رواية‭ ‬‮«‬وحي‮»‬‭ ‬بين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والميثولوجيا‭ ‬دهرٌ‭ ‬وهاوية.. حبيب‭ ‬سروري‭: ‬اليمن‭ ‬يغرق‭ ‬وشعبه‭ ‬ينتحر‭ ‬جماعيا‭ ‬

آدم‭ ‬جابر‭
حجم الخط
0

باريس‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬:‬ حبيب‭ ‬عبدالرب‭ ‬سروري،‭  ‬كاتب‭ ‬وروائي‭ ‬يمني،‭ ‬وأستاذ‭ ‬جامعي‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬في‭ ‬الكلية‭ ‬القومية‭ ‬للعلوم‭ ‬التطبيقية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬روان‭ ‬الفرنسية‭. ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأبحاث‭ ‬والكتب‭ ‬العلمية‭ ‬باللغتين‭ ‬الفرنسية‭ ‬والإنكليزية‭. ‬لكن،‭ ‬ومع‭ ‬ذلكك‭ ‬ظل‭ ‬مرتبطا‭  ‬بالأدب‭ ‬والثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬أصدر‭ ‬كتبا‭ ‬بالعربية،‭ ‬على‭ ‬غرار‭: ‬‮«‬لا‭ ‬إمام‭ ‬سوى‭ ‬العقل‮»‬‭ ‬و«لنتعلّم‭ ‬كيف‭ ‬نتعلم‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬روايته‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الأخيرة‭ ‬‮«‬ابنة‭ ‬سوسلوف‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تُرجمت‭ ‬إلى‭ ‬اللغتين‭ ‬الفرنسية‭ ‬والإنكليزية،‭ ‬لاقت‭ ‬اهتمام‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الفرنسية‭. ‬وحديثا،‭ ‬صدرت‭ ‬له‭ ‬رواية‭: ‬‮«‬وَحي‮»‬‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الساقي،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تغب‭ ‬عنها‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬يمرُ‭ ‬بها‭ ‬بلده‭ ‬اليمن‭. ‬التقته‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬وكان‭ ‬الحوار‭ ‬التالي‭:‬

■‭ ‬حدثنا‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وحي‮»‬

□‭ ‬فكرة‭ ‬الرواية‭ ‬أتت‭ ‬من‭ ‬عناق‭ ‬ملاحظتين‭ ‬جوهريتين،‭ ‬يفصلهما‭ ‬دهرٌ‭ ‬وهاوية‭. ‬الأولى‭: ‬هيمنة‭ ‬الحياة‭ ‬الرقمية،‭ ‬ابنة‭ ‬الإنترنت،‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬إذ‭ ‬صرنا‭ ‬نحيى‭ ‬معظم‭ ‬الوقت‭ ‬متوحِّدين‭ ‬مع‭ ‬شاشات‭ ‬الكمبيوتر،‭ ‬باحثين‭ ‬عما‭ ‬يختفي‭ ‬في‭ ‬سراديبه‭ ‬من‭ ‬معارف،‭ ‬لا‭ ‬نتحدث‭ ‬غالبا‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬تواصله‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬لذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬اليوم‭ ‬للخيوط‭ ‬الأولى‭ ‬لروايةٍ‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬وترائب‭ ‬هذا‭ ‬العالَم‭ ‬الرقمي‭. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬خطّطتهُ‭ ‬بطلةُ‭ ‬الرواية‭ ‬‮«‬وحي‮»‬،‭ ‬ونفّذهُ‭ ‬الراوي‭ ‬غسّان،‭ ‬بدون‭ ‬وعي‭. ‬والملاحظة‭ ‬الثانية‭: ‬هيمنة‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬الغيبية‭ ‬والأفكار‭ ‬الظلامية‭ ‬والطائفية‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬العربية،‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى،‭ ‬وشلل‭ ‬العقل‭ ‬العربي‭ ‬بسبب‭ ‬ذلك‭. ‬تُحدِّد‭ ‬ذلك،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬رؤيةَ‭ ‬معظم‭ ‬الناس‭ ‬لقضايا‭ ‬العصر،‭ ‬للتاريخ‭ ‬والكون‭ ‬والطبيعة‭ ‬والمستقبل،‭ ‬وطريقةَ‭ ‬تعاملهم‭ ‬مع‭ ‬الآخر‭ ‬المختلِف،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالطغاة‭ ‬والسياسة‭. ‬أردتُ،‭ ‬إذن،‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وَحي‮»‬‭ ‬الخوض‭ ‬الروائي‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬أرضيةٍ‭ ‬صعبة،‭ ‬لا‭ ‬يتجرأ‭ ‬الروائي‭ ‬العربي‭ ‬الخوض‭ ‬فيها‭ ‬غالبا‭: ‬المسلمات‭ ‬الجوهرية‭ ‬لهذه‭ ‬الميثولوجيا،‭ ‬ونتائجها‭. ‬

■‭  ‬لكن‭ ‬كيف‭ ‬تفسر‭ ‬صعوبة‭ ‬ملامسة‭ ‬مواضيع‭ ‬الفكر‭ ‬روائيا‭ ‬منحى‭ ‬فنيا؟‭ ‬

□‭ ‬نعم،‭ ‬كل‭ ‬الأبواب‭ ‬مفتوحة‭ ‬للموضوع‭ ‬الروائي‭. ‬وبفضل‭ ‬ذلك‭ ‬لعب‭ ‬الأدب‭ ‬الحديث،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الرواية‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الأخيرة،‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬قرن‭ ‬التنوير‭ (‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭) ‬وما‭ ‬تلاه‭. ‬وبفضل‭ ‬ذلك‭ ‬تساقط‭ ‬الطغاة‭ ‬والأنظمة‭ ‬التوليتارية،‭ ‬وتطوَّرَ‭ ‬الإنسان‭ ‬الحديث‭: ‬صارت‭ ‬قيمُ‭ ‬الإنسانية‭ ‬والحرية‭ ‬والسلم‭ ‬والعقل‭ ‬والإخاء‭ (‬التي‭ ‬حملت‭ ‬رسالتها‭ ‬الروايات‭ ‬الإنسانية‭) ‬مداميكَ‭ ‬عصر‭ ‬العِلم‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬وما‭ ‬أحوجنا،‭ ‬نحن‭ ‬كعرب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرنا،‭ ‬لِسيلٍ‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المدّ‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬يغيّر‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬واقعنا‭ ‬العربي‭ ‬المتقوقع،‭ ‬وينقله‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬جديد‭. ‬ولعلي‭ ‬بعد‭ ‬روايتين‭ ‬تنتميان‭ ‬لهذا‭ ‬المنحى‭ ‬هما‭ ‬‮«‬عرق‭ ‬الآلهة‮»‬‭ ‬و«تقرير‭ ‬الهدهد‮»‬‭ (‬بطلها‭ ‬أبو‭ ‬العلاء‭ ‬المعري‭ ‬الذي‭ ‬تتجسد‭ ‬فيها‭ ‬أفكاره‭ ‬عن‭ ‬الكــــون‭ ‬والحياة‭ ‬والإنســـان،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬فني‭ ‬تخييلي‭ ‬خالص،‭ ‬لا‭ ‬يخـــــلو‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬تقنيات‭ ‬الخيال‭ ‬العلمي‭)‬،‭ ‬وبعد‭ ‬كتابٍ‭ ‬ثقافي‭ ‬نال‭ ‬رواجا‭ ‬ملحوظا‭: ‬‮«‬لا‭ ‬إمام‭ ‬سوى‭ ‬العقل‮»‬،‭ ‬صِرتُ‭ ‬ذا‭ ‬تجربةٍ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬الروائي‭ ‬الذي‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬اكتسب‭ ‬نضجا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬روايتي‭ ‬الجديدة‭ ‬‮«‬وَحي‮»‬‭. ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬يتم‭ ‬بين‭ ‬دفتيها‭ ‬في‭ ‬سياقٍ‭ ‬فنيٍّ‭ ‬خالص،‭ ‬أبطال‭ ‬الرواية،‭ ‬كالبديعة‭ ‬جدا‭ ‬الســـورية‭ ‬ـ‭ ‬الفــــرنسية‭ ‬شُهد‭ (‬تلعب‭ ‬دورا‭ ‬رئيسا‭ ‬كالراوي،‭ ‬بل‭ ‬أهم‭): ‬قِطـــعٌ‭ ‬فنية،‭ ‬كما‭ ‬أظن‭ ‬وأتمنى‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تناولُ‭ ‬المواضيع‭ ‬الفكرية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬يتخلل‭ ‬سياقها‭ ‬السردي،‭ ‬بين‭ ‬رحلاته‭ ‬وتفاعلاته‭ ‬الغرامية‭ ‬وهموم‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭. ‬وليس‭ ‬هدفا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭.‬

هيمنة‭ ‬الميثولوجيا‭ ‬الغيبية‭ ‬والأفكار‭ ‬الظلامية‭ ‬والطائفية‭ ‬على‭ ‬حياتنا‭ ‬العربي

■‭  ‬لعله‭ ‬إذن‭ ‬نتيجة‭ ‬طبيعية‭ ‬مباشرة‭ ‬لحدثٍ‭ ‬واقعيٍّ‭ ‬جذريٍّ‭ ‬عاشه‭ ‬الراوي،‭ ‬واستطاعت‭ ‬البطلة‭ ‬‮«‬وحي‮»‬‭ ‬استنطاقه‭ ‬منه،‭ ‬والتفتيش‭ ‬في‭ ‬ذاكرته‭ ‬عن‭ ‬تداعياته؟

□‭ ‬نعم‭. ‬دار‭ ‬حدثٌ‭ ‬مفصلي‭ ‬جوهري‭ ‬أثناء‭ ‬طفولته،‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬العيدروس‭ ‬في‭ ‬الحواشب‭ ‬في‭ ‬اليمن‭: ‬عندما‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ (‬من‭ ‬ثقبٍ‭ ‬في‭ ‬أعلى‭ ‬القبة‭)‬،‭ ‬خفايا‭ ‬مسرحيةٍ‭ ‬تلفيقية،‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬المحراب،‭ ‬صدّقها‭ ‬جميع‭ ‬الحاضرين‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬انطلقت‭ ‬شرارة‭ ‬كل‭ ‬التساؤلات‭ ‬والجدل‭ ‬بين‭ ‬الراوي‭ ‬و«وحي‮»‬‭.‬فكما‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬رواياتي،‭ ‬لا‭ ‬أبحث‭ ‬إلا‭ ‬عن‭ ‬تفجير‭ ‬التساؤلات‭ ‬فقط‭. ‬وكلّ‭ ‬الآراء‭ ‬فيها،‭ (‬مثلما‭ ‬عندما‭ ‬يقول‭ ‬غسّان‭: ‬ابن‭ ‬هشام‭ ‬ميثولوجيا‭ ‬بحجم‭ ‬وطن‭)‬،‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬أعطافٍ‭ ‬جماليةٍ‭ ‬ولغوية‭ ‬فنية‭. ‬باختصار،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يدور‭ ‬خلال‭ ‬السرد‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬روائي‭ ‬خالص،‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬نواة‭ ‬حدثٍ‭ ‬تكوينيٍّ‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬العيدروس‭. ‬ثم،‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬صلب‭ ‬واقع‭ ‬حياتنا‭ ‬العربية‭ ‬واليمنية‭: ‬مسرح‭ ‬الرواية،‭ ‬وكل‭ ‬أحداث‭ ‬وتفاصيل‭ ‬الرواية‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬ثنايا‭ ‬هذا‭ ‬المسرح

■‭   ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الرواية‭ ‬‮«‬وَحي‮»‬،‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬زمنها‭ ‬يعبر‭ ‬حوالي‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬ما‭ ‬دلالات‭ ‬ذلك؟‭ ‬

□‭ ‬زمن‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الامتداد‭ ‬التاريخي،‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬إلى‭ ‬اليوم،‭ ‬والذي‭ ‬يحتضن‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬معظم‭ ‬رواياتي‭. ‬لعلّ‭ ‬المهمة‭ ‬الأولى‭ ‬لأي‭ ‬رواية،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬للرواية‭ ‬مهمة،‭ ‬هو‭ ‬سرد‭ ‬سيرورة‭ ‬الزمن،‭ ‬وتماوجات‭ ‬وتقلبات‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬خلاله‭. ‬

وفي‭ ‬‮«‬وحي‮»‬‭ ‬ثمّة‭ ‬شخصيات‭ ‬عدّة‭ ‬تتغيّر‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬بال‭ ‬أحيانا‭. ‬أهّمها‭ ‬عبدالقهار‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬اسمه‭ ‬‮«‬قهاروف‮»‬‭ ‬في‭ ‬معمعان‭ ‬الزمن‭ ‬الماركسي‭ ‬اللينيني‭ ‬اليمني،‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬الشيخ‭ ‬الدكتور‭ ‬عبدالقهار‮»‬‭ ‬اليوم،‭ ‬صاحب‭ ‬‮«‬براءة‭ ‬اختراع‭ ‬جهاز‭ ‬طرد‭ ‬الجن‭ ‬والشياطين‭ ‬بالواي‭ ‬فاي‮»‬،‭ ‬وأخوه‭ ‬عبدالباري‭: ‬ضحية‭ ‬الإيمان‭ ‬الساذج‭ ‬بمسلمات‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬التي‭ ‬اختلطت‭ ‬فيها‭ ‬الرؤى‭ ‬الغيبية‭ ‬الظلامية‭ ‬في‭ ‬طفولة‭ ‬الراوي،‭ ‬بالأفكار‭ ‬الاشتراكية‭ ‬لاحقا‭. ‬

عبدالباري‭ ‬الذي‭ ‬ذبح‭ ‬ابنه‭ ‬الصغير‭ ‬في‭ ‬الرواية،‭ ‬أمام‭ ‬باب‭ ‬المسجد‭ ‬بعد‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر‭ (‬كما‭ ‬حصل‭ ‬فعلا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القرى‭ ‬اليمنية‭)‬،‭ ‬استجابة‭ ‬لِحلمٍ‭ ‬ليليٍّ،‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬وحي‭ ‬الأنبياء،‭ ‬دُعيَ‭ ‬فيه‭ ‬لِقتل‭ ‬ابنهِ‭ ‬الصغير‭ ‬بالساطور‭ ‬الإبراهيمي،‭ ‬ودفنِه‭ ‬مع‭ ‬مسدسه‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬القبر،‭ ‬ليكون‭ ‬أضحية‭ ‬تنتهي‭ ‬بعدها‭ ‬آلام‭ ‬العالم‭ ‬وحروبه‭. ‬وثالثهما،‭ ‬ولو‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مختلف‭: ‬الراوي‭.‬

على‭ ‬المثقفين‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭ ‬عندما‭ ‬يصمتون‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬والانتهاكات‭ ‬اليومية‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬تاريخنا

■‭  ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الروائي‭ ‬التقليدي،‭ ‬نلاحظ‭ ‬أيضا‭ ‬نوعا‭ ‬من‭  ‬الهوس‭ ‬يجثم‭ ‬على‭ ‬رغبات‭ ‬الراوي‭: ‬رؤية‭ ‬الماضي‭ ‬العتيق،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬فعلا‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحوّل‭ ‬هذا‭ ‬الهوس‭ ‬لاحقا‭ ‬إلى‭ ‬هوس‭ ‬لرؤية‭ ‬المستقبل‭ ‬البعيد‭.‬

□‭ ‬فعلا‭.. ‬علاقة‭ ‬الراوي‭ ‬برؤية‭ ‬التاريخ‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل،‭ ‬كبعدين‭ ‬زمنيين‭ ‬إضافيين،‭ (‬بجانب‭ ‬البعد‭ ‬الروائي‭ ‬التقليدي‭: ‬الحاضر‭) ‬مهمة‭ ‬أيضا‭. ‬وهوَس‭ ‬رؤية‭ ‬الماضي‭ ‬كما‭ ‬مرّ‭ ‬فعلا،‭ ‬وليس‭ ‬كما‭ ‬يحكيه‭ ‬الفقهاء‭ ‬والراوون،‭ ‬ملتصق‭ ‬جينيَّا‭ ‬بغسان،‭ ‬لاسيما‭ ‬منذ‭ ‬رؤيته،‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬قبّة‭ ‬مسجد‭ ‬العيدروس،‭ ‬خفايا‭ ‬تلك‭ ‬المسرحية‭ ‬التلفيقية‭. ‬سقط‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬دماغه‭ ‬جدارٌ‭ ‬ما،‭ ‬وتغيّرت‭ ‬معظم‭ ‬مسلماته‭ ‬الثقافية‭. ‬لعله‭ ‬هوَسٌ‭ ‬مهمٌ‭ ‬وجوهري‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بسبب‭ ‬تفعيل‭ ‬غسّان‭ ‬لدور‭ ‬العقل،‭ ‬ورغبته‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الدلائل‭ ‬الواقعية‭ ‬لبرهنة‭ ‬الأحداث‭ ‬التاريخية،‭ ‬وإيمانه‭ ‬بالتاريخ‭ ‬العلمي‭ ‬فقط،‭ ‬وليس‭ ‬بالتاريخ‭ ‬الميثولوجي‭ ‬الديني‭. ‬وبسبب‭ ‬قناعاته‭ ‬بأن‭ ‬من‭ ‬يفرض‭ ‬رؤيته‭ ‬للماضي‭ ‬يستطيع‭ ‬استقطاب‭ ‬الناس‭ ‬نحو‭ ‬مشروع‭ ‬طريقه‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭: ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬الروحية‭ ‬بين‭ ‬التنوير‭ ‬والظلمات‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المزراب‭ ‬الزمني،‭ ‬وفي‭ ‬ميدان‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الديالكتيكية‭ ‬بين‭ ‬تقديم‭ ‬سيناريو‭ ‬أيديولوجي‭ ‬للماضي‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬الناس،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مفاتيح‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يلائم‭ ‬الأيديولوجية‭.‬

■‭  ‬ثمة‭ ‬أيضا‭ ‬صدمة‭ ‬كبيرة‭ ‬رجّتْ‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬حياة‭ ‬الراوي،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2017،‭ ‬جرّاء‭ ‬بعض‭ ‬الأحداث‭ ‬الدموية‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬التي‭ ‬استقرّ‭ ‬عنده‭ ‬الرأي‭ ‬بعدها‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬‮«‬حاضرنا‭ ‬هو‭ ‬ماضينا‭ ‬أساسا‮»‬،‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬قطيعةٍ‭ ‬مع‭ ‬مسلماتنا‭ ‬الثقافية‭ ‬العتيقة‭! ‬كيف‭ ‬خلص‭ ‬الراوي‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬النتيجة؟‭ ‬

□‭ ‬صحيح،‭ ‬لقد‭ ‬انقلب‭ ‬هوسه‭ ‬الزمنيّ‭ ‬حينها‭ ‬وتحوّل،‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬القناعة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الصدمة،‭ ‬إلى‭ ‬كراهية‭ ‬للتاريخ‭ ‬وتوقٍ‭ ‬هروبيٍّ‭ ‬لمعرفة‭ ‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬الصفحاتُ‭ ‬التي‭ ‬وصف‭ ‬فيها‭ ‬غسّان‭ ‬عام‭ ‬7777‭ ‬تُجْلي‭ ‬هذا‭ ‬الهوَس‭ ‬الجديد،‭ ‬كردِّ‭ ‬فعلٍ‭ ‬لخيبته‭ ‬من‭ ‬تشابه‭ ‬ماضينا‭ ‬العربي‭ ‬وحاضرنا‭. ‬ويلزمني‭ ‬أن‭ ‬أضيف‭: ‬لهذا‭ ‬الهوس‭ ‬بمعرفة‭ ‬معالم‭ ‬مستقبل‭ ‬البشرية،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الرقمي‭ ‬الغامض،‭ ‬ابنُ‭ ‬عم‭: ‬هوَس‭ ‬روايتي‭ ‬السابقة‭ ‬‮«‬حفيد‭ ‬سندباد‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬تتخيّل‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬للبشرية،‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬رهيبة‭ ‬هزّت‭ ‬كل‭ ‬العالم‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الراوي‭ ‬يراقب‭ ‬ويعيش‭ ‬كل‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬اليمن‭ ‬المتشظي‭ ‬المدمّر‭ ‬اليوم،‭ ‬بدءا‭ ‬بحرب‭ ‬13‭ ‬يناير‭/‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬1986‭ ‬التي‭ ‬أطاحت‭ ‬بتجربة‭ ‬جنوب‭ ‬اليمن‭ ‬الاشتراكي،‭ ‬التي‭ ‬تفاصيلها‭ ‬ويومياتها‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬تجارب‭ ‬مختبر‭ ‬أفكار‭ ‬الرواية‭. ‬تليها‭ ‬حرب‭ ‬1994‭ ‬التي‭ ‬تمّ‭ ‬غزو‭ ‬جنوب‭ ‬اليمن‭ ‬خلالها‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬والسلفيين‭ ‬الذين‭ ‬قضوا‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬الإنجازات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬مدينةٍ‭ ‬كانت‭ ‬كوزموبوليتية‭ ‬رائدة‭: ‬عدَن‭. ‬لعله‭ ‬الجرح‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬لهذه‭ ‬الحرب‭ ‬الطائفية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تمزّقُ‭ ‬اليمن‭ ‬منذ‭ ‬4‭ ‬أعوام،‭ ‬الأبشع‭ ‬والأكثر‭ ‬تدميرية‭ ‬في‭ ‬تاريخه،‭ ‬والتي‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬عدوان‭ ‬داخليٌّ‭ ‬حاقد‭ ‬فتح‭ ‬أبوابه‭ ‬تحالف‭ ‬الرئيس‭ ‬المخلوع‭ ‬مع‭ ‬عصابة‭ ‬كهنوتية‭ ‬ظلامية‭ ‬إماميّة‭ (‬الحوثيين‭)‬،‭ ‬بِعدوانٍ‭ ‬خارجي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬التحالف‭ ‬السعودي‭ ‬الإماراتي‭ ‬الذي‭ ‬أكمل‭ ‬تدمير‭ ‬اليمن،‭ ‬ولم‭ ‬يقدم‭ ‬لبنائه‭ ‬شيئا‭.‬

■‭  ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬روايتك،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬لك‭ ‬مع‭ ‬المكان‭ ‬علاقة‭ ‬حميمية،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مكانَ‭ ‬للمكانِ‭ ‬في‭ ‬رواياتك‭ ‬عموما‭ ‬بدون‭ ‬علاقةٍ‭ ‬ما‭ ‬باليمن‭ ‬وعدَن‭.‬

□‭ ‬فعلا،‭ ‬صار‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬الأخير‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬رواياتي‭ ‬الأربع‭ ‬الأخيرة،‭ ‬منذ‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬أروى‮»‬‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬رواية‭ ‬بلا‭ ‬مركز‭ ‬جغرافي‭ ‬محدد،‭ ‬تتناثر‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬عالمية‭ ‬شتّى،‭ ‬تحوّل‭ ‬نموذج‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬وحي‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬إلى‭ ‬أرخبيلِ‭ ‬مدنٍ‭ ‬عالميّة،‭ ‬لليمنِ‭ ‬موقعٌ‭ ‬خاص‭ ‬فيها‭: ‬تبدو‭ ‬مدن‭ ‬العالَم‭ ‬أشبه‭ ‬بإلكترونات‭ ‬الذرة،‭ ‬فيما‭ ‬اليمن‭ ‬وعدَن‭ ‬مركزها‭. ‬يعيش‭ ‬غسّان‭ ‬نصف‭ ‬العام‭ ‬خارج‭ ‬اليمن،‭ ‬ونصفه‭ ‬في‭ ‬معمعانه‭. ‬هو‭ ‬ابن‭ ‬اليمن‭ ‬وابن‭ ‬العالَم‭ ‬معا‭. ‬التنقل‭ ‬بين‭ ‬المركز‭ ‬والأرخبيل،‭ ‬وتلاقحهم،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬في‭ ‬‮«‬وحي‮»‬‭. ‬وأبرز‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬فيها‭ ‬الرواية‭ ‬خليج‭ ‬نابولي‭ ‬وأرخبيل‭ ‬الغلاباغوس‭ ‬لهما‭ ‬علاقة‭ ‬عضوية‭ ‬باختيارات‭ ‬الرواية‭ ‬واتجاهاتها‭ ‬وأحداثها‭. ‬الربع‭ ‬الخالي‭ ‬وأماكن‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬شديدة‭ ‬الحضور‭ ‬أيضا‭ ‬لأسباب‭ ‬روائية‭ ‬أخرى‭.‬

■‭  ‬بالحديث‭ ‬دائما‭ ‬عن‭ ‬اليمن‭ ‬والمواطن‭ ‬اليمني‭ ‬الذي‭ ‬يتألم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬مزّقته‭ ‬الحرب‭. ‬أين‭ ‬هو‭ ‬المثقف‭ ‬اليمني‭ ‬مما‭ ‬يحصل‭.. ‬أليس‭ ‬هو‭ ‬الآخر‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬الخراب؟‭ ‬

□‭ ‬اليمن‭ ‬يغرق،‭ ‬وشعبه‭ ‬ينتحر‭ ‬جماعيا‭. ‬حاولتِ‭ ‬الرواية‭ ‬التسلل‭ ‬الفني‭ ‬في‭ ‬الطبقات‭ ‬الجيولوجية‭ ‬الأعمق‭ ‬للثقافة‭ ‬الظلامية‭ ‬السحيقة‭ ‬الراسخة‭ (‬ليس‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬عربيا‭ ‬عموما‭) ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬لهذه‭ ‬التراجيدية‭ ‬اليوم‭. ‬ولعلها‭ ‬راقبتْ‭ ‬فنيا‭ ‬سيرورة‭ ‬الخراب،‭ ‬خلال‭ ‬سردها‭ ‬ليوميات‭ ‬اليمن‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬عام‭ ‬2017‭. ‬فعندما‭ ‬تتحالف‭ ‬ثقافةٌ‭ ‬تجاوزها‭ ‬العصر‭ ‬مع‭ ‬السياسة‭ ‬والسلاح‭ (‬كما‭ ‬حصل‭ ‬عندما‭ ‬تحالف‭ ‬المخلوع‭ ‬مع‭ ‬المتطرفين‭ ‬السلفيين‭ ‬في‭ ‬1994‭ ‬و2014‭) ‬يكون‭ ‬المد‭ ‬السلفي‭ ‬القبلي‭ ‬الذي‭ ‬أطاح‭ ‬بالمكاسب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬عدن‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬1994،‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬عودة‭ ‬الإمامة‭ ‬و«عصر‭ ‬الولاية‮»‬‭ ‬في‭ ‬صنعاء،‭ ‬منذ‭ ‬2014،‭ ‬عبر‭ ‬الحوثية،‭ ‬بالسلاح‭ ‬والبطش‭ ‬والتدمير‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭. ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬اليمنية‭ ‬من‭ ‬مومياواتٍ‭ ‬فاسدة‭ ‬تغيّرُ‭ ‬معاطفها،‭ ‬وتفتح‭ ‬أحضانَها‭ ‬لأقطابِ‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬الظلامية،‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬التاريخية‭ ‬الأولى‭ ‬طبعا‭. ‬لكن‭ ‬على‭ ‬المثقفين‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭ ‬عندما‭ ‬يصمتون‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الجرائم‭ ‬والانتهاكات‭ ‬اليومية‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭. ‬كارثيٌّ‭ ‬وجبانٌ‭ ‬مثلا‭ ‬كان‭ ‬صمتُ‭ ‬المثقفين‭ ‬مثلا‭ ‬عندما‭ ‬اجتاح‭ ‬المخلوع‭ ‬جنوب‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬1994،‭ ‬سرّح‭ ‬من‭ ‬وظائفهم‭ ‬وامتهن‭ ‬عشرات‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الكوادر،‭ ‬وقضى‭ ‬على‭ ‬المكاسب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المدنية‭ ‬الجنوبية‭ ‬اليمنية‭. ‬صمتهم‭ ‬كارثيٌّ‭ ‬وجبانٌ‭ ‬أيضا‭ ‬اليوم‭ ‬إزاء‭ ‬الإهانات‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭  ‬للمواطنين‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬الشمالية‭ ‬وطردهم‭ ‬أحيانا،‭ ‬وإزاء‭ ‬تصاعد‭ ‬مدّ‭ ‬الهويات‭ ‬المنغلقة‭ ‬المتناحرة،‭ ‬وإزاء‭ ‬اغتيال‭ ‬الشباب‭ ‬المدني‭ ‬المستنير،‭ ‬مثل‭ ‬أمجد‭ ‬عبدالرحمن،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬السلفيين‭ ‬الإرهابيين‭ ‬الذين‭ ‬يقودون‭ ‬أمن‭ ‬عدَن،‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬المتهم‭ ‬بالقتلِ‭ ‬ينتمي‭ ‬لقوى‭ ‬داكنة،‭ ‬لهؤلاء‭ ‬المثقفين‭ ‬علاقةٌ‭ ‬سياسية‭ ‬بها‭. ‬نعم‭ ‬عزيزي،‭ ‬مريعٌ‭ ‬صمتُ‭ ‬المثقف‭ ‬العربي‭ ‬عموما‭ ‬أمام‭ ‬طغاةِ‭ ‬أنظمتــنا‭ ‬التوريثية،‭ ‬المستعدِّين‭ ‬لاغتيال‭ ‬نصف‭ ‬شعوبهم‭ ‬كي‭ ‬تبقى‭ ‬بلدانُهم‭ ‬ملكَ‭ ‬العائلة‭ ‬الحاكمة‭ ‬أو‭ ‬الطائفة‭ ‬الدينية‭ ‬السائدة‭. ‬وأمام‭ ‬ثقافة‭ ‬الظلمات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬دوما‭ ‬سندَ‭ ‬الديكتاتوريات،‭ ‬حليفَها‭ ‬الأول،‭ ‬ووسيلتَها‭ ‬لوأدِ‭ ‬الثورات‭ ‬واغتيال‭ ‬أحلام‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والحرية‭ ‬والمدنية‭ ‬والتقدم‭. ‬بل‭ ‬مريعٌ‭ ‬جدا،‭ ‬لأن‭ ‬المثقفَ‭ ‬الضميرُ‭ ‬والفنارُ‭ ‬والبوصلة‭. ‬

والحرب‭ ‬الروحية‭ ‬ضد‭ ‬ثقافة‭ ‬الظلمات‭ ‬مهمةُ‭ ‬المثقفِ‭ ‬المقدسة‭. ‬و‮«‬الحرب‭ ‬الروحية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬شراسة‭ ‬عن‭ ‬معارك‭ ‬الفرسان‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬آرثور‭ ‬رامبو‭.‬

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية