬أو‭ ‬بالنبر‭ ‬المشدد‭ ‬أو‭ ‬المخفف،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شيئا‭ ‬مذكورا‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬العلماء،‭ ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬فإن‭ ‬الآية‭ ‬78‭ ‬من‭ ‬سورة‭ ‬هود‭ (‬هؤلاء‭ ‬هن‭ ‬أطهر‭ ‬لكم‭) ‬تقرأ‭ ‬فيها‭ (‬أطهر‭) ‬بالرفع‭ ‬والنصب‭ ‬حسب‭ ‬اللهجات،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ليس‭ ‬أمرا‭ ‬لهجيا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تأويل‭ ‬إعرابي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬الواحدة‭. ‬فما‭ ‬يعد‭ ‬لهجيا‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬الدقيق‭ ‬للعبارة؛‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬كثيرا‭ ‬مما‭ ‬يصنع‭ ‬الهوية‭ ‬اللهجية‭ ‬عند‭ ‬النطق‭ ‬بها‭ ‬كالتنغيم‭ ‬والنبر‭ ‬والأداء‭ ‬المميز‭ ‬لقطعة‭ ‬صوتية‭ ‬معينة‭ ‬زال‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬التدوين‭.‬

ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬العربية‭ ‬تنجز‭ ‬بتأثير‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬لهجية‭ ‬محلية‭. ‬فهناك‭ ‬حروف‭ ‬تنطق‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬نطقا‭ ‬محليا،‭ ‬مثل‭ ‬القاف‭ ‬التي‭ ‬تنطق‭ ‬همزة‭ ‬وربما‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬الخلط‭ ‬في‭ ‬النطق‭ ‬بين‭ (‬قلم‭) ‬و‭(‬ألم‭) ‬وما‭ ‬تزال‭ ‬المدارس‭ ‬تقلل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬اللبس،‭ ‬فلا‭ ‬تصنع‭ ‬مخابر‭ ‬لتهذيب‭ ‬النطق‭ ‬العربي‭ ‬وتنقيته‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬اللهجة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحرف‭ ‬المعنى‭. ‬لكن‭ ‬القراءة‭ ‬القرآنية‭ ‬لا‭ ‬تتسامح‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الأداء‭ ‬اللهجي‭ ‬الذي‭ ‬تتسامح‭ ‬معه‭ ‬العربية‭ ‬الفصحى‭ ‬في‭ ‬المناسبات‭ ‬الرسمية‭ ‬والعكاظيات‭ ‬الشعرية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬تأثير‭ ‬الأداء‭ ‬اللهجي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬إلى‭ ‬لغات‭ ‬أجنبية،‭ ‬فبعض‭ ‬الشعوب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬نطق‭ ‬لهجي‭ ‬للغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬بحروف‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬مثيل‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬المحلية‭.‬

هذه‭ ‬الملاحظات‭ ‬تألفت‭ ‬من‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬فيديو‭ ‬فيه‭ ‬امرأة‭ ‬مسلمة‭ ‬إندونيسية‭ ‬تعلم‭ ‬جماعة‭ ‬من‭ ‬بني‭ ‬جلداتها‭ ‬كيف‭ ‬ينطقون‭ ‬عربية‭ ‬القرآن‭ ‬نطقا‭ ‬سليما‭. ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬المرأة‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬صوتها‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬القرآن‭ ‬جهرا‭ ‬عورة؟‭ ‬ببساطة‭: ‬ما‭ ‬كان‭ ‬لهذا‭ ‬المقال‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭.‬

٭‭ ‬أستاذ‭ ‬اللسانيات‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية