في ميدان سفرا، موقع بلدية القدس، ثمة جدار وعليه فسيفساء لخارطة ملونة من الخرائط المشهورة جدًا في المدينة في كل الأزمان. حسب هذه الخارطة القديمة، فإن القدس هي مركز عالم متناظر وجميل، هي مركز زهرة كل ورقة تويج فيها تمثل قارة من قارات العالم القديم: آسيا، وأوروبا وإفريقيا. في يوم الخميس الماضي كانت الخارطة هي خلفية للمؤتمر الصحافي للحزب الفلسطيني الجديد «القدس لنا»، برئاسة عزيز أبو سارة، الذي يتنافس على رئاسة المجلس البلدي في المدينة. أبو سارة وزميلاه في الحزب حبيب أبو ارميلة، وعايدة قليبو، الذين هم في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم، عقدوا مؤتمرًا صحافيًا وهم يحملون على ملابسهم أعلامًا فلسطينية معلقة بدبابيس. هذا هو الحزب الفلسطيني الثاني الذي أعلن عن التنافس في الانتخابات القريبة إلى جانب المرشح رمضان دبش.
الحزبان يريدان كسر المقاطعة الاجتماعية والسياسية لتصويت سكان القدس الفلسطينيين في الانتخابات التي بدأت في عام 1967، لكن هذا، بهذا الشكل أو ذاك، هو الأمر المشترك الوحيد بينهما. المرشح الأول يتنافس من أجل تحسين الخدمات المقدمة للفلسطينيين في المدينة، والثاني يتنافس كجزء من النضال ضد الاحتلال. إن احتمال فوز الحزبين في الانتخابات لرئاسة البلدية ما زال ضعيفًا. في معظم الحملات الانتخابية بلغت نسبة المصوتين الفلسطينيين نسبة مئوية معدودة. وفي الانتخابات الأخيرة صوت أقل من 2 في المئة من ذوي حق الانتخاب. نظريًا إذا قرر الفلسطينيون بصورة جماعية كسر المقاطعة، فإنهم يستطيعون تعيين أي مرشح لرئاسة البلدية القادمة. ولكن هذا الأمر لا يتوقع حدوثه في المستقبل القريب.
ولكن حتى إذا لم ينتخبا، فإن أبو سارة ودبش قد وصلا أبعد من أي مرشح فلسطيني آخر في تاريخ شرق القدس، ويثيران حوارًا غير مسبوق في المجتمع الفلسطيني في المدينة بخصوص الوضع الراهن ومسألة ما إذا حان وقت الفلسطينيين لـ «التحرك بأعداد كبيرة نحو صناديق الاقتراع». معارضوهم ليسوا بأقل صراخًا منهم؛ فقبل دقائق من بداية المؤتمر الصحافي ألقى عدد من الشبان الفلسطينيين البيض نحو مرشحي «القدس لنا». معظم البيض أخطأ الهدف وتناثر على الخارطة الملونة.
متهم بالعمالة
المرشح الأول الذي أعلن ترشحه هو دبش، وهو مهندس مدني ورجل أعمال، ولديه علاقات جيدة، وصاحب شركة بناء، ويشغل وظيفة رئيس إدارة تجمع قرية صور باهر التي تقع في جنوب القدس. هو متزوج من أربع نساء ولديه 12 ولدًا. دبش الذي يتنافس على رأس قائمة المجلس البلدي تحت اسم «القدس للمقدسيين»، له صفحتان على الإنترنت، واحدة بالعربية والأخرى بالعبرية، والفرق بينهما تظهر التوتر الذي يعتمل داخله. في الصفحة العبرية كتب: «القدس الموحدة تحت دولة إسرائيل اليهودية هي حقيقة منتهية». و«جميل أن الأمر هكذا» التي ظهرت في الموقع في بداية إنشائه شطبت منذ ذلك الحين. وفي المقابل وبالعربية، ترى الموقع لا يتعامل أبدًا بالمكانة السياسية للمدينة، بل يركز على رسائل حول حقوق سكانها الفلسطينيين وتعزيز الضواحي. «كتبت ذلك بعد ما سمعته من الناس، أغلبيتهم غير مستعدين الآن للتنازل عن بطاقة الهوية الزرقاء (هوية المواطنة)، هذه الهوية تحولت إلى شيء مقدس، ومعظم الناس لا يريدون أن تكون السلطة الفلسطينية هنا». عندما سئل لماذا لا يكتب هذا في صفحته بالعربية، أجاب: «هناك أشخاص لا تسعدهم قراءة ذلك بالعربية». حسب أقوال دبش: «الناس يريدون أن يكون لديهم مكان لرمي النفايات فيه. هم لا يبحثون عن السياسة. أنا لا أريد الإعلان عمن هو صاحب البيت هنا في المدينة، لكن نحن هنا ونستحق العيش هنا».
ولكن تدخل أحيانًا السياسة حتى لو كان دبش غير معني بذلك. نشطاء في شرق القدس انضموا لقائمة دبش وانسحبوا بعد تلقي تهديدات، وقد بقي فيها وحيدًا. هو نفسه يحرص على ألا يبقي وثائق في سيارته. «يحتمل أن استيقظ في الصباح وأجد أنهم قد أحرقوا السيارة. هذا ليس فظيعًا، سأشتري سيارة جديدة»، قال. ولكن في هذا الأسبوع، قال إن حادثة أكثر خطورة قد حدثت. حسب قوله: حاول من يعارضونه اختطاف ابنه، ابن السنتين، من أجل سحب ترشحه.
يحظى دبش بتقدير بلدية القدس على رفع مكانة صور باهر، والقرية حقًا في وضع أفضل مقارنة مع معظم الأحياء الفلسطينية الأخرى في المدينة. الإدارة المحلية تقدم دورات باللغة العبرية للحواسيب للأطفال والبالغين، والشرطة تقيم بجانبها مبنى جديدًا سيستخدم كمركز للشرطة. جزء من الشوارع شق من جديد للمرة الأولى منذ عهد الأردن. معظم البيوت حصلت على رخص بناء، هذا جزء من الأسباب التي من أجلها يعدّ دبش في أوساط الفلسطينيين في المدينة شخصًا متحمسًا للعمل مع السلطات الإسرائيلية. في كل محادثة يطرح ماضيه كعضو سابق في الليكود، حتى إنه متهم بالتعاون الأمني مع إسرائيل ـ وهي من الاتهامات القاسية جدًا التي يمكن أن تطرح في النقاشات الداخلية الفلسطينية. وحقيقة أنه يحمل الجنسية الإسرائيلية، خلافًا لأكثر من 90 في المئة من السكان الفلسطينيين في المدينة الذين يحملون إقامة فقط، لا تفيد صورته كممثل أصيل. دبش يسخر من هذه الاتهامات، وهو يشير إلى غرفة الحواسيب الجديدة في مبنى الإدارة المحلية ويقول ساخرًا: «ها أنت ترى، من هنا أنا أنقل المعلومات للشاباك». «وها هنا، يشير إلى غرفة الرياضة، أنا أخبّئ الصواريخ». هو حقًا كان مرتبطًا بالليكود والتقى زعماء الحزب في مناسبات مختلفة، لكنه يقول إنه فعل ذلك من أجل تطوير شرق القدس، أما اليوم فلا يربطه بالحزب رابط. «دولة إسرائيل اليوم تجري محادثات مع حماس، وهذا لا يعني أنها أصبحت حماس. إذا كنتُ قد جلستُ مع الليكود فهذا لا يعني أنني ليكودي».
في الأسابيع الأخيرة كانت محادثات بين دبش ومقربي أبو سارة في محاولة لتوحيد القوائم، لكنها فشلت بسرعة. «هم أرادوا مني رفع الأعلام الفلسطينية في الحملة، وأن أقوم بتلوين غرب المدينة بالأسود والقول إن القدس هي عاصمة فلسطين. فقلت إن هذا ليس توجهي»، قال. بعد فشل المحادثات توجه أبو سارة إلى طريق مستقلة.
بدون كلمة القدس
أبو سارة (38 سنة) بعيد جدًا عن دبش في أفكاره وخلفيته. هو من مواليد حي وادي الجوز، وشقيقه تيسير اعتقل في 1990 في الانتفاضة الأولى بتهمة أنه شارك في رشق الحجارة. وقد أطلق سراحه بعد 11 شهرًا، وبعد ثلاثة أسابيع توفي. وحسب ادعاء العائلة، فإنه مات بسبب التعذيب وظروف السجن. وقد اعتبر شهيدًا. بعد سنوات، تحول أبو سارة إلى نشيط في منتدى العائلات الثكلى الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
«لا توجد مسؤولية لطفل ابن 10 سنوات أو تأثير على الجنود الذين اعتقلوا شقيقه»، كتب بعد ذلك. «ولكن الآن كشخص بالغ، أستطيع تحمل المسؤولية عن ردودي على الألم والثكل. لقد تصرفوا بصورة ظالمة وقتلوا تيسير، لكن بالنسبة لي كان هناك خيارًا وما زال قائمًا… هذا قرار صعب، التخلي عن الانتقام وعن الطريق السهلة للسير خلف الإحساس. ولكن الكراهية تولد الكراهية، والطريقة التي تتعامل بها مع الآخرين هي الطريقة التي سيتعاملون بها معك».
ترشحه لرئاسة البلدية، صرح، هو جزء من النضال السياسي ضد الاحتلال. وهو يتحدث ثلاث لغات بطلاقة، لكنه يحاول عدم استخدام كلمة أورشليم أو جيروزاليم، بل كلمة القدس فقط. هو يربط بين الظلم والاضطهاد الاقتصادي في الميزانية في شرق المدينة وبين السياسة، ويتعهد بعلاجهما، ولكن هدفه الأساسي هو «هز القارئ».
«أنا أعتقد أن هذا سيؤدي إلى حوار جدي، ومن هو مع الدولتين يستطيع أن يحسب كم بقي من الوقت لتطبيق هذا الحل. ومن هم مع الدولة الواحدة يستطيعون أن يروا في ذلك خطوة أولى نحو الدولة الواحدة. هذا يخرج الناس من مناطق راحتهم»، قال. من أجل هز القارئ أعلن أبو سارة ـ خلافًا لدبش ـ عن التنافس على رئاسة البلدية وليس على عضوية المجلس فقط، لكن من أجل القيام بذلك يجب عليه أن يجتاز محكمة العدل العليا ـ هو ليس مواطنًا. وحسب القانون، لا يستطيع أن يتعين في منصب رئيس البلدية. الالتماس الذي يتوقع أن يقدمه في الأيام القريبة سيهاجم فيه القانون الذي يمنع 40 في المئة من سكان شرق القدس من التنافس على هذا المنصب. يمكن الافتراض أن هذه الخطوة القانونية ستفشل، لكن أبو سارة يقول إنه سيكسب ذلك في كل الأحوال. «لقد ولدت هنا ووالداي ولدا هنا. إذا كانت هناك ديمقراطية فاسمحوا لي بالترشح، وإذا لم توجد فلا تسمحوا لي. هذا سيكشف خدعة الديمقراطية الإسرائيلية»، قال أبو سارة.
اختيار حساس
إن الطريق لرئاسة البلدية لا تمر من خلال المحكمة العليا فقط. المرشحان حاولا الحصول على تأييد شخصيات كبيرة في السلطة الفلسطينية، لكنهما فشلا. مفتي القدس الشيخ محمد حسين نشر مؤخرًا فتوى تمنع المشاركة في الانتخابات. وإزاء هذه المعارضة الجدية، فإن ترشح أبو سارة ـ الذي يتحدث باسم النضال ضد الاحتلال ـ يتحدى الخطاب الفلسطيني. معارضوه الأساسيون من فتح ومن الجبهة الشعبية يتهمونه بالتطبيع، تطبيع الاحتلال. لكنه ـ ومثل فلسطينيين كثيرين في المدينة ـ يجد صعوبة في فهم حدودها. «جميعهم يدفعون الأرنونا وصناديق المرضى، وللجميع حسابات بنكية، وجميعهم يعملون في إسرائيل. موقفي هو أننا إذا كنا جميعًا ندفع ففي حينه هيا نأخذ حقوقنا. ولكن هذا كيف يساعد الفلسطينيين الذين يهدمون بيوتهم؟ أنا على استعداد للتنازل عن ترشحي، لكن عليهم أن يقترحوا بديلًا. في هذه الأثناء لا يوجد أي حل آخر».
بعد ذلك، أشار إلى أنه يأمل في أن مرشحًا آخر ومعروفًا أكثر مثل عضو الكنيست أحمد الطيبي الذي يعيش في القدس، يقوم بمسك العنان ويقود المسيرة لرئاسة البلدية. «ربما هذه المرة أنا، وفي المرة القادمة سيكون هو، ربما أنا الذي يجب عليه كسر الطابو».
معظم الفلسطينيين في القدس الذين تحدثنا معهم مؤخرًا متشككون بخصوص نجاح المسيرة في الانتخابات القادمة، لكنهم يعترفون أن ترشح الفلسطينيين يثير أسئلة شديدة. «هذا لن ينجح، لكن لا يمكن تجاهل أن هناك تغييرًا في الموقف التقليدي للمجتمع الفلسطيني»، قال فؤاد أبو حامد، أحد سكان صور باهر. «صحيح في هذه الأثناء أنا شخصيًا أعارض، لأن القيادة الفلسطينية تقول إنه لا يجب علينا التصويت. أعتقد أن هذا سيحسن روتين حياتنا، ولكن مع كل الاحترام روتين حياتنا أفضل من روتين حياة الفلسطينيين في قطاع غزة وفي الخان الأحمر، وأنا لن أغرس سكينًا في ظهر شعبي». خالد الخطيب، مدير متحف التراث الفلسطيني في الشيخ جراح ينضم إليه. «من ناحية منطقية أبو سارة على حق. ولكن من ناحية عاطفية نحن لا نستطيع فعل ذلك».
سكان آخرون في شرق المدينة شرحوا أن الثقة بالسلطة الفلسطينية إلى جانب اليأس العام من مستقبلهم واللامبالاة السياسية، ستجعل أغلبية الناخبين الفلسطينيين في المدينة يقاطعون الانتخابات القادمة. ولكن دبش وأبو سارة يعتقدان أن الوقت الذي ستكسر فيه المقاطعة سيأتي، حتى لو لم يكن الآن.
«ما يريدون القيام به مع 350 ألف إنسان أنه لا يمكن تركنا بين السماء والأرض»، قال دبش. وأضاف أبو سارة: «من هنا لم يعد بالإمكان وقف ذلك، غير مهم ماذا سيحدث الآن. الأمور تغيرت».
نير حسون
هآرتس 17/9/2018